ما إن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارَها حتى التقى الرئيس الأمريكي السابق فرانكلين روزفيلت بمستشاري البيت الأبيض لتحديد حصة الولايات المتحدة من النفط الخليجي، والتي حسمها روزفيلت بقوله إنه لن يقبل نسبةً تقل عن 100% من السيطرة الأمريكية على منابع النفط العربي في الخليج، وهي الإجابة التي نقلت ملف النفط من نطاقات وزارات المالية والاقتصاد إلى مهامّ أجهزة المخابرات ووزارات الخارجية ومؤسسات الأمن القومي، وليحمل نفط الخليج بصمة سياسية صارت مؤخرًا عسكريةً تمامًا مع لافتة بارزة تقول "ممنوع الاقتراب أو التصوير".
حساسية ملف الطاقة هي الأهم والأخطر بالنسبة للقوى الرئيسية في العالم كله غربه وشرقه، وهو وضعٌ ليس قاصرًا على منطقة الخليج العربي فحسب؛ فالصين مثلاً تتبنى ذات النهج الأمريكي والغربي في حماية مصالحها في أماكن سيطرتها بإفريقيا، سواءٌ عن طريق التحالفات السياسية أو باستخدام المخابرات والقوة المسلحة.
وحتى عندما يتم التعامل مع الجوانب الاقتصادية للنفط، مثل العوائد المالية الضخمة له؛ فإن القضية يتم تسييسها أيضًا، فقضية ودائع العرب الضخمة في البنوك الغربية، والتي زادت عن مستوى الـ800 مليار دولار هي قضية سياسية؛ حيث يتم عن طريقها وباستخدام أدوات مشابهةٍ إخضاع القرار السياسي العربي عبر السيطرة على المقدَّرات الاقتصادية للعرب.
وقد تجلَّت هذه الطبيعة في الأزمة الأخيرة التي اجتاحت العالم؛ بسبب رعونة وعدم رشادة النظام المالي الأمريكي والعاملين فيه؛ جرَّاء المضاربات والمغامرات المالية وتزايد عمليات الإقراض بدون أساسٍ إنتاجيٍّ، بجانب إصرار الأمريكيين والغرب عمومًا على اتباع النظام الربوي، رغم مفاسده الكبيرة وتأثيراته السلبية التي رفضها الغرب في السابق، والتي تسبَّبت من قبل في أزمة الكساد الكبير سنة 1929م والتي استمرت حتى عام 1932م.
أزمة فقراء!
هيمنة البلدان الغربية، وتحديدًا الولايات المتحدة على مقدَّرات السوق العالمي ماليًّا وتجاريًّا هي ما تسبَّبت في الهزَّة التي أصابت اقتصاديات العالم كله، والتي من المرجَّح أن تدخل الاقتصاد العالمي في أزمة كساد وركود ما سينشأ عنه أزمة غذاء أسوأ من تلك التي ضربت العالم في الأشهر الماضية، وتنشأ حالة من العوز في الطعام؛ مجاعة بصورة أكثر تحديدًا، تهدد حوالي سُدُس سكان العالم.
كما أن خبراء البنك الدولي قد حذَّروا يوم الجمعة الماضي من أنَّ استمرار تراجع سعر النفط وانخفاض التحويلات المالية بسبب الأزمة؛ سيؤديان إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ حيث كان النفط أحد أكبر المساهمين الرئيسيين في النمو بالمنطقة.. أي أنَّ الاقتصاديات الناشئة والنامية التي تليها في درجة التطور سوف تعاني من العديد من التأثيرات، أبسطها:
- تراجع أسعار النفط على المستويات غير الطبيعية التي وصلت إليها حاليًّا؛ حيث انخفضت من مستوى 147 دولارًا للبرميل في يوليو الماضي إلى مستوى يتراوح ما بين 69 إلى 73 دولارًا للبرميل فقط؛ أي أكثر من 50% تقلصات في الأسعار.
- انخفاض مستوى الاستثمارات الخارجة والداخلة والمشروعات الجديدة.
اقتصاديات هشة
ولتصور واقع مشكلة الاقتصاديات النفطية العربية مع الأزمة المالية العالمية يجب أنْ نعرف أنَّ البلدان النفطية تحتسب ضمن موازناتها أسعار النفط بأقل من 40% ممَّا هو قائمٌ في الأسواق؛ ففي حين لامس سعر البرميل 140 دولارًا كانت قطر والسعودية وغيرهما من دول الخليج النفطية تضع سعرًا للبرميل لا يُجاوِز مستوى الـ40 دولارًا للبرميل.
إلا أنَّ المشكلة الحقيقية تأتي في الإنفاق العام، وليس في الموازنات المُقدَّرة؛ فإنفاق هذه البلدان الفعلي يأخذ في اعتباره ارتفاع سعر البرميل في السوق العالمي؛ ممَّا يسبب عجزًا في الموازنة الأصلية، وكانت الحكومات تلجأ إلى تعويض هذا العجز وسده بفوائض أسعار النفط، ولكن مع تراجع أسعار النفط عالميًّا فإنَّ هذه الفوائض تلاشت، كما أنَّ الفوائض المالية السابقة التي تم اكتنازها في المصارف وفي أصولٍ ماليةٍ وعقاريةٍ في الداخل والخارج تلاشت في ظل الأزمة المالية الحالية؛ أي أنَّ الأزمة المالية الراهنة أدَّت إلى الإضرار باقتصاديات الخليج العربي من 3 زوايا:
1- تراجع مستويات الاستثمارات الواردة وتشغيل الأموال من فائض النفط.
2- تقليص أسعار النفط لتلامس المستويات الدفترية المحتسبة في الموازنات.
3- تبديد المدخرات والأرصدة التي كانت في البورصات والبنوك الغربية، كما خسرت البورصات الخليجية نفسها بفعل الأزمة وانسحاب الأموال الأجنبية منها حوالي 20% من قيمتها؛ أي حوالي 200 مليار دولار.
حيث تمَّ توجيه الاستثمارات والأموال الغربية لإنقاذ البنوك والمؤسسات المنهارة، أو توجيهها إلى ملاذاتٍ آمنةٍ أكثر ثباتًا واستقرارًا، مثل الذهب، لذلك ارتفعت أسعاره بشكلٍ مخيفٍ؛ فزاد سعر الأوقية عن 900 دولار في أسوأ أوقات الأزمة، وهو ما له تداعيات اقتصادية واجتماعية عديدة.
ولكي يمكن تصور حجم الكارثة يجب أن نعرف أنَّه بناءً على الارتفاعات المتوالية لأسعار النفط العالمية، ووفق تقديرات خبراء قبل الأزمة من أنَّ الأسعار سوف تزيد عن الـ160 دولارًا للبرميل في العام المقبل 2009م؛ قامت حكومات الخليج بالدخول في مستويات إنفاق غير مسبوقةٍ وغير رشيدة، إلا أنها صوحبت بقيام حكومات الخليج بتأسيس مجموعة من المشروعات العملاقة بمئات المليارات من الدولارات، فيما بين الطاقة والصناعة والسياحة والعقار.
السعودية وحدها بجانب مشروعات الطاقة الضخمة تقوم ببناء 6 مدن اقتصادية باستثمارات تتجاوز 100 مليار دولار، وعندما تضع مؤسسة التمويل الدولية تقديرات بأن الاستثمارات الداخلية في الخليج سوف تصل إلى نحو تريليون دولار خلال السنوات الخمس المقبلة كانت معولةً على أسعار النفط؛ ندرك تمامًا حجم الكارثة التي سوف تلمُّ بالاقتصاديات النفطية لو لم تعُد أسعار النفط إلى سابق ارتفاعاتها.
كما أنه وبالفعل لولا عاملان رئيسيَّان لكانت هذه البلدان قد أفلست تقريبًا؛ مثل أيسلندا التي أعلنت انهيار اقتصادها تقريبًا، وهما:
- المصرفية الإسلامية التي حافظت على السيولة الكافية لإدارة الأصول والمشروعات في الحد الأدنى منها على الأقل.
ذلك إنَّ أصل مشكلة البنوك والشركات الأمريكية الكبرى كانت من لجوئها لإقراض مليارات الدولارات كرهونٍ عقاريةٍ دون وجود أصولٍ ومشروعاتٍ تغطيها، أي أموال تنفق على غير قاعدة مادية تغطيها، بينما ألزمت نفسها بسبب النظام الربوي بدفع عوائد الودائع التي لديها، دون النظر إلى ما إذا كانت تربح أم تخسر، بينما المصرفية الإسلامية لا تفعل ذلك مطلقًا، فهي تُحمِّل العملاء معها نصيبهم من الأرباح والخسائر، لذا تبحث دائمًا عن الاستثمارات المضمونة في ربحيتها لطمأنة العملاء والمودعين، وتأمين ودائعهم، وفي موضوع القروض لم تكن هذه المصارف تقرض دولارًا واحدًا دون أصولٍ إنتاجية أو مادية أو مشروعاتٍ حقيقيةٍ سيصرف فيها.
- العامل الثاني هو عدم ارتباط المؤسسات المالية وشركات العقار الخليجية بالمؤسسات الدولية التي ضربتها الأزمة.
وقد قامت البنوك المركزية في هذه البلدان ببحث أصول ودفاتر مختلف المؤسسات الموجودة لديها واستكشاف من له علاقة بالمؤسسات "المضروبة" في الغرب، وتأمين وضعه، وتأمين السوق منه.
لذلك فإنَّ مستويات خسائر البورصات الخليجية- نسبة الـ20% هذه- تعتبر نسبة معقولة إذا ما قورنت بمستويات الخسائر التي كان من الممكن أنْ تقع لولا هذه العوامل.
أزمة سياسية
دول الخليج مقبلة الآن على أزمةٍ سياسيةٍ، سواء فيما بينها أو مع الغرب، فمنظمة البلدان المنتجة والمصدرة للنفط (أوبك) قدمت موعد انعقاد اجتماعها الطارئ لبحث الأزمة من نوفمبر إلى 24 أكتوبر، وتريد دول مثل قطر والجزائر وإيران تخفيض الإنتاج بمقدار ما بين نصف مليون إلى مليون برميل يوميًّا لتلجيم الانخفاضات المتوالية للأسعار، والبعض يُطالب بتخفيض يصل إلى مليونَيْ برميل، للوصول إلى مستويات الأسعار السابقة في أقرب وقتٍ ممكنٍ للوفاء باحتياجاتها المالية المتنامية.
وهو أمرٌ غير متصوَّرٌ حدوثه، فحتى لو خفضت أوبك الإنتاج وارتفعت أسعار النفط، فلن تجد أحدًا يشتريه بهذا السعر، وسوف يؤدي ذلك إلى أزمة طاقة في الغرب على غرار ما جرى في السبعينيات؛ حيث كان هناك تقنين للبنزين والكهرباء بعد تقليص العرب لإمدادات النفط خلال حرب أكتوبر، كما أنَّ ذلك سوف يدعو الغرب على المَديَيْن المتوسط والبعيد إلى تسريع وتيرة العمل في مجال إيجاد مصادر بديلة للطاقة.
وبالفعل فإنَّ الطَّاقة النووية ومصادر الطاقة النظيفة، مثل طاقة الرياح والشمس تفي بما بين 30% إلى 40% من احتياجات الغرب من الطاقة، مقارنة مع ما بين 5% إلى 10% فقط في السبعينيات، مع مراعاة أيضًا أنَّ استهلاك الطاقة في الغرب ارتفع في هذه الفترة أكثر من الضِّعف، أي أنَّ هذه الـ30% أو الـ40% كانت تفي باحتياجات الغرب من الطاقة في الفترة التي تلت حرب رمضان/ أكتوبر 1973م.
القوى النفطية الكبرى في أوبك كالسعودية تعارض هذا الأمر، وهي تنتج ما بين 9 إلى 10 ملايين برميل يوميًّا، كما أنَّ الغرب يُعارض صراحة أي مساس بمستويات الإمدادات النفطية بهذه المستويات من الأسعار في الوقت الراهن، وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون صراحة، فبراون الذي نادى في مايو الماضي بـ"تحرير البلاد من ديكتاتورية النفط"، وصف مساعي الدول المنتجة للنفط لتخفيض إنتاجها بـ"الأمر المخزي" استباقًا لاجتماع أوبك القادم، أي أنَّ الغرب لا يريد للعرب والفقراء البحث عن سبيلٍ لحل الأزمة التي تسببت فيها!!
وبالتالي فمن المرجح أنْ تشهد العلاقات ما بين أطراف أوبك الكبرى أزمة؛ حيث من غير المرجح التزام السعودية بالتخفيضات من خلال سوابق مشهودة، وكذلك ما بين أوبك الرسمية والغرب لو تبنت أوبك قرار التخفيض لرفع الأسعار من جديد.