لم يكن الهجوم الذي شنَّته طائرة أمريكية من دون طيارٍ على مدينة مير علي في مقاطعة ميرانشاه بإقليم وزيرستان الشمالي في باكستان- والذي تمَّ بعد أقل من ثلاثة أيامٍ فقط على تولي الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما- هجومًا اعتباطيًّا أو ضمن الإطار العام للعمليَّات، والذي يحكم أنشطة القوات الأمريكية وقوات حلف الناتو في أفغانستان.
فهذا الهجوم الذي أدى إلى مقتل 14 شخصًا على الأقل يعتبر بالنسبة للمراقبين مفتاحًا شديد الأهمِّيَّة في صدد تحديد ملامح السياسة الأمريكية الجديدة إزاء منطقة وسط وجنوب آسيا خلال السنوات الأربع المقبلة؛ فترة إدارة الرئيس الأمريكي الجديد.
ويدعم من هذا التقدير، تزامُن الهجوم مع بدء أوباما في تنفيذ ما جاء في أجندته الانتخابية بشأن كيفية التعامل مع ملف مكافحة ما يسمى بـ"الإرهاب"، والذي وضعته الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي الجديد على رأس أولويات عمل إدارته في أعقاب تولي أوباما منصبه؛ حيث جاء ملف الوضع في أفغانستان والحرب على تنظيم القاعدة ليجبَّ ملف العراق الذي وضعته إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن على رأس قمة أولوياتها.
الغارة تزامنت مع اختيار أوباما للدبلوماسي الأمريكي اليهودي ريتشارد هولبروك كمبعوثٍ لواشنطن إلى باكستان وأفغانستان، وهو منصبٌ مستحدثٌ، وله دلالاته؛ حيث جرت العادة أنْ يكون هناك مبعوث أمريكي لأفغانستان، ولكن دمج أوباما لباكستان في مهمة هولبروك يجعل الكثير من علامات الاستفهام تظهر للعيان، وتدعو إلى التفكير في حقيقة خطط الإدارة الأمريكية الجديدة في هذه المنطقة في قلب العالم الإسلامي.
يهوديٌّ متعجرفٌ
وقبل عرض طبيعة السياسات الجديدة الموضوعة للتعامل مع ملف أفغانستان- باكستان الجديد على أجندة الإدارة الأمريكية؛ يجب أولاً إلقاء النظر على طبيعة المبعوث الأمريكي الجديد إلى منطقة جنوب آسيا.
يوصف هولبروك (البالغ من العمر 67 عامًا) في دوائر الدبلوماسية والمال الأمريكية بأنه "شخص متعجرفٌ وصلف"، وقضى جزءًا من حياته المهنية التي تزيد على أربعة عقودٍ ونصف في دوائر البورصات والمصارف الأمريكية؛ حيث تولى في العام 1981م- على سبيل المثال- منصب مدير عام مصرف ليمان براذرز، الذي كان بداية تفجر أزمة المال والائتمان التي هدَّدت بنية النظام الاقتصادي العالمي برمَّته.
![]() |
|
ريتشارد هولبروك |
وهولبروك يهودي متعصب وشديد التحيُّز للكيان الصهيوني، ويشغل حاليًّا منصب الرئيس الفخري لمنظمة يهودية أمريكية تسمى "العدالة ليهود الدول العربية"، وأنشئت بهدف المطالبة ومساعدة اليهود الذين هاجروا من الدول العربية إلى الكيان الصهيوني في سنوات الحرب الأولى بين العرب والكيان على الحصول على تعويضاتٍ من هذه الدول عن أملاك مزعومة صودرت.
إلا أن محلِّلين لفتوا إلى أن الهدف الحقيقي من وراء تأسيس هذه المنظمة هو "خلق" ملف بعنوان "اللاجئين اليهود" المطرودين من الدول العربية؛ لمقايضة ذلك بحق عودة وتعويض اللاجئين الفلسطينيين.
وحقَّق هولبروك مكانته في عالم الدبلوماسية الأمريكية والدولية في العام 1995م عندما تولى مهمة مساعد وزير الخارجية للشئون الأوروبية، وقام في تلك الفترة بجولاتٍ مكوكيَّةٍ في يوغوسلافيا السابقة وأوروبا؛ في محاولةٍ لعلاج الموقف المتفجر في جمهورية البوسنة والهرسك، وكان وراء التوقيع على اتفاق دايتون الذي أنهى الحرب الأهلية في البوسنة، وعرف الاتفاق بهذا الاسم، "دايتون" نسبةً إلى قاعدة "دايتون" العسكرية الأمريكية في أوهايو، التي شهدت التوقيع على الاتفاق.
وعاد اسم هولبروك إلى التداول الإعلامي صيف العام الماضي، حينما كشف مجرم الحرب الصربي وزعيم صرب البوسنة السابق رادوفان كرادجيتش بعد اعتقاله عن أن ريتشارد هولبروك وعده عام 1995م بالإفلات من الملاحقة القضائية والعقاب على ما ارتكبه من جرائم حربٍ، في مقابل إنهاء الحرب في البوسنة.
مهام وعرة
ويذهب هولبروك إلى هذه المنطقة التي تعتبر الأخطر في العالم على الأمن القومي الأمريكي؛ بحسب الأمريكيين أنفسهم، محمَّلاً بخلفيات عدة؛ بين تاريخه في العمل الدبلوماسي وعمله السابق في قطاع المصارف والبورصات في الولايات المتحدة.
كما يذهب إلى هناك محمَّلاً بقناعات مفادها أن جبهة العمل الأمريكية الرئيسية في العالم حاليًّا هي في أفغانستان وباكستان؛ بعد وضع أولوية لمسألة مكافحة "الإرهاب" وتصفية قيادات تنظيم القاعدة على رأس الأجندة السياسية والأمنية للإدارة الأمريكية الجديدة، واضعًا في اعتباره أن الحالة الأفغانية ومكافحة الإرهاب في أفغانستان لا تنفصل عن الحالة الباكستانية وأزماتها الداخلية والخارجية.
وتتعدَّد أبعاد المهمة الجديدة لهذا الدبلوماسي القديم، الذي قضى أكثر من أربعة عقود ونصف في دهاليز السياسة الخارجية الأمريكية، فالرئيس الأمريكي الجديد بينما يكلف هولبروك بهذه المهمة الشاقة؛ يدمج ما بين ملفَّيْن لهما وضعها المعتبر في برنامج باراك أوباما الانتخابي، وهما ملفَّا أفغانستان وباكستان، مع ما ترتبط به هذه الأخيرة من قضايا وملفاتٍ إقليمية أخرى مثل التوترات مع الهند والحرب على ما يسمى بـ"الإرهاب".
![]() |
|
باراك أوباما |
ويرى أوباما أنه لا يمكن الفصل بين المهام التي تتطلبها السياسة الخارجية الأمريكية واعتبارات الأمن القومي الأمريكي في كلا البلدين أفغانستان وباكستان، وقال أوباما خلال إعلانه تعيين هولبروك مبعوثًا أمريكيًّا خاصًّا إلى باكستان وأفغانستان: "إن تحقيق سلام دائم في المنطقة يحتِّم توسيع الفرص المتاحة لشعبي أفغانستان وباكستان، وهو تحدٍّ دوليٌّ على أعلى المستويات".
وأكد "استحالة فصل الحرب على الإرهاب" في أفغانستان عن "الحدود المضطربة مع باكستان"، وتابع بالقول: "كما في الشرق الأوسط، يجب أن ندرك أننا لا نستطيع التعامل مع المشكلات في شكل منفصل".
ولم تكن هذه هي وجهة أوباما وحده، فقد كانت وجهة نظر الباكستانيين أيضًا، بل إن إسلام أباد أضافت مهمة جديدة أكثر وعورةً إلى أجندة هولبروك في وسط وجنوب آسيا؛ حيث وسعت من الملفات التي يجب عليه التصدي لها لتشمل تحقيق الاستقرار في الإقليم المضطرب؛ بما في ذلك تهدئة الأوضاع المتوترة بين الهند وباكستان، والتي ازدادت تدهورًا بعد هجمات مومباي.
هذه الهجمات كان لها دورٌ كبيرٌ في وضع باكستان في حزمةٍ واحدةٍ مع أفغانستان في أجندة أوباما، بالمخالفة مع ما كان عليه الحال خلال الحملة الانتخابية لأوباما الذي ركَّز فقط على أفغانستان؛ حيث إنَّ هذه الوضعيَّة التي تدمج باكستان في الملف الأفغاني أتت من دخول باكستان في ذات البُعد الذي وضع أفغانستان على قائمة أوباما، وهو ملف "الإرهاب"، أو بمعنى آخر غير أمريكي ملف الجماعات الإسلامية المسلحة التي تعارض النفوذ الأمريكي في منطقة جنوب ووسط آسيا، مثل تحالف طالبان باكستان وحركة طالبان الأفغانية.
كما أن مصادر باكستانية أكدت أن أوباما ذاته سيسعى إلى توسيع الأطراف العاملة في ترتيبات مكافحة "الإرهاب"؛ حيث أشاروا إلى أنه سيُدخل حلف شمال الأطلنطي (الناتو) ودولاً أخرى في المنطقة بينها الهند في هذه الترتيبات، وهو ما أثار ضيق إسلام أباد بطبيعة الحال.
تصورات مشتركة
وتتطابق وجهات النظر والمواقف فيما بين أوباما ومبعوثه الجديد إزاء المهام المكلف بها هولبروك في وسط آسيا، سواءٌ فيما يخص الأولوية اللازم وضعها لملف ما يعرف بـ"الحرب على الإرهاب" على أجندة السياسة الخارجية الأمريكية، أو الكيفية التي يتم بها التعامل مع هذه الملف، وما يرتبط به في وسط وجنوب آسيا.
وكانت قضايا السياسة الخارجية عمومًا إحدى أبرز النقاط التي دعت هولبروك إلى القول "لماذا أوباما؟!" في مقال له في الـ"بروجيكت سنديكيت" الأمريكية، في عدد الأول من نوفمبر الماضي؛ أي قبيل الانتخابات الرئاسية الأمريكية بأيام قليلة.
وفي مقاله قال هولبروك إنه يدعم أوباما على حساب غريمه الديمقراطي جون ماكين لثلاثة أمور رئيسية؛ بجانب الانتماء المشترك لكليهما للحزب الديمقراطي، والأول هو برنامج أوباما للتصدي للأزمة التي عصفت بالاقتصاد الأمريكي والعالمي، والثاني "كاريزما" أوباما عن ماكين، أما الأمر الثالث، فهو تصورات أوباما عن قضايا السياسة الخارجية الأمريكية وكيفية التعامل معها.
وأيد هولبروك تمامًا ما طرحه أوباما بشأن الوضع في العراق وسبل التعامل الأنسب مع إيران، وأشاد بالطريقة التي تعاطى بها أوباما ومرشحه لمنصب نائب الرئيس السيناتور جوزيف بايدن مع الحرب الروسية على جورجيا.
إستراتيجية سوداء
ومن خلال ما جاء في البرنامج الانتخابي لأوباما، وما طرحه في الأيام القليلة التي مضت من مواقف وسياساتٍ، ومن بينها طبيعة اختياره لشخصيةٍ مثل هولبروك، يمكننا رصد ملامح من السياسة الأمريكية الجديدة في وسط آسيا.
فعلى الجانب العسكري يخطط أوباما للانسحاب من العراق في غضون 16 شهرًا من توليه الرئاسة رسميًّا، بعد استشارة القادة العسكريين الأمريكيين على الأرض، وتوجيه الجهد العسكري الأمريكي الرئيسي إلى أفغانستان وباكستان، وليس إلى أفغانستان فحسب.
وقال أوباما خلال حملته الانتخابية: "سننسحب من العراق لنضع قواتنا في ميدان المعركة الصحيحة في أفغانستان وباكستان"، وأضاف: "الجبهة المركزية للحرب على الإرهاب هي باكستان وأفغانستان"، وهو ما يعني الاستمرار في توجيه ضربات جوية لبعض الأهداف داخل إقليم وزيرستان الباكستاني الحدودي؛ حيث تتمركز عدد من الجماعات المسلحة في إقليم القبائل، مكونة ما يعرف بـ"طالبان باكستان".
![]() |
|
قوات أمريكية في أفغانستان |
وتشمل هذه الإجراءات زيادة عديد القوات الأمريكية في أفغانستان، بمعدل 13 ألف جندي بحلول الصيف القادم، ليضافوا إلى 32 ألف جندي أمريكي موجودين حاليًا في أفغانستان، ليصل الإجمالي إلى 45 ألف جندي.
وتبلغ تكلفة هذه الزيادة حوالي 5.5 مليار دولار بحسب طلب التمويل الذي تقدمت به وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) إلى الكونجرس الأمريكي، لمواجهة تنامي أنشطة حركة طالبان المتزايدة لقوات حلف "الناتو" والقوات الأمريكية هناك، وخصوصًا في جنوب أفغانستان.
وعلى الجانب الخاص بالأنشطة الاستخبارية، تخطط الولايات المتحدة لتطوير الوجود المخابراتي الأمريكي والأطلنطي على الأرض، وخصوصا مع زعماء القبائل، ولاسيما تلك الموجودة على جانبي الحدود الأفغانية الباكستانية، ودعم تبادل المعلومات والتعاون الاستخباري عمومًا مع كل من باكستان والهند، مع دعم الجهود المبذولة لتحديد موقع قيادات تنظيم القاعدة، وعلى رأسهم أسامة بن لادن زعيم التنظيم ومساعده الأول الدكتور أيمن الظواهري، واعتقالهما وقتلهما.
سياسيًّا تعتمد رؤية أوباما وهولبروك في هذا الجانب على تدعيم الجهد السياسي الأمريكي في أكثر من اتجاه، الأول داخلي في أفغانستان، ويعتمد محاولة تحقيق مصالحة ما بين حركة طالبان وحكومة الرئيس الأفغاني الضعيف حامد قرضاي.
أما إقليميًّا ودوليًّا، فترغب واشنطن في تطوير التحالفات الأمريكية مع حلفاء إقليميين ودوليين "لتجفيف منابع الدعم للتطرف والإرهاب"، وبطبيعة الحال سوف تكون الهند هي الطرف الإقليمي الأول لهذه التحالفات، وهو ما يضرب الأمن القومي الباكستاني في مقتل.
وفي النهاية فإنَّ الصورة شديدة التعقيد، وغير مريحة بالمرة، ولعلَّ الطرف الأول المنوط به الإجابة على مختلف التساؤلات المطروحة في هذا الأمر، هي الحكومة الباكستانية، والتي للآن يبدو وكأنَّها فقدت البوصلة بغياب قبضة جهاز مخابراتها الأسطوري الـ(ISI) عن الصورة، وعدم قدرة الرئيس آصف زرداري ورئيس وزرائه شوكت جيلاني على ملء الفراغ الذي تركه رحيل العسكر عن الحكم في إسلام أباد، بالإضافة بطبيعة الحال إلى تأثيرات أزمة تفجيرات مومباي على تركيز وسياسات إسلام أباد.


