ظهرت على السطح في العراق مؤخرًا إشكالية سياسية جديدة من المرجَّح أن تؤديَ إلى العديد من التغيرات على بنية الحكم الراهن في العراق، والذي نصَّبته القوات الأمريكية في بغداد بعد الإطاحة بنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في ربيع عام 2003م، بعد حربٍ غير مبرَّرةٍ كما اعترف الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته جورج بوش الابن قبل أيامٍ قليلةٍ.

 

الائتلاف الكردي- الشيعي الحاكم في العراق حاليًّا بات معرضًا لزعزعة استقراره بشكلٍ كبيرٍ بعد الأزمة التي تفاعلت في شأن مشروع تعميم مجالس الإسناد العشائرية الذي تبنَّته حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بعد تجربته أكثر من عامين في محافظة الأنبار الغربية، وتحقيقه بعض النجاحات في محاربة تنظيمات العنف، و"الخارجين عن القانون" بحسب بيانات الحكومة العراقية.

 

فقد نقلت صحيفة (الشرق الأوسط) في عددها الصادر يوم الأربعاء 3 ديسمبر عن الدكتور فؤاد حسين رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان العراقي؛ تصريحاتٍ قال فيها إن إصرار المالكي على مواقفه من ملف "الإسناد" يجعل الدستور العراقي "جزءًا من المشكلة بدلاً من كونه أساسًا للحلول".

 الصورة غير متاحة

د. فؤاد حسين

 

وقال إنَّ سلوك الحكومة العراقية من الموقف الكردي الرافض لموضوع مجالس الإسناد هذه يُظهر موقف الإقليم الشمالي للعراق باعتباره "مناهضًا لرؤساء العشائر العراقية ودورهم في المجتمع"، واعتبر أن إصرار الحكومة في بغداد على تعميم مجالس الإسناد "يقوم على أساس فاشل"، وقال: "لو تشكَّلت تلك المجالس لتحوَّلت إلى مصدرٍ لإثارة الفتنة والشغب في عموم كردستان".

 

وقبل يومين أصدرت رئاسة الإقليم بيانًا حمل ذات المعنى وانتقد المالكي بشدة، متهمًا إياه بالسعي إلى "هدم المصالحة" في العراق، بإصراره على تشكيل مجالس الإسناد، التي أشار البيان إلى أنَّ تشكيلها في كردستان "سيؤدي إلى حالةٍ من عدم الاستقرار وتقويض الانسجام" في الإقليم.

 

مجالس أمنية

ومجالس الإسناد هي مصطلحٌ يُطلق على مجموعاتٍ من المجالس العشائرية التي تأسَّست أولاً في الأنبار عام 2006م، وكان من المفترض أنها- بحسب الأوساط الحكومية العراقية- عبارة عن مجموعات عمل أشبه بالمجالس العرفية ذات طابع اجتماعي في مهمتها.

 

وكان الهدف الرئيسي منها هو تهيئة ذهنية العراقيين لقبول التغييرات السياسية الجديدة في عراق ما بعد البعث وصدام حسين، وتعميق "روح التسامح ونبذ العنف" لدى العراقيين، بعدما تفاعل العنف الطائفي الدموي في البلاد على إثر تفجير القبة الذهبية لمسجد الإمامَيْن محمد الهادي ومحمد العسكري في سامراء في 22 فبراير 2006م.

 

وكان وقتها نشاط تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين بقيادة أبو مصعب الزرقاوي قد وصل إلى مدى هدَّد بقاء قوات الاحتلال الأمريكية ذاتها في العراق بعدما تصاعدت خسائرها إلى مستوياتٍ فاقت خسائرها في حرب فيتنام، وبينما بدأ الشيعة وميليشيات الموت الطائفية في استهداف السُّنَّة، بات العراق على شفير حربٍ أهليَّةٍ مدمرة، وكان لا بد من فعلٍ يتجاوز الفعل الأمنيِّ، ومن هنا كان تشكيل مجالس الإسناد.

 

ورغم مهمتها الاجتماعية والثقافية إلا أنَّه اتضح من التطبيق أن مهمة تلك المجالس أمنية في الأساس؛ ففي الأنبار عملت على مواجهة مقاتلي تنظيم القاعدة والخارجين على القانون في شمال وغرب العراق، وكذلك "ميليشيات الموت" في بغداد وبعض المحافظات الجنوبية، ثم قرر المالكي عام 2007م تعميم التجربة على بقية المحافظات.

 

وتختلف مجالس الإسناد عن مجالس الصحوات التي تم تشكيلها في العراق في ذات الفترة تقريبًا، من أنَّ الأخيرة مشكَّلة لأهدافٍ أمنيةٍ بحتةٍ تتعلَّق بالحراسة ومواجهة العناصر التي تقوم بالتفجيرات وحماية مناطق العرب السُّنَّة من الهجمات الطائفية، وخصوصًا في بغداد؛ ولذلك فالصحوات مكوَّنة أساسًا من عناصر مسلحة من العرب السُّنَّة، ويجري حاليًّا دمجها في قوات الأمن والجيش العراقية، وسط متاعب أمنية وسياسية عديدة تواجه هذا الأمر.

 

أزمة عميقة

هذا الاتجاه من الحكومة العراقية أدَّى إلى حدوث انقساماتٍ داخليةٍ في بنية التحالف الذي يحكم العراق حاليًّا؛ فعلى الرغم من أنَّ التحالف لم يشهد أزمات كبيرة منذ ظهوره إلى النور بعد انتخابات ديسمبر 2005م التشريعية، والتي أرست التشكيلة الحالية للحكم في العراق، إلا أنَّه بات من الواضح أنَّ الأكراد لن يستمروا طويلاً في تأجيل مشروعاتهم القومية الانفصالية، ومحاولاتهم تحقيق المزيد من الاستقلالية عن العراق.

 

فالأكراد الساعون إلى إقامة دولة تضم أطراف الإقليم المُوزَّعة ما بين أربع دولٍ إقليميةٍ كبرى- وهي تركيا وإيران وسوريا والعراق- وجدوا أنَّ الوضع الجديد في العراق باتت فرصهم في الحركة المستقلة في إطاره أقل حظًّا من أيام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وهو ما اعترف به رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني، الذي قال إنَّ الترتيب الجديد للحكم في العراق ضيَّق من حوار الحكم الذاتي بالنسبة للأكراد عن أيام صدام حسين.

 

ولذلك عمد الأكراد في الفترة الماضية إلى فتح العديد من الملفات المُعلَّقة في هذا الإطار؛ حيث دفعوا باتجاه إقرار قانون الأقاليم لإجراء الانتخابات في المحافظات العراقية، ومعرفة الوضع بالنسبة لمحافظة كركوك التي تدخل في إطار المناطق المختلطة الخاضعة لحكم المادة (140) من الدستور العراقي، وهي مناطق متنازع عليها بين العرب والكرد، والتي باتت ذات غالبية عربية بعد سياسات التهجير وإعادة التسكين التي تبنَّاها صدام في الثمانينيات الماضية.

 الصورة غير متاحة

جانب من لقاء المالكي بزعماء العشائر

 

كذلك قامت حكومة إقليم كردستان العراق بإبرام عقودٍ نفطيةٍ بصورةٍ مستقلةٍ عن القرار المركزي في بغداد، وهو ما حمل المالكي إلى توجيه انتقاداتٍ كبيرةٍ إلى أربيل، وقالت الحكومة العراقية إن هذه العقود غير شرعية.

 

ويزيد من وطأة الأزمة الجديدة التي يواجهها الائتلاف الحاكم في العراق أنَّها تجيء في وقتٍ شديد الحرج بالنسبة للائتلاف الحاكم في العراق في الوقت الراهن، بعد الانقسامات الكبيرة التي شهدتها الكتل الشيعية والحشد السُّنِّي ضد الاتفاقية الأمنية التي أقرَّتها الحكومة والبرلمان العراقيَّين قبل أيامٍ قليلةٍ، والتي تقنِّن وضع القوات الأمريكية والدولية الراهنة في العراق في مرحلة ما بعد انتهاء التفويض الممنوح لها في 31 ديسمبر الحالي.

 

فالاتفاقية استنفدت الرصيد السياسي للحكومة العراقية والهيئات المنتخبة في العراق؛ فالتيار الصدري الشيعي يعارض الاتفاقية خروجًا عن الموقف الشيعي العام منها، بينما دعت هيئة العلماء المسلمين السُّنَّة في العراق نواب البرلمان الذين وافقوا على الاتفاقية إلى الاستقالة في نزعٍ واضحٍ للشرعية عنهم.

 

وبينما انفضَّ الطرف الصدري من التحالف الشيعي بسبب الاتفاقية يعارض المجلس الإسلامي العراقي الشيعي الأعلى اتجاه المالكي إلى تعميم تجربة مجالس الإسناد، رغم أنه شريكٌ أساسيٌّ في الائتلاف الحاكم، والحليف الأوثق لحزب الدعوة الشيعي، الذي ينتمي إليه المالكي، ويرى المجلس أنَّ هذا الاتجاه من جانب المالكي لا معنى له بعد تراجُع العنف في العراق، وأنَّ كل الهدف منه هو دعم المالكي في انتخابات 2010م التشريعية.

 

الأكراد من جانبهم لهم اعتباراتٌ موضوعيةٌ يتخوَّفون بسببها من الإجراء الأخير للمالكي؛ حيث إن مكتب المالكي حاول الاتصال بأشخاص في كردستان والمناطق العربية الكردية المختلطة الخاضعة للمادة 140 من الدستور، مثل كركوك، والذين كانوا جزءًا من القوة النظامية التي ارتبطت بأجهزة صدام الأمنية، من بين الأكراد، والذين شكَّلهم صدام لقمع التمرد الكردي خلال الحرب مع إيران.

 

وبعضهم كانوا من رؤساء عشائر كردستان، وحملوا السلاح ضد الأكراد بعد انتفاضة عام 1991م، وعلى إثر هزيمة الجيش العراقي في الكويت وخروجه منها، أصدرت قيادة الجبهة الكردستانية الموحَّدة التي كانت مُشكَّلةً من الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني عفوًا عامًّا عن هذه العناصر بشرط عدم عودتهم إلى العمل في مجالس الإسناد التي شكَّلتها أجهزة صدام حسين.

 

المشكلة الراهنة الآن هي تلك المتعلقة بوضع ومستقبل الائتلاف العراقي بعد الانسحاب الأمريكي من زاويتَيْن: الأولى هي تلك المتعلقة بمدى التماسك الداخلي للائتلاف بعد خروج الحليف الأمريكي في عام 2011م بحسب الاتفاقية الأمنية، والثانية هي مدى صمود الائتلاف أمام المعارضة المتنامية له من مختلف ألوان الطيف السياسي والطائفي العراقي في مرحلة ما بعد نزع الغطاء العسكري والسياسي الأمريكي من عليه تدريجيًّا.

 

كيف سيكون الوضع؟ وكيف سيكون الحال في العراق؟.. لا أحد يعلم، ولا أحد يمكنه أنْ يجزم إلا بعد وضوح الرؤية في انتخابات 2010م التي سوف تأتي بحكومةٍ جديدةٍ ستستمر بعد الانسحاب الأمريكي المفترض من العراق.