ارتكبت القوات الصهيونية ظهر السبت 27 ديسمبر مجزرةً جديدةً في قطاع غزة؛ أسفرت عن استشهاد ما يزيد على 320 فلسطينيًّا، إلى جانب إصابة حوالي 700 آخرين، وسط تصريحات من المسئولين في القطاع الطبي الفلسطيني تؤكد إمكانية وصول عدد الشهداء إلى ما يزيد عن 350 شهيدًا.
هذه المجزرة هي الأكثر عنفًا ووحشيةً؛ ربما في تاريخ الصراع بين الفلسطينيين والصهاينة؛ حيث سقط فيها أكبر عدد من الشهداء في يوم واحد منذ الإعلان عن قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين في العام 1948م، معيدةً إلى الأذهان ذكرى مجازر العصابات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني قبل قيام الكيان الصهيوني؛ حيث ذكر الصهاينة أنَّ عدد الطائرات التي شاركت فيها وصل إلى 60 مقاتلة من طراز "إف 16"؛ تم فيها استخدام 200 طن من المتفجرات.
والعدوان كبير الحجم بالفعل!! ففي غارات السبت فقط شنَّت الطائرات الحربية الصهيونية نحو 100 هجوم، وبحسب الإحصائيات التي أوردتها حماس فإن 100 على الأقل من أفراد قوات الأمن التابعة لحكومة رئيس الوزراء إسماعيل هنية، ومن بينهم قائد الشرطة توفيق جبر وقائد وحدة الأمن والحماية بحماس العقيد إسماعيل الجعبري، إلى جانب 15 امرأة على الأقل وبعض الأطفال ارتقوا شهداء، بينما طال القصف الصهيوني حوالي 40 مجمعًا أمنيًّا.
كما بات واضحًا أنَّ نطاق العدوان الصهيوني لن يتوقف على الأهداف والمقار الأمنية والحكومية؛ فغارات فجر الأحد استهدفت مسجدًا في منطقة الرمال قرب مستشفى الشفاء بمدينة غزة، كما دمَّرت الطائرات الحربية الصهيونية مقر فضائية (الأقصى) التابعة لحركة حماس في مدينة غزة.
ومع التصريحات التي أطلقها العسكريون الصهاينة في شأن الحملة؛ فإنَّه يمكن التوقع بأنْ يستمر العدوان الصهيوني، ويتم أيضًا توسيع نطاق أهدافه؛ فقد أعلن الصهاينة أن تلك المجزرة تمثِّل بدايةً لعملية عسكرية أطلقوا عليها اسم "الرصاص المُسَيِّل"، وتهدف إلى تصفية المقاومة في القطاع؛ بخاصة حركة المقاومة الإسلامية حماس، وأشار وزير الحرب الصهيوني إيهود باراك إلى أن تلك العملية "مجرد بداية وقد تتسع وفق الظروف".
وقد تعهَّدت الفصائل الفلسطينية بالردِّ على المجزرة الصهيونية بما يناسب فداحة الجرم؛ حيث أطلقوا ما يزيد على 70 صاروخًا؛ الأمر الذي أسفر عن مقتل صهيونية وإصابة حوالي 60 آخرين، وانقطاع التيار الكهربي عن 3 مغتصبات صهيونية مجاورة لقطاع غزة؛ في حصيلةٍ أوليةٍ للردِّ الفلسطيني الذي بدأ فور إطلاق الغارات الصهيونية.
الأطراف العربية اكتفت بطبيعة الحال بإطلاق المواقف المعتادة من إدانة واستنكار مع دعوات لعقد قمة عربية طارئة "غدًا أو بعد غدٍ على الأكثر"؛ على حدِّ تعبير الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، إلا أن اللافت هذه المرة كان توجيه الإدانة إلى المقاومة الفلسطينية؛ في تكرارٍ لما جرى من تحميل حزب الله مسئولية العدوان الصهيوني على لبنان في يوليو من العام 2006م.
وبذلك لم يختلف الموقف العربي العام عن المواقف الأوروبية بمطالبة الطرفين بـ"وقف إطلاق النار"، وأيضًا تشابه الموقف العربي مع نظيره الأمريكي؛ الذي حمَّل حركة حماس المسئولية عن استشهاد ما يزيد عن 320 فلسطينيًّا!.
وعلى الرغم من فداحة الجريمة الصهيونية، وعلى الرغم كذلك من استمرار الغارات على قطاع غزة- مما يجعل من المبكِّر قراءة الوضع على الأرض- إلا أن هناك الكثير من الإشارات التي يمكن التقاطها من ذلك العدوان:
تحضير مسبق
فلسطيني يحمل طفله المصاب في الغارات الصهيونية على غزة
تدلُّ الاعتداءات الصهيونية على وجود تحضير مسبق لها؛ تم بصورة لا يرقى إليها الشك خلال فترة التهدئة بين الفصائل الفلسطينية والكيان الصهيوني، وهناك العديد من الأدلة على ذلك:

* أول تلك الأدلة أنه تم انتقاء الأهداف بعناية بالغة، وهي المقارّ الأمنية التي تتجمَّع فيها عناصر الشرطة الفلسطينية التي تتشكَّل أساسًا من عناصر كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس، وهو الأمر الذي يعني أن هناك محاولة تصفية حقيقية من جانب الصهاينة للقدرة العسكرية للحركة على كل المستويات؛ من حيث محاولة تدمير الكوادر المؤهلة في الحركة لقيادة الوضع الأمني في غزة، وإضعاف معنويات أفراد الكتائب بقتل هذا العدد الكبير منها، في عملية لم تستغرق ضربتها الرئيسية إلا خمس دقائق فقط؛ وفق ما أوردته بعض المصادر الفلسطينية.
كذلك يهدف انتقاء المقارّ الأمنية بالدرجة الأولى في العملية إلى إضعاف سيطرة الأجهزة الأمنية على القطاع وإشاعة الفوضى فيه؛ الأمر الذي يؤدي إلى قلاقل داخل غزة؛ إن لم تُطِح بالحركة فعلى الأقل تسهم في خلخلة الأرض من تحت أقدامها بما يسهل بعده الإطاحة بها، سواءٌ من خلال ترتيب انفجارٍ داخليٍّ أو بعدوانٍ عسكريٍّ واسعٍ؛ يكون القيام به في وقتها أسهل من القيام به في الفترة الحالية؛ بعدما يتحقق الهدف الصهيوني بإضعاف حماس.
* ثاني الأدلة على أن هذا العمل تم بتحضير مسبق وليس كما يدَّعي الصهاينة أنَّه رد فعل على الصواريخ الفلسطينية؛ هو أنَّ إحدى الضربات استهدفت مقرًّا للشرطة الفلسطينية كان يتم فيه تخريج دفعة جديدة من الضباط الفلسطينيين؛ الأمر الذي يعني أنَّ الصهاينة كانوا يدركون موعد حفل التخرج منذ فترةٍ، وبالتالي تم استهدافه ليتحقق لهم ما يريدونه؛ من إسقاط أكبر عدد من عناصر حركة حماس بصورة تُضعف من المعنويات.
كذلك فقد تم تنفيذ الاعتداء بعدما قام الصهاينة بتهيئة الساحة الدولية لصالحهم، وهو ما يتمثل جزئيًّا في إيصال علاقاتهم مع الاتحاد الأوروبي إلى مستوى غير مسبوق من التحسن، وهو التحسن الممثَّل في الاتفاقية التي تمَّ توقيعها بين الطرفين، والتي تنصُّ في بندٍ من بنودها على أنْ يساعد الأوروبيون الصهاينةَ على زيادة مستوى تمثيل الكيان الصهيوني في الأمم المتحدة ومؤسساتها.
وبذلك يضمن الصهاينة أن موقف المجتمع الدولي سيخلو من الموقف الأوروبي؛ الذي يأخذ في الغالب- ولو على المستوى النظري- موقفًا لا يميل إلى الصهاينة بالدرجة التي يميل بها الأمريكيون.
حسابات الانتخابات
إيهود باراك
لا يمكن النظر إلى تلك العملية بمعزل عن حسابات القوى السياسية داخل الكيان بشأن الانتخابات، وخاصةً حسابات وزير الحرب إيهود باراك الذي يقود حزب العمل، ويحاول إعطاءه الوضعَ المناسب لثقله في الهرم السياسي الصهيوني.

فقد جاءت المجزرة قبل أقل من شهرين على الانتخابات الصهيونية المقررة في 18 فبراير القادم؛ لكي تعزِّز من فرص الأطراف السياسية التي تقف وراءها، وعلى رأسها باراك ومن خلفه تسيبي ليفني رئيسة حزب كاديما ووزيرة الخارجية في حكومة تصريف الأعمال الصهيونية.
فإيهود باراك يحاول أن يبدو في مظهر المتفوق على أقرانه الذين خاضوا حرب الصيف ضد حزب الله وفشلوا، وفي مقدمتهم وزير الحرب السابق ورئيس حزب العمل السابق أيضًا عمير بيريتس إلى جانب رئيس الأركان السابق كذلك دان حلوتس؛ اللذان راح عنقاهما من جراء تلك الحرب.
باراك يعلم أن حزبه لن يحقِّق الأغلبية أو يفوز في الانتخابات القادمة، ويريد أن يقوِّي من موقف تسيبي ليفني في مواجهة زعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو الذي يقود حملةً تدعو لتصفية حماس، فإذا فازت ليفني في الانتخابات سيكون من السهل على العمل عقد تحالف مع كاديما يستمر بمقتضاه العمل في الحكومة، وهو الأمر الذي تكتنفه الصعوبة في حال فوز الليكود بالنظر إلى التقارب الأيديولوجي بين العمل وكاديما أكثر مما هو بين العمل والليكود، وسيمهِّد ذلك الطريق أمام باراك للعودة لرئاسة الحكومة بافتعال أية أزمة سياسية في منتصف الطريق تُطيح بليفني؛ مما يفتح الطريق أمام انتخابات عامة في الكيان تأتي به محمولاً على الدبابات بعدما ينجح في تحقيق حلمه المستحيل بإنهاء وجود حركة حماس.
كذلك تحاول ليفني أن تحقِّق من تلك الحرب ضد حماس مكاسب تظهر بها جدارتها في قيادة الكيان الصهيوني بدلاً من إيهود أولمرت؛ الذي فشل في حربه ضد حزب الله؛ الأمر الذي سيرفع من أسهمها في البورصة السياسية الصهيونية؛ مما يضعها على كرسي رئاسة الوزراء دون الحاجة إلى انتخابات من الأصل.
الخاسر الأكبر
الخاسر الأكبر في هذا العدوان الصهيوني هو مصر الرسمية؛ حيث إنَّ ما جرى الخميس الماضي في العاصمة المصرية القاهرة أفقد جميع الأطراف الفلسطينية والعربية الثقةَ في القرار الرسمي المصري؛ فوزيرة الخارجية الصهيونية في الحكومة المستقيلة تسيبي ليفني جاءت إلى القاهرة لتعلن منها- بدون لبسٍ أو مواربة- أنَّ الكيان الصهيوني بصدد تبنِّي عدوان على غزة لإسقاط حماس، من دون أي تعليقٍ أو اعتراضٍ من جانب القاهرة.
تسيبي ليفني

الجميع بلا استثناء فسَّر ذلك على أنَّه تواطؤٌ من جانب القاهرة مع العدوان، وأنَّ ليفني ما جاءت إلى مصر إلى لإعلان المصريين بالعدوان، وعلى أقل تقدير فقد ضلَّلت ليفني والكيان الصهيوني مصرَ الرسمية، عبر الإعلان عن سلسلةٍ من الإجراءات الشكلية في شأن موضوع الحصار المفروض على قطاع غزة؛ مثل الإعلان عن فتح المعابر التجارية لمدة يومٍ واحدٍ، مع القيام بسلسلةٍ من الإجراءات الإعلامية والسياسية في الكيان الصهيوني؛ أقنعت الجميع بعدم وجود نوايا صهيونية حقيقية للهجوم على غزة.
وقد وصلت النقمة الشعبية الفلسطينية على القاهرة إلى درجة رفض بعض الجرحى والمصابين الفلسطينيين الانتقالَ إلى الجانب المصري لتلقي العلاج اللازم، بعد فتح معبر رفح إثر بدء الغارات الصهيونية.
استحالة تصفية حماس
![]() |
|
عناصر من حركة المقاومة الإسلامية حماس |
كما أنَّ العمليات لم تفلح في انتقاء أيٍّ من قيادات حماس السياسية ولا حتى الميدانية، ولعل ارتفاع عدد الإصابات في صفوف أفراد أمن الشرطة الفلسطينية وحركة حماس يعود فقط إلى اختيار الهجمات الصهيونية مدينة عرفات العسكرية وبعض الأهداف الأخرى الخاصة بقوى الأمن الفلسطيني؛ حيث كان يتم تخريج دفعة جديدة، والشرطة جهازٌ مدنيٌّ أساسًا لا علاقة له بالأجنحة العسكرية للمقاومة الفلسطينية التي لا تزال حيةً وفاعلةً.
كما أنَّ تجربة المقاومة الفلسطينية تاريخيًّا أثبتت أنَّ الأداة العسكرية غير قادرة على كسرها، وإلا كانت قد كسرت في حصار بيروت وحرب المخيمات في لبنان في الثمانينيات الماضية، وحتى سنوات الحصار الحالية على قطاع غزة.
بالإضافة إلى أنَّ الإنجاز الأكبر لحركة حماس في السنوات الماضية كان بناء شبكة علاقات إقليمية ودولية تدعمها، أو على الأقل تقبل الحوار معها، بدءًا من سوريا وإيران ولبنان وبعض الأطراف في مصر والخليج العربي والأردن، وصولاً إلى الاتحاد الأوروبي، وخصوصًا إيطاليا، وبعض البلدان الأوروبية من غير الأعضاء في الاتحاد كالنرويج والسويد.
وفي اتصالاتها تلك أكدت حماس مجموعةٍ من الثوابت؛ مثل تمسك الفلسطينيين بحقوقهم المشروعة، وعلى رأسها عودة اللاجئين واستعادة الأرض، مع إعطاء صورة مغايرة عن الفلسطينيين، مثل النزاهة ونظافة اليد والشكل، بخلاف سنواتٍ من الاتهامات الدولية للسلطة بالفساد؛ لدرجة أنَّ بلدًا مانحًا مثل اليابان جعل إنفاق مِنَحِه للسلطة الفلسطينية يتم من خلال البنك الدولي!.
بل كان النجاح الأكبر هو تطبيع الوضع السياسي الدولي لقوى فلسطينية تتبنَّى المقاومة المسلَّحة خيارًا لها، بعد النجاح السياسي الداخلي في انتخابات 2006م؛ التي ظهرت نتائجها الحقيقية في الوقت الراهن، مع فشل الكيان الصهيوني في اقتلاع حماس من جذورها الجماهيرية القوية.
فالهجمات وردود فعل الجمهور الفلسطيني عليها قالت إنَّ النجاح الانتخابي لحماس لم يكن وليد الصدفة أو مجرد نتاج ليأس الجمهور الفلسطيني من أداء حكومات حركة فتح السابقة؛ بل عن قناعة وتأييد تامَّيْن لبرنامج المقاومة الذي تنتهجه حماس، وتأكدًا من الجمهور الفلسطيني بمصداقية الحركة فيما تقوله عن خياراتها فلسطينيًّا وإسلاميًّا.
وفي النهاية نقول ما قالته (الإندبندنت أون صنداي) البريطانية في إحدى افتتاحياتها اليوم الأحد بأنَّ ما حدث لا ينبغي أن يوصَف برد الفعل غير المتناسب بل بالعملية التي تأتي بنتائج عكسية؛ تمامًا كما حدث بعد حرب صيف عام 2006م بعد العدوان الصهيوني على لبنان؛ حيث كانت النتيجة أن أقبل المزيد من الشباب على الانضمام إلى حزب الله اللبناني، وتدعَّمت شعبيته عربيًّا وإسلاميًّا.
