لا تزال ألسنة اللهب مشتعلةً في الأهداف التي شهدت الهجمات الأخيرة في عاصمة المال والسينما الهندية مومباي، وإنْ كانت هذه النيران سوف يتم إخمادها في القريب العاجل، فإنَّه وبكل تأكيد لن تخمد في صدور أجهزة الأمن الدولية التي مسَّت الهجماتُ منشآتها ورعاياها.

 

وبخلاف الهند التي ضربتها هذه الهجمات في مقتل، فإنَّ أبرز طرف يعاني من الفشل الكبير فيما يخص الجانب الأمني هو الكيان الصهيوني، الذي جاءت هجمات مومباي لكي توقظه على كابوسٍ مخيفٍ يعلن فشل جهاز مخابراته "الأسطوري"- بحسب رواياتهم- في حماية رعايا الكيان الصهيوني ويهود العالم.

 

ولكن لعل الأخطر بالنسبة للصهاينة في ملابسات ما جرى أنَّ له بعدًا نفسيًّا مخيفًا وشديد التَّأثير أكثر بكثير حتى من سقوط عددٍ من القتلى الصهاينة من بين ضحايا الهجمات المائتين، والمرشحين للزيادة، وهو البعد الخاص بأخذ الرهائن، أو بمعنى آخر البعد الخاص بالحصار، وهو حصارٌ انتهى بمقتل اليهود المحاصرين.

 

هذه العملية شديدة الحساسية بالنسبة للصهاينة؛ حيث أيقظت في داخلهم كابوسًا لم يخمد وإن توارى بعد عملية التسوية مع بعض الأطراف الفلسطينية والعربية كابوس حصار "الماسادا".

 

و"الماسادا" أو "مسعدة" باللغة العبرية، هي قرية تقع في شمال يهودا- بحسب المزاعم العبرانية- أو الضفة الغربية حاليًّا، وكان يقطنها بعض اليهود في القرن الأول بعد الميلاد، وفي العام 71م حاصر الرومان قلعة كانت تحمل ذات الاسم، وكان اليهود قد تحصنوا فيها من بطش الرومان، وفي النهاية وبعد حصارٍ طويلٍ، فضَّل اليهود أنْ يقتلوا أنفسهم بدلاً من الوقوع في أيدي الرومان الذين كانوا سوف يأخذون نساءهم وأطفالهم سبايا وأسرى وعبيدًا، بعد أنْ يقتلوا رجال اليهود المحاصرين.

 

وبدأ اليهود في قتل النساء والأطفال، ثم بدءوا في قتل الشباب والرجال، حتى لم يتبقَّ منهم سوى اثنين فقط، فأجريا قرعة لمعرفة من سوف يقتل الآخر فيهما، وعندما انتهى من قتل صاحبه انتحر!.

 

ومنذ ذلك التاريخ تشكَّل لدى اليهود عقدة من الحصار باسم عقدة "الماسادا"، وقد تحدَّث عنها كثيرًا المفكر الإسلامي الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتاباته عن الكيان الصهيوني والروح اليهودية، وقال إن هذه العقدة تفسِّر الكثير من السلوك الصهيوني الشاذ في فلسطين وما حولها.

 

ماسادا مومباي

وفي الماسادا الجديدة استهدف منفذو هجمات مومباي مبنى "ناريمان هاوس"، وهو مبنى تاريخيٌّ قديمٌ مُكوَّن من أربعة طوابق، ويضم بين طوابقه المقر الرئيسي لجماعة يهودية تعرف باسم "تشاباد لوبافيتش"، وهي جماعة من اليهود الأرثوذكس المتدينين، ومقرهم يعرف باسم "تشاباد هاوس".

 

وأخذ المهاجمون عددًا من "الإسرائيليين" كرهائن في المبنى، ضاربين عليه حصارًا حديديًّا لم تُفلح معه كل إجراءات قوات الكوماندوز الهندية في الإفراج عنهم.

 

ولذلك ورغم نجاح القوات الهندية في إنهاء سيطرة المسلحين على المبنى، وقتل بعضهم واعتقال البعض الآخر، فإن المسلحين قتلوا خمسة من الرهائن الصهاينة المحتجَزين؛ من بينهم الحاخام جابرييل نوتش هولتزبيرج، الذي يرأس جماعة تشاباد هذه، وزوجته ريفكا هولتزبيرج، وهما من حملة الجنسية الأمريكية أيضًا بجانب كونهم من رعايا الكيان الصهيوني.

 

رعب صهيوني

الكيان الصهيوني شملته حالة من الرعب؛ ليس لأنَّ الأمر ترتَّب عليه فقط حصار 20 صهيونيًّا ويهوديًّا، ومقتل 5 منهم، من بينهم حاخام، ولكن أيضًا لأنَّ ذلك يعني أمرين رئيسيين، بحسب ما قاله بعض المحللين الصهاينة في الصحف الصهيونية الصادرة في الأيام الثلاث الماضية، وهما:

1- فشل المخابرات الصهيونية؛ حيث إنَّ تعداد يهود العالم يربو قليلاً على 17 مليونًا، ولدى المخابرات الصهيونية قائمة كاملة بأسمائهم، وأماكن وجودهم، وكذلك قوائم بأماكن وأسماء وأنشطة المنشآت التابعة للحكومة في تل أبيب، وتلك التي يملكها صهاينة أو يهود.

 

وتأمين ذلك بالنسبة لأجهزة مخابرات دولية مثل المخابرات الخارجية "الموساد" والعسكرية "أمان" أمرٌ يسيرٌ، وكان يتم بكفاءةٍ نوعيةٍ إلى حدِّ ما؛ حيث وقعت استثناءات في بعض الهجمات، مثل الهجوم على السفارة الصهيونية في الأرجنتين وجنيزة جربة في تونس، وطائرة الركاب الصهيونية في ميناء مومباسا الكيني، بجانب هجمات دهب وشرم الشيخ الأخيرة في مصر.

 

وكانت المخابرات الصهيونية دائمًا ما تحذر خارجيتها من بعض الهجمات المحتملة، وكانت الوزارة بدورها تقوم بتحذير رعاياها، وكثيرًا ما تكرَّر ذلك في مصر والولايات المتحدة، وهو ما يعني نشاطًا استخباريًّا صهيونيًّا مكثفًا فيها.

 

إلا أنَّ ما جرى في مومباي يؤكد أنَّ فشل المخابرات الصهيونية كان كاملاً؛ حيث لم يكن هناك أيُّ إنذارٍ بأيِّ شيءٍ، وهو ما ترتب عليه هذه الكارثة بالنسبة للصهاينة.

 

2- الأمر الثاني هو التغيير الذي طرأ على تكتيكات وإستراتيجيات عمل الجماعات المسلَّحة التي تحارب الولايات المتحدة وتُكِنُّ العداء للكيان الصهيوني.

 

وهو ما لم تعتده المخابرات الصهيونية التي اعتادت على توفير حماية للصهاينة واليهود والمؤسسات اليهودية في العالم من العمليات الانتقامية التي قد يقوم بها حزب الله اللبناني، والتي زادت احتمالاتها في أعقاب تصفية القائد العسكري للحزب عماد مغنية في فبراير الماضي.

 

فما جرى في مومباي يخالف تمامًا كافة المعلومات التي لدى أجهزة المخابرات الصهيونية عما تصفه بـ"المنظمات الإسلامية المحلية" و"جماعات الجهاد العالمية" في إشارةٍ إلى تنظيمات مثل القاعدة والطالبانيين الجدد، مثل جيش الصحابة وجيش محمد وعسكر الطيبة.

 

فالهجمات في مومباي، وفق ما كشفت عنه التحقيقات الأولية للمخابرات الهندية، قالت إنَّ هذه الجماعات باتت تتميز بالآتي:

1- امتلاك جيش خاص بها، قادر على العمل في أصعب الظروف، ومواجهة جيش منظَّم مثل الجيش الهندي.

 

2- أجهزة تخطيط جيدة للغاية، حتى إنها ظلت قبل الهجمات بأشهرٍ تخطِّط لها، وتقوم بزيارة المواقع المختارة للعمليات، مع تنسيق عالٍ خلال التنفيذ يذكِّر بعمليات القوات الخاصة وقوات المخابرات في الحروب؛ حيث تسلَّلت عناصر من البحر، وعناصر أخرى من البر، وقامت المجموعات البرية بتجهيز وإخفاء السلاح، بينما قامت المجموعة البحرية بتنفيذ جزء من العملية بالتنسيق مع الآخرين بدقة شديدة للغاية.

 

3- امتلاك أجهزة مخابرات ذاتية، قامت بكل مهام أجهزة الاستخبارات الدولية؛ فهي أولاً قامت بجمع المعلومات والاستطلاع من الأرض في المواقع المستهدفة في مدينةٍ يؤمنها الجيش الهندي؛ حيث هي أهم مركز مالي في شبه القارة الهندية، كما خططت للعملية، وقدَّرت أهمية الأهداف.

 

والأهم أنها منعت في الوقت ذاته أجهزة المخابرات الأخرى من رصد تحضيرات العملية وإجهاضها، بما في ذلك أجهزة المخابرات الهندية، والباكستانية الأسطورية المسيطرة على مساحاتٍ واسعةٍ من شبه القارة الهندية، بجانب الأجهزة الصهيونية.

 

وهو ما يعني وجود عناصر شديدة الاحتراف قائمة على هذه العملية، وجنود نفَّذوها جرى تدريبُهم على العمل الذي قاموا به لأشهرٍ طويلةٍ دون خيانة أو تسريب واحد يشير إليها.

 

ولذلك قالت صحيفة الـ(هآرتس) الصهيونية في عدد الجمعة الماضي أن عملية مومباي "وقعت كالصاعقة" على دوائر صنع القرار في تل أبيب وقادة المؤسسة الأمنية والعسكرية في الكيان الصهيوني، ونبَّهتهم بقوة على خطر استهداف الصهاينة واليهود خارج حدود الكيان، في مشهدٍ بات غير معتادٍ بعد أنْ غيرت المقاومة الفلسطينية من تكتيكاتها، وبات الداخل الصهيوني والعسكريون الصهاينة هما الهدف الأول للصواريخ الفلسطينية، وعناصر المقاومة الاستشهاديين.

 

فشل استخباري واحتمالات

هذه الحقائق تجعل من المضحك اتهام جماعات مثل القاعدة أو الثوار الكشميريين الذين هم إما مخترَقون، أو لا يتقنون أكثر من مجرد العمليات الاستشهادية التي تُستخدَم فيها سيارات مفخخة أو أشخاص مفخَّخون، على ضخامة الضحايا الذين يسقطون في مثل هذه العمليات.

 

فالعملية التي تمت "عملية قوات خاصة برية"، ولا توصيف آخر لها، والملاحظ أنَّهم استطاعوا بالفعل مواجهة قوات الكوماندوز الهندية الخاصة التي استغرقت ثلاثة أيام كاملة لتصفية الفريق الذي هاجم مدينة بأكملها، وسيطر عليها لأيامٍ!!، وبجانب ذلك تُرجِّح التقديرات أنَّ ذلك كله تم بمجموعةٍ عددها يتراوح بين 16 إلى 20 فردًا فقط.

 

كما أنَّ المجموعات التي هاجمت مومباي قامت بذلك بتنسيقٍ مذهل فعلاً، وبكفاءة عالية في استخدام السلاح، فمثلاً رشاش الـ"إيه. إم- 47" الآلي قوي للغاية وثقيل الوزن وعالي الارتدادية، وبحاجةٍ إلى رماةٍ محترفين لاستخدامه بالبراعة التي تمَّ بها الأمر؛ حيث قتلت مجموعةٌ لا تزيد عن ثلاثة أفراد 50 شخصًا في غضون دقائق قليلة في محطة قطارات شاتراباتي شيفاجي؛ وهو ما يعني قمة الاحترافية في التصويب والرماية، والانسحاب المنظَّم أيضًا قبل وصول قوات الأمن، بل إنها قتلت في انسحابها رئيس قسم مكافحة الإرهاب في المدينة هيمانت كاركاري واثنين من مساعديه!!.

 

هذا الوضع يستبعد تمامًا فرضية "الجماعات الجهادية" هذا الذي طرحه الصهاينة، كما يستبعد الصهاينة من اللعبة لوجود ضحايا يهود في الموضوع، وهم لا يفعلون ذلك، بخلاف الأمريكيين الذين قد يلجئون إلى هذا الأسلوب.

 

 الصورة غير متاحة

مايكل هايدن

 ولكن ثمة ملاحظةٌ مهمةٌ في هذا الإطار، وهي أنَّ المخابرات الأمريكية والبريطانية قدَّمت العديد من التحذيرات لحكوماتها، وبخاصة البيت الأبيض بعد الانتخابات الأمريكية الأخيرة، تفيد بقرب وقوع "عمليةٌ كبرى" استبعدت أنْ يكون منفِّذها هو القاعدة، بحسب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الجنرال مايكل هايدن في مؤتمر صحفي له يوم الخميس 13 نوفمبر الحالي.

 

وقالت التقارير الأمريكية والبريطانية إنَّ منفذي هذه العملية المحتملة سوف يستغلون حالة الفراغ الإداري والسياسي الراهنة في الولايات المتحدة، حتى تسليم الإدارة إلى الرئيس المنتخب باراك أوباما في 20 يناير المقبل.

 

وهناك في هذا الإطار حزمة من الأسئلة؛ أولاها هو لماذا- الحرفية العالية لهذه العمليات ومن نفذوها على هذا النحو- لم يحقِّق منفذوها هدفهم في قتل أكبر عددٍ ممكنٍ من أصحاب جوازات السفر الأمريكية والبريطانية؟ وثانيها هو لماذا تم للمرة الأولى استهداف الصهاينة بهذه الخشونة؟

 

وأيضًا لماذا جاءت هذه الهجمات بعد نشر التقارير الأمريكية والبريطانية، والتي لم يكن هناك داعٍ لنشرها بتاتًا، والتي ليس من المعتاد أساسًا نشرها؟ هل مثلاً كانت تمهيدًا إعلاميًّا لشيءٍ ما يحدث في شبه القارة الهندية ضد باكستان وضد تحالف الطالبانيين الجدد؟!.. أسئلة كلها مشروعة، ولكن لا إجابات عليها حاليًّا!.