تتعدد الأرقام التي تكشف حجم الكارثة العالمية من جرَّاء أزمة المال الراهنة؛ وذلك نتيجة نقص السيولة وتراجع أسعار المواد الخام الأولوية التي يعتمد عليها نحو ثلاثة أرباع شعوب الأرض في الحصول على مواردها، ويكفي أن نعلم أنَّ أكثر من 40% من حجم أموال الإغاثة في العراق تم قطعها من جانب الدول المانحة بُعيَد الأزمة، بينما هناك 20 مليون إنسان مهدَّدون بالموت جوعًا في القرن الإفريقي بحسب الصليب والهلال الأحمرَيْن الدوليَّيْن بسبب نقص مواد الإغاثة، مع عجز الأمم المتحدة عن تمويل خططها في الصومال وإثيوبيا وجيبوتي.

 

وفي دولةٍ مثل السعودية هناك استثمارات بقيمة 100 مليار دولار باتت مهددةً بالتوقف بعد تراجع أسعار النفط إثر تناقص الطلب بسبب الأزمة العالمية، ووصلت خسائر الخليج العربي النقدية وحدها إلى مستوى التريليون دولار، وربما أكثر، أي إن كلَّ عائدات النفط التي تراكمت في السنوات الماضية تبخَّرت بسبب الأزمة.

 

ملايين الوظائف فقدت شاغليها، وتشرَّد الملايين، وبات البحث في قمامة العالم مشهدًا مألوفًا في المجتمعات الأوروبية، والأسباب باتت معروفةً، وعلى رأسها الفساد المتزايد في الغرب الديمقراطي، وحب المغامرة المتغلغل في مجتمع رعاة البقر الأمريكي، ليمثلا العاملين الأكبرين في شقاء العالم وإفقاره.

 

سياسات خاطئة

لقد كشف البيت الأبيض ووزارة الخزانة الأمريكية عن أنَّ سياسات المصارف الأمريكية في الإقراض هي التي أدَّت إلى الكارثة الراهنة؛ فالمصارف الأمريكية في ظل إحساسٍ غير مسبوق بقوة المركز المالي والسياسي لبلادهم، وتحت إحساسٍ متعاظمٍ بالمناعة، وضمن الطبيعة التقليدية المغامِرة للأمريكيين، بدأت في تنفيذ سياسات إقراض غير رشيدة بدون ضماناتٍ حقيقيةٍ.

 

واستمرَّت على هذا النحو رغم الإنذارات المبكِّرة التي ظهرت في عام 2007م، وفي مطلع العام الحالي 2008م، من أنَّ العقارات فقاعةٌ سرعان ما تنفجر على غرار ما فعلت أسهم التكنولوجيا في وول ستريت قبل سنواتٍ.

 

وبالرغم من وضوح مؤشرات تراجع قطاع العمل والدخل الفردي في الولايات المتحدة، فإن القروض لم تتوقف، بل تزايدت، لا سيما ما يحصل عليه الأمريكيون من الطبقات الوسطى والأدنى لشراء عقارات، وبات واضحًا أنَّ نسبةً كبيرةً منهم لن تلتزم بالسداد، في ظل مظاهر تدهور حالة الاقتصاد الأمريكي وقطاع العمل بالذات الذي يؤمِّن الدخول التي يتم سداد القروض منها.

 

واستمرت المصارف الأمريكية في أدائها هذا- أيضًا- مدفوعةً ببعض "المجاملات" الإماراتية والخليجية التي وصلت إلى نحو ما بين 750 إلى 850 مليار دولار، تمَّ ضخها في قطاعَي العقارات الأمريكي والبريطاني في الفترة القليلة التي سبقت الأزمة؛ حيث رُدَّت- بالتالي- السيولة التي حصلت عليها البلدان العربية النفطية من الغرب من واقع الفورة التي عرفتها أسعار النفط حتى صيف العام الحالي إلى المصارف الغربية مرةً أخرى.

 

وعلى رأس القائمة التي لجأت إلى هذا الأسلوب في الإقراض غير المضمون؛ جاء مصرف ليمان براذرز الذي أسَّسه ثلاثةٌ من اليهود الألمان المهاجرين إلى الولايات المتحدة في عام 1985م، وكانوا يعملون في القطن أساسًا، فقدَّم قروضًا كبيرةً مقابل فوائد عالية لم يستطع العملاء الذين فقدوا وظائفهم في الأشهر السابقة للأزمة الوفاء بالتزاماتهم المالية فيها.

 

وقد واجه المصرف صعوباتٍ جمَّةً بسبب الأزمة التي تواجه قطاع العقارات الأمريكي منذ منتصف عام 2007م، إلا أنه استمر في سياساته، حتى اضطر إلى إسقاط أصولٍ بقيمة 5.6 مليارات دولار في الربع الثالث من عام 2007م، قبل أن يعلن خسارته 3.9 مليارات في الربع الثاني من العام الحالي 2008م، واستمرت أزمته في التفاقم حتى أشهر إفلاسه في منتصف سبتمبر من العام الجاري.

 

احتيال وفساد

 الصورة غير متاحة

البورصات تكبدت خسائر فادحة بعد فضيحة مادوف

الدليل الثاني ما أعلنته سلطة تنظيم البورصة الأمريكية أمس الأربعاء 17/12/2008م؛ حيث فتحت تحقيقًا داخليًّا لمعرفة حجم التواطؤ من جانب بعض العاملين فيها، والذي أدَّى إلى منع الاكتشاف المبكِّر لعمليات الاحتيال الكبرى التي قام بها "رجل المال والأعمال" الأمريكي بيرنارد مادوف؛ وذلك على الرغم من الإنذارات المتكررة بشأن هذه العمليات منذ مطلع التسعينيات الماضية.

 

وبلغت جملة الخسائر بحسب البيانات الرسمية الأمريكية حوالي 50 مليار دولار، ومن أبرز الخاسرين رجل الأعمال الأمريكي كارل شابيرو، ومصرف "بانكو سانتاندارد" الإسباني، بإجمالي خسائر بلغت حوالي 4.23 مليارات دولار أمريكي.

 

هذه الفضيحة التي تفجَّرت في حقِّ مادوف، الذي شغل منصب رئيس بورصة ناسداك الإلكترونية الأهم أمريكيًّا (!!)، أثارت العديد من الانتقادات والتساؤلات بشأن مدى فاعلية إجراءات الضبط والرقابة في أسواق المال والقطاع المصرفي بالولايات المتحدة؛ حيث اعترفت سلطة تنظيم البورصة التي تعرَّضت للجزء الأكبر من هذه الانتقادات، بما قالت إنه "إخفاقات عديدة ظاهرة".. هكذا ببساطة شديدة!!.

 

وازدادت حدة الانتقادات مع طول الفترة الزمنية التي استغرقتها عمليات الاحتيال الكبرى التي قام بها مادوف من خلال مؤسسته التي تُعرف باسم مؤسسة "إنفستمنت سكيوريتيز إل. إل. سي"، ومقرُّها نيويورك، وتحميل خبراء مال وأعمال لعمليات مادوف جزءًا من مسئولية تفاقم أزمة المال والائتمان التي تضرب الولايات المتحدة والعالم حاليًّا.

 

مدير صندوق النقد الدولي دومينيك شتراوس، قال تعليقًا طريفًا على هذا الأمر؛ حيث أشار في مؤتمرٍ صحفي في العاصمة الإسبانية مدريد بشأن فضيحة مادوف، إلى أنَّ "وجود لصوص ليس مفاجأةً، ولكن السؤال هو ماذا تفعل الشرطة؟"، والشرطة هنا متواطئة بحسب شهادات الأمريكيين أنفسهم.

 

 الصورة غير متاحة

دومينيك شتراوس

رئيس سلطة ضبط الأسواق الأمريكية كريستوفر كوكس قال: "إنَّ ذلك صحيح"، وأصدر بيانًا نقلته وكالة الصحافة الفرنسية (أ. ف. ب)؛ أكد فيه أن سلطته علمت أنَّ ادعاءات "تتمتع بمصداقية ودقة" قد أشارت إلى أفعال مادوف، ونقلت إلى العاملين في السلطة بشكلٍ متكررٍ منذ العام 9199م، لكنها لم تُنقَل إلى المستويات الأعلى من إدارة سلطة ضبط الأسواق الأمريكية لتتحرك.

 

وأمر كوكس بإجراء تحقيقٍ "كاملٍ وفوريٍّ" في فضيحة مادوف وشركته، والطريف أنَّ التحقيق سوف يتناول عمل هذه الهيئة الداخلي لمعرفة ما إذا كانت القواعد المعمول بها قد تم تطبيقها أو أن هناك حاجةً لتعديلها؛ وذلك بعد "خراب مالطة"، كما سيكشف التحقيق بطبيعة الحال عن دور الاتصالات بين العاملين في السلطة ومؤسسة أو أسرة مادوف في القرارات التي اتُّخذت بعدم التحقيق في ممارسات مؤسسته!!.

 

وكانت صحيفة (وول ستريت جورنال) الأمريكية قد قالت في عددها الصادر يوم الأحد الماضي إنَّ سلطة البورصة الأمريكية حقَّقت عدة مرات بشأن مادوف منذ 1992م، إلا أنَّ عاملاً ما منعها من التوصُّل إلى كشف عمليات الاحتيال التي قال هو شخصيًّا إنَّ قيمتها بلغت 50 مليار دولار (!!)، وهذا العامِل بطبيعة الحال هو الفساد والتواطؤ.

 

وكانت أكبر قضية احتيالٍ مصرفي في تاريخ الغرب هي قضية موظف مصرف "سوسيتيه جنرال" الفرنسي جيروم كيرفيال الذي اختلس 5 مليارات يورو (حوالي 7.1 مليارات دولار) من المصرف، قبل كشفه في يناير الماضي، إلا أن مجموع مبالغ قضية مادوف جعلتها تتراجع كثيرًا أمام القضية الجديدة.

 

والتفاصيل الأكثر إثارةً في القضية الجديدة هي أن تاريخ عمليات الاحتيال التي قام بها مادوف تعود تاريخها إلى 48 عامًا مضت؛ حين أسس مادوف شركته للاستثمار في الأوراق المالية عام 1960م، بينما اكتشفت أولى بوادر عملية الاحتيال في بداية التسعينيات الماضية، عندما ترأس مجلس إدارة بورصة ناسداك.

 

في تلك الفترة فتحت لجنة مراقبة التداول في البورصة تحقيقًا حول نشاطاته؛ لأن نسبة الفائدة كانت عالية جدًّا، وغير منطقية؛ حيث كانت تتراوح بين 12% و13%، إلا أن الثقة التي كان يتمتع بها اسم مادوف ومنصبه أدَّت إلى إغلاق التحقيق.

 

وقد كان مادوف وقتها يعتمد على سياسة عمل بسيطة، وهي الإعلان عن أسعار فائدة عالية لجذب رءوس الأموال إلى مؤسسته، والاستيلاء عليها لحسابه الخاص دون استثمارٍ فعليٍّ لها، بينما كان يعمد إلى الودائع الجديدة للوفاء بالمطالبات المالية لعملائه.

 

واستمرَّ أداء مادوف على هذا النحو دون أن يكتشف أمرَه أحدٌ من عملائه أو سلطات البورصة وأسواق المال الأمريكية، إلى أن انهار مصرف ليمان براذرز رابع أكبر البنوك الأمريكية من حيث الموجودات في منتصف سبتمبر الماضي، وبدأت أزمة السيولة في الظهور، وهنا لجأ عملاء مادوف إليه لسحب أموالهم لمواجهة الأزمة المستجدة، ففاجأهم بعدم وجود غطاء مالي يسد مطالباتهم المالية.

 

الطريف هنا هو أن أزمة المال التي كشفت أمر مادوف، تفاقمت بفعل فضيحته؛ حيث انكشف جزءٌ من الغطاء المالي عن مجموعةٍ من أكبر المصارف ورموز المال والأعمال في الولايات المتحدة وآسيا وأوروبا.

 

وكان أكبر رجل الأعمال الخاسرين كارل شابيرو؛ الذي استثمر 545 مليون دولار لدى مؤسسة مادوف، وبحسب مصادر مقرَّبة من شابيرو، فإن رجل المال الأمريكي هذا، والبالغ من العمر 95 عامًا، ربما يكون قد خسر نصف أصوله التي حقَّقها في أواخر الثلاثينيات الماضية بفضل العلامة التجارية "كيه. ويندسور".

 

أما على مستوى المصارف والمؤسسات المالية، فإن مصرف "بانكو سانتاندارد" الإسباني هو أكبر الخاسرين؛ حيث له مبالغ قُدِّرت قيمتها بـ3.3 مليارات دولار لدى مؤسسة مادوف، يليه مصرف (HSBC) البريطاني بنحو 1.41 مليار دولار، ثم مصرفي ناتكسيس الإيطالي و(RBS) البريطاني، بمبلغي 635 و450 مليون دولار على الترتيب.

 

تليهما مجموعةٌ من المصارف البريطانية واليابانية والإيطالية والفرنسية والإسبانية الأخرى، بإجمالي خسائر بلغت 36 أو 50 مليار دولار.

 

وقد استفاد مادوف من الثغرات القانونية والإدارية الموجودة في النظام المالي الأمريكي، فكان يدفع أموال الزبائن الذين يودون سحب أموالهم من أموال الزبائن الجدد، حتى عام 2008م؛ حيث لم يَعُد يستطيع أن يجد السيولة الكافية لتسديد كل المستحقات التي يطالب بها المودعون.

 

 الصورة غير متاحة

برنارد مادوف

واستفاد مادوف أيضًا من خبراته وعلاقاته لإدارة صندوق يخدم 25 عميلاً لديهم استثمارات بقيمة 17.1 مليار دولار، وقال الادعاء الأمريكي إن هذا الصندوق هو مجرد عملية احتيال، وإنه عاجزٌ عن الوفاء بالالتزامات المطلوبة منه منذ سنوات.

 

في ختام هذا العرض، فإنَّ السؤالَ الآن هو: مَن يحاسب الأمريكيين على ما فعلوه بالعالم من تجويعٍ وإشقاءٍ يصل في حدِّ تأثيره إلى درجة القتل؟!؛ حيث يوجد في العالم الآن أكثر من مليار جائع بحسب البنك الدولي والأمم المتحدة؛ ضاعت منهم فرص الحصول على تمويلات عمليات الإغاثة والتنمية؟!

 

إنَّ الأمر يتطلب تضافر للجهود الدولية لإيجادٍ نظامٍ ماليٍّ واقتصاديٍّ عالميٍّ يقوم على أساس تحويل مراكز الثِّقَل فيه من أوروبا والولايات المتحدة إلى آسيا، وتحقيق لونٍ من ألوان التضافر بين الاقتصاديات الناشئة وبلدان العالم الثالث؛ بحيث يكون هناك قابلية لخلق نظام سوق آخر يستغل قدرات هذه البلدان، ويعمل على تحرير التجارة وحركة الأموال بينها، لتحقيق اكتفاء ذاتي لها عن طريق تبادل سلعها وخدماتها لا سلع وخدمات الغرب.

 

ولكن الشرط الوحيد لإنجاح ذلك هو توافر الإرادة السياسية لدى حكومات وأنظمة هذه البلدان، ولعل ما يجري من حراكٍ في هذا الشأن في أمريكا اللاتينية وآسيا وروسيا بوادر نجاح على ذلك، ويبقى فقط العالم العربي والإسلامي خارج هذه الحركة التاريخية، والسؤال المتكرر والمعروف هو: لماذا؟!.