جدَّد الاحتلال الأمريكي في العراق تصعيده السياسي والأمني ما يؤكد عدم إنهاء الوضع المأساوي منذ أن وضعت الأقدام الأمريكية أقدامها في بلاد الرافدين.
وموطن المماحكة والأزمة المستجدة الآن في العراق هو الاتفاقية الأمنية الجديدة التي تحاول الولايات المتحدة فرضها على العراقيين كجزء من الترتيبات التي ترغب الإدارة الأمريكية في فرضها على هذا البلد العربي المسلم المأزوم.
اليوم تجدَّدت مجموعة من التوترات التي طرأت على العراق، وأهمها المظاهرة التي قام أنصار الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر بتسييرها في العاصمة العراقية بغداد، والمظاهرة على الرغم من أنها مناهضة للولايات المتحدة؛ إلا أنَّ مشكلتها أنَّها عودة "صدريَّة" وبقوة للساحة الإعلامية والسياسية؛ بما يعيد للأذهان الملف الطائفي المخيف الذي طحن عظام العراقيين سنةً وشيعةً خلال السنوات الماضية بعد الاحتلال وزوال قبضة نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين عن هذا البلد المنقسم.
![]() |
|
الآلاف يرفعون أعلام العراق وينددون بالاتفاقية الأمنية |
التيار الصدري وميليشيات جيش المهدي التابعة له كانت جزءًا شديدَ الأهمية من الملف الطائفي في العراق، ولا يبالغ الكثيرون عندما يقولون إنَّ التراجع الحالي في العنف في العراق يعود إلى أمرَيْن شديدَيْ الأهميَّة: الأول هو جهود العرب السُّنَّة ومجالس الصحوات التي شكلوها في الأنبار وبغداد في محاربة القاعدة والتنظيمات الإرهابية في العراق، أما الأمر الثاني فهو التوافق الذي استطاع الأمريكيون التَّوصُّل إليه مع طهران، وحلفاء إيران والولايات المتحدة من الشيعة في العراق خلال الفترة الماضية لـ"تحديد إقامة" مقتدى الصدر، وتغييب أنشطة جيش المهدي؛ الذي كان قد انفلت فعلاً من بين أصابع الصدر، أو على وجه الدقة من بين أصابع ما يُعرف بـ"الحوزة الشيعية الناطقة" في العراق التي يقودها الصدر.
تقنين الاحتلال
تسعى الولايات المتحدة من خلال الاتفاقية الأمنية، التي لا تزال في دهاليز أدراج البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية، لتحقيق مجموعة من الأهداف ذات الأولوية المطلقة في هذه المرحلة الانتقالية الحساسة من التاريخ الأمريكي، في ظل تنازع البلاد لأخطر أزمة اقتصادية عاشتها ليس الولايات المتحدة فحسب؛ بل النظام الرأسمالي كله؛ بما يهدِّد بفوضى اقتصادية عالمية قد تقود لانفجار أمني كبير، حال تعميق الأزمة لحالة الفقر العالمية التي تسبَّبت فيها سياسات الغرب الرأسمالي.
ومن بين أهم هذه الأهداف:
- سعي الإدارة الأمريكية الحالية لترسيخ أي مكسب سياسي لها في العراق قبل رحيلها وهي مهزومة، سواءٌ من البيت الأبيض أو من العراق.
- تهيئة الظروف الملائمة لسحب أكثر من 140 ألف جندي أمريكي من المصيَدة العراقية، والتي من المرشح أن تكون أيضًا مصيدةً إيرانيةً لهذه القوات المرهقة والفاشلة حال إصابة الصهاينة وحلفائهم في البيت الأبيض بالجنون ومهاجمتهم إيران.
![]() |
|
عراقيون يرفعون لافتات ترفض الاتفاقية مع الاحتلال الأمريكي |
- وضع أساس قانوني لبقاء قوات الاحتلال الأمريكية في العراق بعد انتهاء تفويضها الممنوح لها من الأمم المتحدة بحلول 31 ديسمبر من العام 2008م الحالي.
- ضمان حالة من الحصانة القانونية والقضائية للجنود الأمريكيين الباقين في العراق.
أي أنَّ الغرض الرئيسي من الاتفاقية هو:
- إنقاذ إدارة الجمهوريين الجدد في البيت الأبيض، ودعم موقفها الانتخابي في نوفمبر القادم أمام خصومها الديمقراطيين القادمين بقوة.
- وضع إطار قانوني للوجود الاحتلالي الأمريكي في العراق بضمانٍ سياسيٍّ وقانونيٍّ مُلزمٍ للطرف العراقي عن طريق هذه الاتفاقية.
وهي بطبيعة الحال أهداف تصبُّ في صالح الأمريكيين قبل العراق؛ أي أنَّ الاتفاقية وفق ما تسرَّب من بنودها تصبُّ في الأساس في خدمة المصالح السياسية الأمريكية وليست العراقية.
![]() |
|
شوارع العراق اكتظت بالآلاف المعارضين للاتفاقية الأمنية |
ومن خلال قراءة سريعة لبرامج الحزبَيْن الأمريكيَّيْن: الجمهوري والديمقراطي ومرشحيهما في الانتخابات الرئاسية القادمة؛ الجمهوري جون ماكين والديمقراطي باراك أوباما.. نجد توافقًا على هدفٍ إستراتيجيٍّ كبير، وهو تصويب مسار الملف العراقي، سواءٌ بالخروج السريع المنظَّم كما يرغب أوباما أو في إعادة انتشار الوجود العسكري الأمريكي في العراق، ومختلف الأطر القانونية والسياسية التي تنظِّمُه كما يخطط ماكين.
هذا التوافق يرمي إلى وفق البرامج الانتخابية المُعلنة إلى تفريغ ذهنية الإدارة الأمريكية وحشد مجهودها السياسي والعسكري والتمويلي لخدمة ملفَّيْن أساسيَّيْن:
- الأول هو ملف مكافحة ما يُعرَف بـ"الإرهاب"، وإعادة التركيز على أفغانستان في هذا الإطار.
- الاستعداد للتعامل مع الملف النووي الإيراني والملف الإيراني بوجهٍ عامٍ.
باقون!
وعلى الرغم من أن الاتفاقية تنص على ضرورة انسحاب القوات الأمريكية من العراق بحلول العام 2011م؛ إلا أنَّ هناك مجموعةً من الشواهد التي تؤكد بطلان المزاعم التي تروِّجها الولايات المتحدة والحكومة العراقية الموالية لها في بغداد حول هذا الأمر.
فهناك أولاً تصريحات جيف موريل الناطق باسم وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون، والذي قال فيه إن القوات الأمريكية لن تنسحب من العراق "ما لم تتوفَّر الظروف المناسبة على الأرض لذلك"، وفيما تقول بغداد إنَّ النص يتضمن انسحابًا أمريكيًّا بنهاية العام 2011م؛ فإنَّ موريل أكد أن الاتفاق لن يكون ملزمًا للرئيس الأمريكي المقبل.
![]() |
|
الشعب العراقي يقف بقوة ضد الاتفاقية الأمنية مع الاحتلال الأمريكي |
أيضًا قال موريل عن الاتفاقية: "هذه الوثيقة ستؤمِّن الإطار القانوني الذي يسمح لنا بمواصلة العمليات هناك، لكنه لن يقيِّد القائد المقبل للقوات المسلحة"؛ أي أنَّ التوقيع على الاتفاقية سوف يقنِّن وجود قوات الاحتلال الأمريكية في العراق لكنه لن يقرر إخراجها.
أمر آخر في الاتفاقية يصرُّ عليه الأمريكيون، يوضح أنَّهم لن يخرجوا بحلول العام 2011م، وهو موضوع الحصانة التي ضمنتها سلطة "التحالف" الدولي المؤقتة، التي أنشأتها القوات الغازية في العام 2003م في العراق للجنود والمقاولين الأمنيين الأمريكيين من الملاحقة القانونية أمام القضاء العراقي؛ حيث يمنح الاتفاق الجديد السلطات القضائية العراقية صلاحيةً محدودةً لمقاضاة العسكريين والمقاولين الأمنيين الأمريكيين، الذين يرتكبون جرائم كبرى "خارج قواعدهم وخارج أوقات دوامهم الرسمي"؛ شريطة أن تمارَس هذه الصلاحية بموافقة لجنة عراقية- أمريكية مشتركة.
وإصرار الكونجرس الأمريكي على هذا الأمر يوضح أنَّ هذا ليس سلوكَ أناسٍ ينوون الخروج من العراق، بل يسعون إلى تأمين وجودهم هناك لأقصى درجة؛ فلو كان الأمريكيون سيَخرجون من العراق لم يكونوا يسعون إلى ترتيب هذه الأوضاع بهذه الصورة المعقَّدة، كما أنَّ الاتفاقية في بنودها التي قالها موريل تعني أنَّ هناك قواعدَ سوف تبقى في العراق.
مهانة!!
كما أنَّ الاتفاقية مُهينة تمامًا لكرامة العراق وسيادته؛ فهي تحدِّد سلطة القضاء العراقي على الجنود الأمريكيين والأجانب العاملين في الشركات الأمنية، وهذا مبدأٌ مرفوضٌ في سياسات الدول التي تحافظ على سيادته، كما أنَّها تضع شروطًا أيضًا في هذا!؛ حيث تحدد شروط محاكمة الجنود الأمريكيين وعملاء الشركات الأمنية مثل بلاك ووتر، بشكلٍ يصل إلى حد التعجيز، ومن بينها أنْ يرتكبوا جرائم كبرى دون تحديد هذه النوعية من الجرائم وكمِّ الضحايا العراقيين الذين يجب أنْ يسقطوا حتى يكون الوضع مندرجًا تحت بند الجريمة الكبرى.
كما أنَّ مثل هذه المحاكمات حتى لو عُقدت فسوف تكون في إطارٍ قضائيٍّ أمريكيٍّ- عراقيٍّ مشترك؛ أي أنَّ الأمريكيين سوف يتدخلون في عمل القضاء العراقي أيضًا خلال المحاكمة عن طرق "لجنة عراقية- أمريكية مشتركة".
![]() |
|
لافتات عراقية ضخمة ترفض الاتفاقية الأمنية طويلة الأمد |
وللتَّأكيد على فكرة البقاء هذه نعود إلى ما نشرته صحيفة الـ(صنداي تليجراف) البريطانية في أبريل 2007م مما وصفته بوثيقة سرية للجيش البريطاني تقول إن القوات البريطانية قد تبقى في العراق خمس سنوات أخرى "على الأقل"؛ أي حتى العام 2012م، وهو ما تناقض مع تصريحات رئيس الوزراء البريطاني وقتها توني بلير من أنه سوف يخرج من العراق بحلول العام 2008م، وهو ما لم يحدث.
وهذا الكلام معناه خطير للغاية؛ فهل سوف تبقى القوات البريطانية وحدها في العراق لعامٍ كاملٍ بعد خروج الأمريكيين؟
وهل سوف تتحمَّل تبعة ذلك عسكريًّا وأمنيًّا؟! هذا مستبعَد بطبيعة الحال، كما أنَّ مخالفة بلير لتعهداته يعني أنَّ هناك سوابقَ تراجع فيها التحالف الأنجلو- أمريكي في العراق عن الكثير من تعهداته.
والوضع الآن أنَّ الإدارة الأمريكية تقوم عن طريق وزير دفاعها روبرت جيتس والحكومة العراقية في بغداد بمحاولة تسويق الوثيقة التي رفضها كافة العراقيين أيضًا؛ فموقف الصدر واضح، بينما لم يفلح رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في إقناع الحوزة الشيعية الصامتة عندما قابل المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني قبل أيام، بينما أصدرت جبهة علماء المسلمين في العراق، ممثلة العرب السًُّنَّة هناك، فتوى بتحريم الاتفاقية.
وبات واضحًا أنَّ الحكومة العراقية المكوَّنة أساسًا من شيعة وأكراد هي فقط التي توافق على الاتفاقية، فهل تُقْدِم على التوقيع عليها دون موافقة العراقيين؟! وماذا سيكون الوضع وقتها لو بقيت القوات الأمريكية في العراق؟
في رأي مراقبين أنَّ ذلك سيعني تجدُّد العنف في العراق بقوة أكبر من الوضع الراهن يُعيد البلاد إلى المربع الأول!.




