على وقع أعمال عنف متزايدة، وخصوصًا في العاصمة كابول، يبدأ ريتشارد هولبروك المبعوث الأمريكي الخاص زيارة لأفغانستان صباح اليوم قادمًا من باكستان في أولى جولاته للمنطقة منذ تعيينه المبعوث الرئاسي للولايات المتحدة هناك.

 

ومن المقرر أن يبحث هولبروك الوضع الأمني في أفغانستان مع الرئيس الأفغاني حميد قرضاي وحكومته، في ضوء توجيهات أوباما بإعادة النظر في الإستراتيجية السياسية للولايات المتحدة حيال أفغانستان وباكستان قبل قمة حلف الناتو المقررة أبريل المقبل.

 

ويستكمل هولبروك جولته بزيارة إلى الهند ومباحثات مع قيادتها، قبل أن يقدم للرئيس الأمريكي ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون تقريرًا بنتيجة جولته.

 

وتأتي زيارة المبعوث الرئاسي إلى أفغانستان على وقع أعمال عنف متزايدة تشهدها العاصمة الأفغانية كابول؛ حيث سقط عدد من القتلى والجرحى في اشتباكات بين القوات الأفغانية وقوات حفظ السلام الدولية "إيساف" من جهة وبين عناصر مسلحة حاولت السيطرة على مبنيي وزارتي العدل والمالية بكابول من جهة أخرى، في هجمات منسقة أعلنت حركة طالبان مسئوليتها عنها.

 

وأعلنت الشرطة الأفغانية وشهود عيان أن مهاجمًا من طالبان فجر نفسه داخل مبنى وزارة العدل؛ حيث كان سبعة من عناصر الحركة يحاولون مهاجمة الوزارة ومبنى لإدارة أحد السجون التابعة لها في حي "خير خانا" بشمال كابول، وذلك انتقامًا من المعاملة التي يلقاها سجناء طالبان بحسب ما نقلته قناة تلفزيونية خاصة عن متحدث باسم طالبان.

 

وبالتزامن مع ذلك اندلعت معركة بالرصاص قرب القصر الرئاسي في العاصمة كابول؛ حيث قتلت قوات الأمن الأفغانية اثنين يعتقد أنهما مهاجمان انتحاريان وأصابت عددًا آخر، وذكرت وزارة الداخلية الأفغانية أنها تتحرى لمعرفة ما إذا كان هناك تنسيق بين الحادثين، وقالت إنها لم تتلق على الفور تفاصيل عنهما.

 

وتفرض السلطات الأفغانية إجراءات أمن مشددة في المنطقة المحيطة بقصر الرئاسة التي يوجد بها أيضًا عدد من السفارات الأجنبية ومبانٍ حكومية هامة.

 

إعادة نظر

ومن واشنطن؛ نقلت وكالة "رويترز" للأنباء تصريحات لروبرت جيبس المتحدث باسم البيت الأبيض قال فيها: "طلب الرئيس من بروس ريدل أن يرأس لجنة مشكلة من عدة وكالات لمراجعة السياسة الأمريكية بشأن أفغانستان وباكستان على أن تنتهي المراجعة قبل قمة حلف الناتو".

 

 الصورة غير متاحة

 باراك أوباما

 

وخلال حملته الانتخابية اعتبر أوباما أن أفغانستان وليس العراق هي الجبهة الرئيسية في "الحرب على الإرهاب"، ويعتزم إرسال تعزيزات من ثلاثين ألف جندي إضافي إلى هذا البلد لمضاعفة عدد القوة الأمريكية التي تحارب طالبان والحركات المرتبطة بها.

 

زيارة متوترة

من ناحية أخرى؛ قام ريتشارد هولبروك بزيارة إلى باكستان خلال اليومين الماضيين؛ حيث عقد سلسلة اجتماعات مع عدد من المسئولين الباكستانيين، ومن بينهم الرئيس آصف علي زرداري ورئيس الوزراء يوسف رضا جيلاني إضافة إلى وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قرشي.

 

وكان هولبروك قد صرح لدى وصوله إلى إسلام آباد مساء الإثنين بقوله: "أنا هنا للاستماع والاطلاع على الوقائع الميدانية في هذا البلد المحوري"، وأضاف أن الولايات المتحدة "تتطلع إلى مراجعة سياساتها، وتجديد التزامنا وصداقتنا مع شعب باكستان".

 

 الصورة غير متاحة

 

 

وتأتي زيارة باكستان على خلفية أجواء توتر بين إسلام آباد وواشنطن، مع تزايد عمليات إطلاق الطائرات الأمريكية من دون طيار لصواريخها داخل الحدود الباكستانية، مستهدفة ما تقول وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) إنه ملاذات آمنة لعناصر من حركة طالبان باكستان وتنظيم القاعدة.

 

وانتقدت واشنطن أكثر من مرة باكستان لعدم بذلها الجهود الكافية في نظر واشنطن لإزالة هذه "الملاجئ الآمنة"، كما انتقدت مؤخرًا قرار إسلام آباد برفع الإقامة الجبرية عن العالم النووي الباكستاني عبد القدير خان، والذي تتهمه واشنطن بأنه قام بنقل معلومات ومكونات نووية حساسة لدول من بينها ليبيا وكوريا الشمالية وإيران.

 

وقد رحبت باكستان بإعادة النظر في السياسة الأمريكية بعد أن عارضت هجماتها على وزيرستان، والتي قتلت أكثر من 1500 شخص خلال عشرين شهرًا، مع مخاوف لإسلام آباد من تداعيات هذه الضربات الصاروخية على الاستقرار الداخلي للبلاد، في ظل الاحتجاجات المتنامية من جانب الباكستانيين على هذه الضربات.

 

وقالت وزارة الخارجية الباكستانية "إن باكستان تسعى إلى وضع رؤية جديدة بشأن مسائل السلم والأمن والاستقرار وتنمية المنطقة، وبشكل خاص الاهتمام بمسائل القتال والإرهاب والتطرف بصورة فعالة من خلال اعتماد إستراتيجية شاملة".

 

وخلال مفتتح مؤتمر ميونخ العالمي للسياسة الأمنية المنعقد مؤخرًا في ألمانيا، دعا هولبروك إلى ما وصفه بـ"نهج إقليمي" ومشاركة أكثر فاعلية من الحلفاء الأوروبيين والأطلنطيين في القتال بأفغانستان، واصفًا الوضع  بأنه "لم يسبق له مثيل في الفوضى"، وقال إنه "لا يشبه أيًّا من المشاكل التي واجهناها، وأكد على أن ملف أفغانستان "سيكون أكثر قسوة من العراق".

 

وأضاف أن جيران أفغانستان "يشكلون جزءًا من الحل، خصوصًا باكستان التي انضمت إلى "الحرب على الإرهاب" بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وأضاف أن "الوضع في باكستان رهيب، ويحتاج لمساعدة دولية وتعاطف ودعم دوليين".

 

كشمير

وتريد باكستان من جهتها دبلوماسية أمريكية جديدة بشأن كشمير، وهي أحد الملفات التي تساعد على رفع مستوى الاضطرابات مع الهند، إلا أن واشنطن تقول إن هذه المشكلة "لا تدخل ضمن مهمة هولبروك".

 

 الصورة غير متاحة

 

 

وقال السناتور خورشيد أحمد العضو في مجلس الشيوخ الباكستاني عن الجماعة الإسلامية، كبرى الأحزاب الإسلامية إن باكستان "تكبدت خسائر هائلة بسبب مشاركتها في الحرب على الإرهاب وعلى الولايات المتحدة تعويضنا"، وأضاف: "علينا أن نقول بشكل واضح للمبعوث الأمريكي إنه بدون حل مسألة كشمير لا يمكن أن يكون هناك سلام وأمن في المنطقة".

 

مهمة هولبروك ستكون أكثر تعقيدًا مع تصاعد التوتر بين الهند وباكستان بشأن هجمات بومباي التي تتهم نيودلهي ناشطين متمركزين في باكستان بتنفيذها، إلا أن تعيينه مبعوثًا خاصًّا لأفغانستان وباكستان من جانب الإدارة الأمريكية الجديدة يعتبر خطوة ايجابية لمعالجة ما تصفه الدوائر الأمريكية بـ"مشاكل التشدد" وأنشطة حركة طالبان في أفغانستان وباكستان.

 

يذكر أن هولبروك هو الذي قام بالتدخل لحل النزاع في البلقان خلال الحرب الأهلية في البوسنة والهرسك، وأدت دبلوماسيته إلى التوصل إلى اتفاق دايتون الذي أنهى الحرب في العام 1995م.