طرحت القاهرة أخيرًا مبادرةً لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، هذه المبادرة التي قدَّمها الرئيس حسني مبارك خلال مؤتمره الصحفي مع نظيره الفرنسي نيكولا ساركوزي يوم الثلاثاء الماضي في مدينة شرم الشيخ الساحلية؛ جاءت على إثر المجزرة الصهيونية البشعة التي جرى تنفيذها في مدرسة الفاخورة التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، والتي ارتقى فيها حوالي 42 من الأطفال شهداء، بينما لا يزال آخرون تحت الأنقاض.

 

ومن خلال ما طرحه مبارك خلال المؤتمر الصحفي وما قدَّمه وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط خلال جلسة مجلس الأمن الأخيرة التي عقدت فجر أمس الأربعاء، فإنَّ الخطوط العريضة التي تستند إليها المبادرة تشمل العناصر الثلاث الآتية:

 

1- أنْ يقبل كلٌّ من الكيان الصهيوني والفصائل الفلسطينية "وقفًا فوريًّا لإطلاق النار لفترةٍ محددةٍ".

 

2- دعوة كلٍّ من الجانبين الفلسطيني والصهيوني إلى "اجتماعٍ عاجلٍ للتوصل إلى الترتيبات والضمانات الكفيلة بعدم تكرار التصعيد الراهن ومعالجة مسبِّباته"، مع ربط إعادة فتح المعابر- بما فيها معبر رفح المصري- ورفع الحصار عن قطاع غزة بالتوصل إلى هذه الترتيبات والضمانات.

 

3- "تجدد مصر الدعوة للسلطة الوطنية الفلسطينية وكافة الفصائل للتجاوب مع الجهود المصرية لتحقيق المصالحة الداخلية الفلسطينية".

(الفقرات الموضوعة بين علامتَي التنصيص من واقع تصريح الرئيس مبارك والأوراق التي وزعها وزير الخارجية أبو الغيط في مجلس الأمن الدولي).

 

ولاقت المبادرة قبولاً أوروبيًّا وفرنسيًّا وأمريكيًّا؛ حيث أعلن كلٌّ من الرئيس الفرنسي ووزير خارجيته برنار كوشنير ونظيرته الأمريكية المنصرفة كونداليزا رايس أمام مجلس الأمن موافقة "فورية" على المقترحات المصرية، وهو- في حقيقة الأمر- ما يثير الشك في طبيعة أهداف المبادرة، ونتائجها المرتقبة على الأرض.

 

ومما يزيد من الشك في حقيقة "النوايا" وراء طرح المبادرة، هو الموافقة الصهيونية الرسمية المبدئية التي أعطاها مكتب رئيس الوزراء الصهيوني المستقيل إيهود أولمرت على النقاط المصرية، بل وموافقة الكيان الصهيوني على الفور على مسألة "الهدنة الفورية المحددة" لأسبابٍ إنسانيةٍ، وبدء تنفيذها حتى قبل الموافقة على المبادرة كـ"حزمةٍ واحدةٍ"، والسعي إلى بدء تنفيذها.

 

مبادرة ملغومة!

ومبدئيًّا، وبعيدًا عمَّا احتوته المبادرة من بنودٍ ومواقف مبدئيَّةٍ، فإنَّ أول ما يثير الدهشة فيما يخص المبادرة، هو حياديتها الكاملة؛ حيث جاءت بنودها لتعامل حركة حماس والأطراف الفلسطينية على ذات درجة المساواة مع العدو الصهيوني، دون الوضع في الاعتبار أنَّ الأول هو الطرف المعتدي، وأنَّ الحجج التي ساقها الكيان الصهيوني لشنِّ حربه البربرية الحاليَّة على قطاع غزة، لا سند لها على أرض الواقع، حتى فيما يتعلَّق بصواريخ الفصائل الفلسطينية التي جاءت ردًّا على عدم التزام الكيان الصهيوني بشروط التهدئة بين الجانبين، ومن بينها فتح المعابر وفك الحصار عن غزة.

 

كما جاءت بنودها من دون أنْ تضع في الاعتبار أيضًا أنَّه لا يجوز المساواة قانونيًّا أو سياسيًّا أو حتى وفق مبدأ الأمر الواقع (Du feacto) بين كيانٍ سياسيٍّ له وضعية الدولة في القانون الدولي وله جيشٌ نظاميٌّ مسلحٌ مثل الكيان الصهيوني، وبين شعبٍ أعزل وفصائل مقاومةٍ مسلحةٍ لا تملك سوى الحد الأدنى من ممكنات العمل على الأرض، باستثناء تمثيلها لشعبها قانونًا بعد انتخابات يناير من العام 2006م التي منحت حركة حماس الشرعية التمثيلية عن الشعب الفلسطيني.

 

كما أنَّه من اللافت تأخر القاهرة في طرح مبادرتها هذه؛ حيث جاءت بعد أكثر من 11 يومًا من بدء العدوان الصهيوني، وهي فترة طويلة للغاية في الحروب؛ فحرب يونيو 1967م استمرَّت ستة أيام، بينما استمرت حرب رمضان/ أكتوبر 1973م 19 يومًا، بما في ذلك فترة الخرق الصهيوني لقرار وقف إطلاق النار الصادر في 22 أكتوبر، وبما في ذلك أيضًا أنَّها كانت حربًا بين جيوشٍ نظاميةٍ قادرة على حماية نفسها والمدنيين من حولها.

 

المبادرة في صيغتها العامة- بالإضافة إلى ذلك- جاءت لتنزع مصر من سياقها الإقليمي وانتمائها العربي؛ فهي لا تنفصل في شيءٍ عن الموقف الغربي، وعلى رأسه الموقف الفرنسي الذي يساوي بين الموقف الصهيوني واعتداءاته وبين الموقف الفلسطيني، الذي يدخل كل ما يفعله في إطار حقوقه المشروعة في المقاومة ورد العدوان، ولا يمكن مساواته مطلقًا على المستوى العسكري، فيما يخص إطلاق الصواريخ على المغتصبات الصهيونية، بما تفعله آلة الدمار الصهيونية الجبَّارة في أهل غزة.

 

كما أنَّ الرئيس الفرنسي ذاته سبق له وأنْ طرح مبادرةً مثيلةً قبل أيامٍ من تصريحات الرئيس مبارك التي قدَّم فيها النقاط الثلاث سابقة الذكر، ولكن لم يتم الموافقة عليها من جانب الكيان الصهيوني، فلماذا قبلها الصهاينة من القاهرة هذه المرة؟!، في حقيقة الأمر فإنَّ الإجابة عن هذا السؤال تثير الكثير من المخاوف!!.

 

بالإضافة إلى أنَّ البند الثاني منها المتعلق برفع الحصار عن قطاع غزة وفتح المعابر مقابل وقف الصواريخ الفلسطينية لا يزيد في شيءٍ عما طرحه الأمريكيون والصهاينة قبيل وأثناء الحرب، فما تقول المبادرة إنَّها ترتيبات وضمانات لفتح المعابر لا يخرج في مضمونه عن الآتي:

 

-تطبيق اتفاقية المعابر المُوقَّعة في العام 2005م قبيل الخروج الصهيوني الأحادي الجانب من غزة في سبتمبر من نفس العام، والتي تضمن وجود مراقبين دوليين أو أوربيين في معبر رفح.

 

- وجود ضمانات لوقف عمليات توريد السلاح للمقاومة، ونقول توريدًا لا تهريبًا للسلاح؛ فالتهريب يعني إدخال مواد ممنوعة بدون علم السلطات الشرعية، ولكن سلاح المقاومة الذي يدخل، يدخل بموافقة السلطة الشرعية لقطاع غزة، التي تقود مقاومة مسلحة مشروعة وفق القانون الدولي والإنساني ضد احتلالٍ صريحٍ.

 

- وقف إطلاق الصواريخ الفلسطينية على المدن والمغتصبات الصهيونية على الجانب الآخر من الحدود.

 

وهي بطبيعة الحال كلها طلبات صهيونية وأمريكية عبَّرت عنها الإدارة الأمريكية صراحةً في أكثر من موضعٍ، وكررتها رئاسة الوزراء الصهيونية طيلة الأشهر الماضية، وإنْ تنازل الصهاينة عن بعض مطالبهم تحت وطأة المقاومة العنيفة التي يلاقونها في قطاع غزة.

 

فهم مستعدون بالفعل لوقف عدوانهم على قطاع غزة لو توقَّفت الصواريخ الفلسطينية فقط، ولم يعودوا متمسكين بفكرة القضاء على حركة حماس، بل إنَّهم أكدوا في تصريحٍ رسميٍّ لأولمرت قبولهم مبدئيًّا فكرة التفاوض مع حركة حماس من خلال طرفٍ ثالثٍ هو مصر أو الولايات المتحدة أو ربما طرفٍ أوروبيٍّ.

 

سياقات المبادرة

 الصورة غير متاحة

 جندي صهيوني مصاب جراء صواريخ وقذائف المقاومة

تأتي المبادرة المصرية إثر الهزيمة العسكرية الصهيونية في قطاع غزة؛ حيث نجحت المقاومة حتى اليوم الثالث عشر من العدوان واليوم الخامس من الغزو البري الشرس في الحفاظ على تماسك جبهتها الداخلية وإفشال الأهداف العسكرية الصهيونية المباشرة من وراء الحرب، ومن بينها حتى الأهداف التكتيكية المرحلية على الأرض، مثل تقسيم قطاع غزة إلى أقسامٍ ثلاثةٍ، وتقليل عدد الصواريخ الفلسطينية التي تطلق على الجانب الصهيوني من الحدود.

 

كما أنَّها ذات جانبٍ دعائيٍّ استطاع امتصاص رد الفعل إزاء جريمة الفاخورة، وهي جريمة ذات بُعدٍ دوليٍّ؛ لأنَّها تمَّت ضد أهدافٍ تابعةٍ للأونروا، أي تابعةٍ للأمم المتحدة، وكان لتوجيه مصر بمبادرتها إلى مجلس الأمن الدولي دلالةٌ كبيرةٌ في هذا الشأن.

 

كما أنَّه كمبدأٍ عامٍ فإنَّ الموافقة الصهيونية الفورية على المبادرة المصرية لها دلالتَان؛ أولاهما رغبة الصهاينة في التغطية على جرائمهم في غزة، والثانية أنهم مهزومون؛ لأن المبادرة المصرية أساسًا تدعو إلى وقفٍ لإطلاق النار قَبِلَه الكيان الصهيوني ولم تقبله المقاومة، وهو في عُرْفِ العسكريين اعتراف غير مباشرٍ بالهزيمة الصهيونية في الحرب.

 

بالإضافة إلى ذلك تسعى القيادة الصهيونية إلى تقييد المقاومة وجرِّها إلى طاولة تفاوضٍ معها، حتى لو كان ذلك عن طريق وسيطٍ ثالثٍ، وهو هدفٌٌ سياسيٌّ كبيرٌ جدًّا، ويعني لو تمَّ القضاء على خيار المقاومة الفلسطيني بشكلٍ نهائيٍّ؛ حيث سوف يعني ذلك سقوط جبهة الرفض الفلسطينية الأخير في أتون المفاوضات والاتفاقات المرحلية مع الصهاينة.

 

الهدف الأبرز الأخير من وراء طرح القاهرة مبادرتها تلك هو محاولتها غسل يديها الملوثة بدماء الفلسطينيين، بعد تصاعُد الضغوط الشعبية والرسمية الداخلية والخارجية عليها بسبب سياساتها إزاء العدوان الصهيوني على قطاع غزة، وموقفها المخزي من موضوع المعبر.

 

وتدعم الموقف الدبلوماسي السيئ للقاهرة بسلسلةٍ من التصريحات والمواقف غير الموفَّقة بالمرة لوزير الخارجية أحمد أبو الغيط، والتي تماهى فيها تمامًا مع ما طرحه الكيان الصهيوني، ووزيرة الخارجية الصهيونية القبيحة تسيبي ليفني قبيل وأثناء الحرب، لا سيما فيما يتعلق بتبرير الحرب، وتحميل حركة حماس المسئولية عمَّا يجري في القطاع.

 

إذن.. الخلاصة هي أنَّ القاهرة- عن طريق مبادرتها تلك- تسعى إلى حفظ ماء وجهها المُراق، وانتشال الكيان الصهيوني من هزيمةٍ جديدةٍ محققةٍ في قطاع غزة؛ ولذلك سيكون من قبيل الأحلام والطموحات المستحيلة أنْ يتم مطالبة القاهرة- مثلاً- على خلفية الجرائم الصهيونية بخطوةٍ مماثلةٍ لتلك التي تبنَّاها الرئيس الفنزويلي هوجو شافير الذي طرد السفير الصهيوني لدى بلاده شلومو كوهين، مع ستةٍ آخرين من موظفي السفارة الصهيونية في كراكاس.

 

كما- والحال كذلك- لا يمكن مطالبة القاهرة حتى بخطوةٍ أبسط كاستدعاء سفيرها لدى تل أبيب "للتشاور" كما فعل عسكر موريتانيا الفقراء!!.