كان لافتًا حديث إيهود أولمرت، رئيس الوزراء الصهيوني المستقيل عن تحقيق الأهداف التي حددت قبل بدء العدوان على قطاع غزة قبل 22 يومًا بشكلٍ كامل، بل زاد قائلاً: "إن ما تم تحقيقه أكثر من الأهداف المحددة".
أولمرت، الذي أعلن في خطابٍ له مساء السبت 17/1 عن وقف أحادي الجانب لإطلاق النار ضد قطاع غزة، استعرض ما اعتبرها "إنجازات" لحكومته وجيشه خلال الحرب على غزة، قائلاً إن حركة "حماس" قد "تلقت ضربة قاسية" على صعيد بنيتها التحتية والعسكرية، والسيطرة على مناطق إطلاق الصواريخ.
وعلى الرغم من أن الحرب لم تنته بعد؛ إلا أنه لو تم وضع الأهداف الصهيونية المعلنة للحرب في الميزان، فسيظهر أمر مغاير لما أعلنه أولمرت.
أهداف قبل الحرب
تحفظ الاحتلال على تحديد أهدافه من الحرب والعدوان على غزة في ضوء تجربتهم في الحرب على لبنان سنة 2006م، عندما أعلنوا عن أهداف كبيرة للحرب، فلم يستطيعوا تحقيقها فكانت هزيمتهم بأن فشلت الآلة العسكرية الضخمة في تحقيق الأهداف السياسية.
في ظل تلك التجربة حافظ الاحتلال على موقف غامض أمام الإعلام؛ إلا أن هذه الأهداف خرجت من أفواه قادتهم، كما جاء على لسان تسيبي ليفني من القاهرة (25/12/2008) بأنهم يهدفون إلى "تغيير الوضع في غزة، وإنهاء حكم حماس"، ومرة يعلنون بأنهم يهدفون إلى إضعاف حُكم حماس، وصولاً إلى القول والمطالبة- كما جاء على لسان وزير الأمن الداخلي آفي ديختر في مقابلة مع فضائية "الجزيرة" (4/1)- بأنهم يهدفون من العدوان على غزة إلى تحقيق: "وقف صواريخ المقاومة قطعيًّا، ووقف تهريب الأسلحة قطعيًّا، ومن ثَمَّ عقد تهدئة تختلف كليًّا عن التهدئة السابقة".
ويمكن ترتيب الأهداف الصهيونية من الحرب على غزة، حسب الأولوية، بداية القضاء على حركة "حماس" كجزءٍ أساس من حالة المقاومة ومشروعها من جهة، وكجزءٍ من محور الممانعة من جهةٍ أخرى، لإعادة بناء الإقليم بدون حماس تمهيدًا لتصفية نهائية أو شبه نهائية للقضية الفلسطينية، خاصةً في إطار ما يروج له الآن من قضية عودة الأوضاع إلى ما قبل الـ1967 ضمن سياقات متباينة.
أما الهدف الثاني القضاء على حركة "حماس" لكونها المعرقل الأساسي لتحقيق اتفاق سلام بالرؤية الصهيونية التي توافق عليها السلطة؛ وذلك حفاظًا على مشروع التسوية.
والهدف الثالث من حيث الأهمية ما ذكره تقرير فينوجراد الصادر بعد الحرب الصهيونية على لبنان عام 2006م كان أحد أهم الدوافع لشن الحرب على القطاع بغية استعادة الجيش الصهيوني لهيبة الردع المفقودة بعد الفشل الذريع الذي لحق به على إثر حربه مع حزب الله، فتوجّه إلى غزّة ظنًّا منه أنها الحلقة الأضعف.
أما الهدف الرابع فهو إنهاء خطر الصواريخ الواقع حاليًّا أو المحتمل مستقبلاً انطلاقًا من غزة، وبعده إرغام "حماس" والمقاومة قبول تهدئة بشروط الاحتلال.
كذلك استقدام قوات دولية لحماية أمن الكيان الصهيوني والحيلولة دون إمداد المقاومة بالسلاح، تفتح الطريق لأجهزة أمن عباس للسيطرة على غزة.
المقاومة باقية
فشل الجيش الصهيوني، الذي يعتبر خامس أقوى جيش في العالم وصاحب أقوى سلاح جو في المنطقة، في تحقيق أي من الأهداف التي حددها لنفسه، فقد مثَّل خطاب أولمرت دليلاً على أن حركة "حماس" والمقاومة الفلسطينية هي المنتصرة بعد الصمود الأسطوري الذي قامت به أمام الهجمة الشرسة بالرغم من الحجم الكبير من الضحايا في صفوف المدنيين.
حيث أخفق الاحتلال في "تغيير الواقع" في غزة، فما زالت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وحكومة إسماعيل هنية، بالرغم من قصف جميع مقراتها، تسيطر على الأوضاع في قطاع غزة وتمسك بزمام الأمور.
أما الصواريخ، التي قال أولمرت إن جيشه سيطر على مناطق إطلاق الصواريخ؛ فقد كانت تتساقط على البلدات والمغتصبات الصهيونية البعيدة عن قطاع غزة، منذ بدء خطابه وبعده؛ الأمر الذي يؤكد بصورة واضحة فشل جيش الاحتلال في وقف هذه الصواريخ التي لم تتوقف يومًا منذ بدء العدوان الصهيوني.
وبشأن الصواريخ أيضًا؛ فإن جيش الاحتلال الذي دخل لوقف هذه الصواريخ، تلقى صفعة قوية، ليس حينما لم توقف المقاومة الصواريخ، بل عندما استخدمت صواريخ "جراد" التي لم تستخدم من قبل في قصف المغتصبات، بل ما زاد الطين بلة لدى الصهاينة هي أن هذه الصواريخ وصلت إلى عميق الكيان الصهيوني وإلى مناطق تشكّل خطرًا إستراتيجيًّا كبيرًا، لا سيما وأن أبعد نقطة وصلت إليها الصواريخ حتى الآن لا تبعد كثيرًا عن مدينة تل الربيع (تل أبيب).
هيبة مكسورة
أولمرت أثناء خطاب إعلان الهزيمة

وإن استطرد أولمرت في كلمته بتمكّنه من استعادة هيبة الردع للجيش الصهيوني المفقودة بعد الفشل الذريع الذي لحق به على إثر حربه مع حزب الله؛ فإن هذا الجيش عجز خلال 22 يومًا من العدوان والتصعيد غير المسبوق على تحقيق أي من أهدافه العسكرية، حتى إنه لم يتجرأ على الدخول في حرب برية داخل مدن قطاع غزة، وكان يقصف بطائراته ودباباته عن بُعد خشية مواجهة المقاومة التي توعدته بسيلٍ من المفاجآت غير المتوقعة.
من بين الأهداف الصهيونية للحرب على غزة هي التوصل إلى تهدئة مع الفصائل في غزة على أن تكون وفق الشروط الصهيونية، والتي كانت وقف الصواريخ ومنع تهريب السلاح دون رفع الحصار وفتح المعابر، وهو ما رفضته المقاومة بشدة؛ الأمر الذي اضطر أولمرت إلى الإعلان عن وقف أحادي الجانب لإطلاق النار مع قطاع غزة.
وكان لمفاجآت المقاومة التي تتجلّى نجاحها الباهر في التعمية عما لديها من قدرات وإمكانات قتالية، إضافةً إلى قدرة المقاومة فعليًّا على أن تصل بصواريخها إلى مديات لم تكن بحسبان العدو، عامل إضافي يجعل من المقاومة قادرةً على أن ترسم مسار الحرب، فإذا استطاعت المقاومة إضافةً إلى صمودها أن تحافظ على نسق معقول من الصواريخ التي تطلق برغم وجود الدبابات المحيطة فإن ذلك لن يخدم فكرة استمرار الحرب بالنسبة للجيش الصهيوني.
فشل ذريع
من بين الفشل الذي لحق بالكيان الصهيوني؛ هو ما سببته هذه الحرب وهذا العدوان من اتساع شعبية حركة المقاومة الإسلامية "حماس" على وجه الخصوص، وإعادة القضية الفلسطينية وإحيائها في الشارع العربي والإسلامي والعالم أجمع؛ حيث انطلقت المسيرات في كل العالم للتنديد بالعدوان.
وتسبب هذا العدوان أيضًا في قطع عدد من الدول من أمريكا الجنوبية وكل من قطر وموريتانيا علاقاتهم مع الكيان الصهيوني، إضافةً إلى تضرر مصالحها الاقتصادية وزيادة العداء لها؛ الأمر الذي أدَّى إلى ارتفاع حجم الهجمات ضد اليهود في كلٍّ من سويسرا وفرنسا على وجه الخصوص.
خسارتها المعركة الإعلامية في أنحاء العالم، حيث أظهرت وسائل الإعلام الصورة الحقيقية للكيان الصهيوني بجرائمها التي ترتكب بحق الأطفال والنساء.
أمر مهم أيضًا هو زيادة كبيرة جدًّا في عدد الجهات الحقوقية التي قدمت بدعوى قضائية إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة "مجرمي الحرب" الصهاينة، بل تجاوز الأمر إلى رفع دعوى في العديد من دول العالم لمنع قادة الاحتلال من زيارة دولهم وعزل قادة الاحتلال.