أعلنت إيران أنها بصدد تكوين تحالف دولي جديد مع القوى العظمى في مجال إنتاج الغاز الطبيعي فيما سُمِّيَ إعلاميًّا بـ"ثلاثي الغاز الكبير".

 

وتحدث وزير النفط الإيراني غلام نوذري خلال مؤتمرٍ صحفيٍّ عقده في العاصمة الإيرانية طهران أول أمس الثلاثاء 21 أكتوبر، مع كلٍّ من وزير الطاقة القطري عبد الله بن حمد العطية والرئيس التنفيذي لعملاق الغاز الروسي جازبروم أليكسي ميلر عن اتجاه البلدان الثلاثة إلى تأسيس تجمع لمنتجي الغاز الطبيعي على غرار منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط "أوبك".

 

البلدان الثلاث التي تعتبر أكبر بلدان العالم إنتاجًا للغاز الطبيعي تعتزم جعل هذا التجمع على هيئة منظمة لها اجتماعاتها، ولها دورها في دفع عجلة التنسيق فيما بينها في مجال الاستثمارات المتبادلة والتنقيب والتعاقدات.

 

الشريك الروسي كان شديد الحماسة في الواقع لهذا الموضوع؛ فألكسي ميلر قال: "بما أن روسيا وقطر وإيران تملك مجتمعةً ثلاثة أخماس الاحتياطي العالمي من الغاز، فإننا اتفقنا على عقد لقاءات بصفة دورية والبقاء على اتصال دائم في المستقبل".

 

ولاشك أن ضخامة حجم هذا التجمع له تأثيراته في أسواق الطاقة العالمية، ويجب أنْ نعرف أنَّ الدول الثلاث تلك تملك أكثر من نصف الاحتياطي العالمي من الغاز الطبيعي، وتحديدًا حوالي ثلاثة أخماس الاحتياطي العالمي من الغاز الطبيعي، كما قال ميلر.

 

فطبقًا لمتوسطات الفترة بين 2005م وحتى 2008م، فإنَّ إجمالي احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم تبلغ حوالي 6112 تريليون قدم مكعب؛ تملك منها روسيا أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم، ويبلغ قدره 1680 تريليون قدم مكعب، بنسبةٍ قدرها 27.5% من الاحتياطي العالمي للغاز.

 

بينما تمتلك إيران ثاني أكبر احتياطي ضخم من الغاز الطبيعي، يبلغ نحو ‏920 تريليون قدم مكعب‏ بنسبة 15.5% من إجمالي الاحتياطي العالمي من الغاز‏،‏ بينما تمتلك قطر نسبة مقاربة أو تقل قليلاً؛ حيث لديها أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم، ويعرف باسم حقل الشَّمال، الذي تبلغ احتياطياته 900 تريليون قدم مكعَّب من الغاز الطبيعي.

 

عصر الطاقة

الخبر الكبير لم يكن جيدًا بالنسبة للغرب الذي يستورد نسبة تزيد قليلاً عن 60% من احتياجاته من الطاقة.

 

الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اللذان لم ينسيا بعد تجربتهما المريرة مع "أوبك" منذ السبعينيات وحتى الآن، عبَّرا عن قلقهما من هذه الخطوة، وكان أول تعليق قاله المسئولون الأمريكيون والأوروبيون في هذا الإطار هو التحذير؛ حيث حذَّروا من تكوين منظمة للغاز على غرار منظمة "أوبك"، قائلين إنَّ خلق منظمة للغاز سيمثل "خطرًا"(!!) على أمن الطاقة العالمي، وسينتج منه تلاعب في أسعار الغاز.

 

بينما قال متحدث باسم الاتحاد الأوروبي إن أسواق الغاز الطبيعي يجب أنْ تظلَّ مفتوحةً ويباع فيها الغاز بأسعاره الحقيقية.

 

ولكن الأمر ليس بهذه البساطة التي تبدو بها الأمور، وليست قاصرةً على الجانب الاقتصادي كما حاول الغرب وضع الأمور بها أمام وسائل الإعلام؛ فالأمر يتعلق بالأمن القومي الغربي، وكذلك بمدى قدرة النظام الليبرالي الرأسمالي ذاته على الاستمرار بعد الضربات القوية التي تلقاها في الآونة الأخيرة.

 

ولنتصور خطورة الأمر يجب وضع بعض الحقائق بجوار بعضها البعض أولاً؛ فالطاقة بالنسبة للغرب هي مفتاح استمرار وتطور حياته، وهي الوجه الآخر للنظام الرأسمالي؛ فالثورة الصناعية الأولى بدأت مع اكتشاف البخار، ثم تزايدت وتيرة التطور الصناعي في الغرب بعد اكتشاف الكهرباء ومحركات الديزل والبنزين، بعد أنْ عرف الإنسان البترول وكيف يستفيد منه في مجال تطوير صناعات الطاقة، وبالتالي زيادة الإنتاج.

 

والعنصر الأخير (الإنتاج) كان هو العامل الرئيسي الأول وراء مجتمعات الوفرة والرفاهية التي ظهرت في الغرب، وجعلت منه القوة الأعظم في العالم بفضل ما أتاحته هذه الوفرة من إمكانية التفرغ للبحث العلمي وتطوير وسائل النقل والسلاح لغزو الأسواق، واحتلال أراضي الغير للاستفادة بثرواتهم.

 

وكما سبق القول في موضوعٍ سابقٍ أنه عندما انتبه الأمريكيون إلى وضعهم كقوةٍ عظمى وليدة في عالم الحرب العالمية الثانية، وأنهم بعد الحرب عندما تنهك الجميع سيكونون هم لا يزالون بكامل قوتهم، بعد ابتعاد الحرب عن قلب الأرض الأمريكية، باستثناء واقعة بيرل هاربور، وبينما الحرب تضع أوزارها، التفت مكتب الخدمات الخاصة الأمريكي (نواة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية) إلى الشرق الأوسط، مع ظهور منابع النفط في شبه الجزيرة العربية، وسألوا الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفيلت الرهيب الذي استطاع فعلاً هز عرشَيْ هتلر وهيروهيتو في برلين وطوكيو خلال الحرب، عن النسبة التي يجب على الولايات المتحدة الاحتفاظ بها من نفط الشرق الأوسط، فأجاب ليس بأقل من نسبة 100%؟!

 

فالطاقة هي ببساطة محرِّك النهضة الصناعية والعلمية الغربية، وأساس مجتمعات الرفاه الاقتصادي لديهم، وبدونها لا يكون هناك حاسبات ولا طائرات ولا صواريخ نووية، ولا سيارات ولا مصانع.

 

ولمعرفة تأثير ملف الطاقة في الغرب نطالع التقارير التي وردت عن حالة المدن الأمريكية بعد الحظر النفطي الذي مارسته الدول العربية في حرب رمضان أكتوبر 1973م، وكذلك حالة المدن الغربية في مرحلة أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب في العام 1974م بعد ارتفاع الأسعار بصورةٍ مفاجئةٍ وكبيرةٍ لم تتحملها الاقتصاديات الغربية الشرهة للطاقة، وقتها كان الموظف الأمريكي يذهب إلى عمله على قدمه، وكان البنزين بالحصة!.

 

فالطاقة هي التي صنعت أساس النظام الرأسمالي، وهي الضلع الثاني بعد النظام المصرفي- التجاري لنظام السوق الحر.

 

صراع دولي

والآن لنضع بعض الأرقام بجوار بعضها؛ فروسيا صاحبة هذه الأرقام المخيفة في مجال طاقة الغاز الطبيعي هي المنتج الثاني للنفط في العالم بمعدل يقترب قليلاً من الأرقام السعودية في هذا الإطار، حوالي 9 ملايين برميل يوميًّا، وهي المورد الأكبر للطاقة لأوروبا الغربية عن طريق خطوط الغاز والنفط التي تمر بأوكرانيا وشرق أوروبا قبل وصولها إلى أسواقها الحقيقية في غرب أوروبا.

 

ويمكن القول إن مفتاح الحياة اليومية لأوروبا الغربية في يد موسكو، وهو وضعٌ لا يقبل به الغرب، ولكنه يرتضيه مع مزايا الغاز والنفط الروسيين؛ فهما على الأقل بضمان أمن دولة عظمى نووية كانت يومًا ما إحدى القوَّتَيْن العظميين في هذا العالم، كما أنَّه رخيص الثمن مع رخص كلفة نقله بخلاف نفط وغاز الشرق الأوسط الملوث بالأزمات والبارود، والمهدد دائمًا بالحروب.

 

فالنفط العربي بعد أزمة الطاقة الأولى في السبعينيات مرَّ بالعديد من الأزمات والحروب؛ فالحرب العراقية الإيرانية استمرت 8 سنوات، كانت مصافي النفط وناقلاته الهدف الأول لصواريخ إكسوسيت العراقية والقاصفات الإيرانية، ثم إن حرب الخليج الثانية قامت أساسًا بسبب النفط عندما احتل العراقُ الكويتَ بسبب خلاف نفطي على مصادر حقل الرميلة الحدودي، وقامت الولايات المتحدة على إثرها بضرب العراق لإخراجه من الكويت؛ حتى لا يسيطر العراق على نفط الخليج الذي وضع روزفيلت يده على نسبة 100% منه.

 

حتى حرب الخليج الثالثة اندلعت لوضع احتياطيات النفط العراقية المخيفة التي كانت دائمًا بعيدًا عن قبضة أحفاد روزفيلت، تحت تصرف الأمريكيين وحلفائهم، وتبلغ احتياطيات العراق من النفط حوالي 114 مليار برميل، بينما تشير تقديراتٌ إلى أنَّ ما لم يُكتَشف في كركوك والجنوب من الممكن أنْ يقفز بالعراق إلى مستوى احتياطي نفطي وغازي لا قِبَل لأي أحدٍ بتصوره!!؛ فالاحتياطي النفطي المنتظر وحده قد يفوق احتياطي النفط السعودي البالغ حجمه 245 مليار برميل، بخلاف الغاز.

 

والآن روسيا تقوم بتطويق هذا كله!!؛ فهي أولاً قد دعمت من تحالفاتها مع فنزويلا إحدى الرءوس الكبيرة في "أوبك"، والتي تنتج أكثر من أربعة ملايين برميل نفط يوميًّا؛ نصفها يذهب إلى الولايات المتحدة، ثم ها هي روسيا تذهب إلى الشرق الأوسط لتطوِّق أكثر من 30% من احتياطي الغاز الطبيعي فيه، والموجودة في إيران وقطر.

 

الملف الإيراني

على الجانب الآخر فإن الغرب الذي استطاع حتى الآن تحجيم قدرات إيران في مجال الطاقة- إيران مُصدِّرٌ ضعيفٌ للغاز مقارنةً باحتياطياتها الضخمة؛ فقطر تسبقها في التصدير رغم أنَّ احتياطيات الأخيرة أقل من احتياطيات إيران- سيجد أن التحالف الجديد يقوِّض كل جهود الغرب في هذا المجال، الذي كان يرغب في أنْ يكون أحد العصي الأمريكية المستخدمة في تأديب إيران.

 

فهذا التحالف سيعني توفير المزيد من الموارد بالنسبة لإيران، والمزيد من القدرات في مجال إنتاج الطاقة وتقنياتها، وسوف تتمكن طهران من الاستعاضة عن جهود الشركات الغربية، التي تعاند طهران في مجال تطوير حقل غاز فارس الجنوبي في الخليج العربي، وهو شيءٌ عملاق سيقفز بقدرات إيران في هذا المجال سنواتٍ للأمام.

 

وعلى الجانب السياسي فإن طهران بذلك تكسب أرضًا مع الحليف الروسي في التمكن من تهديد الأمن القومي الغربي؛ فسيطرة طهران على 15% من الاحتياطي العالمي من الغاز ومثلها تقريبًا من النفط، وبالتحالف مع روسيا وفنزويلا سيكون الأمر خطيرًا بالفعل للولايات المتحدة ومصالح التحالف الغربي، وهو ما يمكِّنها من الرد على أي فعلٍ أمريكي تجاهها في الملف النووي، وهو ما يدركه الأوروبيون الذين يتبنون منطق الحكمة في التعامل مع إيران التي تسيطر على مضيق هرمز.

 

هذا هو جانب من الصورة التي يراها الغرب الآن، ويخشى لأسباب نفسية حتى التصريح بها إعلاميًّا؛ حيث إنَّ ذلك بجانب أزمة الرأسمالية المستجدة قمين بأنْ يثير ذعر المواطن العادي الذي ما فتئت الدعاية الغربية إبان الحرب الباردة أن تصوِّر الروس له على أنهم قوم لا يعرفون هدفًا لهم سوى تدمير الحضارة الغربية!.

 

دروس!!

الدروس المستفادة من السلوك الروسي- الإيراني في هذا، والذي استطاع ضم تابع أمريكي مثل قطر، التي سوف تتابع عن كثبٍ ما يجري بطبيعة الحال لحساب الأب الأمريكي الحنون، هو كيف يمكن لقوى أقل شأنًا في عناصر القوة الشاملة التصدي لعملاق عالمي لم يسبق في التاريخ الإنساني له نظير مثل الولايات المتحدة، وأن يذل ناصيته لا بشيء سوى بالإرادة أولاً، وثانيًا بالاستخدام الأقصى للموارد المتاحة.

 

وهو ذات الدرس الذي تعلمته قوى المقاومة التي تحارب في العراق وأفغانستان وفي فلسطين ولبنان، والتي تعلمت كيف يمكن لقوة صغيرة منظَّمة تتمتع بالإرادة وتعرف جيدًا كيف تحسب لخطواتها سياسيًّا وعسكريًّا، وتحافظ على أمنها، أنْ تهزم قوى أقوى وأكبر منها كثيرًا.

 

على الجانب الآخر يجب أنْ يفكر العرب الآن بالفعل في اللحاق بهذه الفرصة التاريخية؛ فالعرب الذين ينتجون أربعين بالمائة من النفط العالمي ونسبةً مماثلة من الغاز يمكنهم الاستفادة من الدرس الإيراني- الروسي في هذا المقام، ومعرفة كيف ينسقون جهودهم في هذا المجال، ولكن ذلك سيتبقى قيد شرطٍ واحدٍ، وهو توافر الإرادة السياسية لدى الدول والحكومات.