أعلنت الحكومة الباكستانية عن التوصل إلى اتفاقٍ نوعيٍّ مع حركة تنفيذ الشريعة المحمدية، إحدى الجماعات المتحالفة مع حركة طالبان الأفغانية، والتي تعتبر جزءًا مما بات يعرف بطالبان باكستان، يقضي بوقف إطلاق النار في مقابل تطبيق الشريعة الإسلامية في وادي سوات، هذا الاتفاق أثار غضب الولايات المتحدة بشكلٍ فوريٍّ، ومن المرجح أنْ يكون إحدى نقاط الخلاف البارزة بين الغرب والولايات المتحدة من جهةٍ وبين إسلام أباد من جهةٍ أخرى لفترةٍ طويلةٍ قادمةٍ.

 

وفي حقيقة الأمر، فإنَّه، وارتباطًا بردة الفعل الأمريكية الأولية على هذا الأمر والتي جاءت على لسان المبعوث الأمريكي الجديد لأفغانستان وباكستان، ريتشارد هولبروك، يمكن القول بأن هذه الخطوة من جانب الحكومة الباكستانية، إنَّما هي انقلاب كامل في معايير اللعبة السياسية، سواءً في باكستان أو على مستوى الإقليم ككلٍّ، و"فورية" رد الفعل الأمريكي على هذا الخبر، والذي- أي رد فعل هولبروك- جاء من العاصمة الهندية، توضح مدى تأثير هذه الخطوة على إستراتيجية ما يعرف بـ"مكافحة الإرهاب".

 

مبعوث الجحيم الأمريكي هذا حذر ممَّا وصفه بـ"التشدد الإسلامي" في منطقة وادي سوات بباكستان، ووصفه بأنه "خطر مشترك يهدد الولايات المتحدة والهند وباكستان"؛ وذلك عقب اجتماعه مع وزير الخارجية الهندي براناب موخيرجي وكبار مسئولي الأمن القومي الهنود.

 

وبحسب ما نشرته وسائل الإعلام في غضون الساعات القليلة الماضية، فإنَّ وزير الإعلام المحلي في سوات ميان افتخار حسين قال: "أبرمت حكومة الإقليم الحدودي الشمالي الغربي مع الملا صوفي محمد (زعيم حركة تنفيذ الشريعة المحمدية) اتفاقًا لإلغاء كل القوانين القضائية التي تخالف الشريعة وتتعارض مع أحكام القرآن الكريم والسنة"، مشيرًا الى أن الرئيس آصف علي زرداري وافق على هذا الإجراء.

 

 

وكبادرة حسن نية أعلن مقاتلو طالبان في إقليم وادي سوات منذ السبت الماضي وقفًا لإطلاق النار لمدة عشرة أيام، وأطلقوا مهندسًا صينيًّا خُطف قبل خمسة شهورٍ.

 

ومعه ترجيح المراقبين أنْ تؤدي هذه الخطوة إلى صدور انتقاداتٍ أخرى من الولايات المتحدة والقوى الغربية، مع خشيتها أنْ تقع باكستان النووية في أيدي الجماعات السياسية والعسكرية من تيار المحافظين الدينيين المتعاطفين مع حركة طالبان وتنظيم القاعدة، إلا أنه من جانبٍ آخر، فإنَّ الأمر المهم الذي يجب أنْ يدركه المتابعون هو أنَّ ما دعا الحكومة الباكستانية إلى الإقدام على هذه الخطوة، على تهديدها لعلاقاتها الإستراتيجية التاريخية مع الغرب، والتي بدأت منذ استقلال باكستان في العام 1947م، أمر شديد الخطورة، بحيث أجبر إسلام أباد على اتخاذ هذا الإجراء، في ظل اتساع نطاق سيطرة الجماعات المسلحة ذات الجذور والأجندات الإسلامية، على مناطق شاسعة من باكستان.

 

مقدمات

لعبت الولايات المتحدة الغاضبة من تصرف الحكومة الباكستانية دورًا في دفع إسلام أباد إلى المصالحة مع بعض الجماعات الإسلامية التي تحمل السلاح؛ وذلك عبر إصرارها على إجراءَيْن، الأول مواصلة الضربات الصاروخية باستخدام الطائرات دون طيار على مناطق في إقليم وزيرستان القبلي الواقع في شمال باكستان، وهي سياسة تعهد الرئيس الأمريكي الجديد باستمرارها، وفي اليومَيْن الأخيرَيْن فقط سقط أكثر من 60 مواطنًا باكستانيًّا قتلى جرَّاء هذه النوعية من القصف.

 

 الصورة غير متاحة

باكستانيون يشيعون أحد ضحايا قصف أمريكي

وهو ما أحرج موقف الحكومة الباكستانية الداخلي كثيرًا أمام شعبها، وقوَّض شرعية إجراءاتها العسكرية ضد حركة طالبان والحركات المرتبطة بها؛ حيث بدت هذه الإجراءات وكأنَّها امتدادٌ للحرب الأمريكية ضد الباكستانيين.

 

أما الإجراء الأمريكي الثاني فهو سياسي يتعلق بالضغط على إسلام أباد للاستمرار في الحرب ضد هذه الجماعات والحركات التي كانت في يومٍ من الأيام حليفًا إستراتيجيًّا لكلا الطرفين: واشنطن وإسلام أباد، ونتيجة لفترة الاحتلال السوفيتي السابق لأفغانستان باتت هذه الجماعات جزءًا لا يتجزأ من المجتمع الباكستاني ومؤسسته العسكرية والأمنية وحياته السياسية.

 

كما تعاملت واشنطن مع باكستان في ترتيبات ما يُعرف بـ"الحرب الدولية على الإرهاب" دون النظر لاعتبارات السيادة الباكستانية، وإجراء الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما بتعيين مبعوثٍ لأفغانستان وباكستان معًا، يعني أنَّ الولايات المتحدة باتت تنظر لباكستان على أنَّها جزءٌ من المشكلة وليس من الحل، وباتت تتصرف في الجزئيات الخاصة بباكستان فيما يخص الحرب على "الإرهاب" دون مراعاةٍ لاعتبارات الأخيرة المتعلقة بالأمن القومي.

 

ولقد أدَّت هذه السياسات الأمريكية، التي بدأتها إدارة الرئيس الجمهوري السابق جورج بوش الابن، وبدا أن إدارة الرئيس الجديد سوف تواصلها، بعد وضعها لأفغانستان و"الإرهاب" على قائمة أولوياتها، إلى تدميرٍ تدريجيٍّ لبنية الدولة الباكستانية، وأصبحت باكستان واحدةً من أكثر عشر دولٍ على مستوى العالم فشلاً.

 

 الصورة غير متاحة

أعضاء من حركة تنفيذ الشريعة خلال الاجتماع

وخلال الأشهر الأخيرة توترت العلاقات ما بين إسلام أباد وواشنطن، وكان أبلغ مظاهر هذا التوتر هو إقدام باكستان على إغلاق ممر خيبر، أهم مسار نقل التموين الإداري والعسكري لقوات حلف شمال الأطلنطي والقوات الأمريكية الموجودة في أفغانستان، بحجة عدم قدرة القوات الباكستانية على السيطرة على الهجمات التي استهدفت قوافل الإمداد على مدار الأشهر الماضية، ولجأت واشنطن بالتالي إلى روسيا وبلدان أخرى تكره الولايات المتحدة، مثل قيرغيزستان، لتسهيل مرور التموين الأمريكي والأطلنطي.

 

وازداد مرارة واشنطن إزاء هذا الإجراء، لتزايد حاجتها الملحة لممرات باكستان الجبلية، بعد تخطيط الإدارة الأمريكية الجديدة لتوسيع نطاق عملياتها في أفغانستان ونقل الجهد العسكري الرئيس للولايات المتحدة من العراق إلى أفغانستان، ونشر 30 ألف جندي إضافي هناك بحلول صيف العام الحالي.

 

ونتيجةً لذلك، رضخت واشنطن لمساوماتٍ سياسيةٍ عديدةٍ من جانب حكومات هذه الدول، وخصوصًا روسيا، فيما يخص الدرع الصاروخي الأمريكي الذي ترغب واشنطن في نشره في بلدان شرق أوروبا، والتي كانت مرتبطةً بحلف وارسو والاتحاد السوفيتي السابق.

 

حل سياسي

باكستان خلال المرحلة الماضية استغلت حوالي 120 ألف جندي من عديد قواتها المسلحة البالغين 587 ألف شخص، أي ما نسبته 20.5% من إجمالي تعداد القوات العاملة- الاحتياطي الباكستاني حوالي 513 ألف فرد- ولا تستطيع باكستان أنْ تضع المزيد من القوات في خدمة ملف مكافحة "الإرهاب"، وضعًا في الاعتبار مسألة تأمين الحدود مع الهند.

 

فمع تحييد العامل النووي في مجالات التوتر المنخفض المستوى، وفقًا لمقاييس التقييم الإستراتيجي، السياسي والعسكري الذي يميز العلاقات الهندية- الباكستانية، فإنَّ باكستان، في ظلِّ عدم التوازن الديموغرافي والجغرافي بينها وبين الهند، هي بحاجةٍ إلى كل جنديٍّ من جنودها، لتأمين الجبهة الهندية، وزاد من ضغط هذا العامل على الحكومة الباكستانية التوترات الآخذة في الارتفاع بين الهند وباكستان في مرحلة ما بعد عمليات مومباي في نوفمبر الماضي.

 

فالهند التي لا تواجه سوى الجبهة الباكستانية، تملك مليونًا و175 ألف جندي في قواتها العاملة بجانب 528.4 ألف جندي احتياط، أي بإجمالي 1.7 مليون جندي تقريبًا، بينما إجمالي تعداد القوات الباكستانية لا يزيد على 1.1 مليون جندي، أي ما نسبته 64.4% من عديد القوات الهندية، المتفرغة فقط للجبهة الباكستانية، بينما على الجيش الباكستاني السيطرة على جبهةٍ عريضةٍ تقدر مع الهند فقط بـ2912 كيلومترًا، بخلاف ما تخوضه على جبهة الحدود مع أفغانستان.

 

قضية بقاء

 الصورة غير متاحة

الجيش الباكستاني يخوض حربًا شرسة ضد قوات طالبان

مع طول أمد الحرب الأهلية التي يخوضها الجيش الباكستاني ضد مواطنيه في المناطق التي تسيطر عليها طالبان باكستان، والتي أدت إلى سقوط عدة آلاف من القتلى في العام 2008م، كان لا بد للبحث عن حلٍّ سياسيٍّ للأزمة التي تواجهها الحكومة الباكستانية مع الجماعات المسلحة، مع تهديد هذه الحرب للأمن القومي الباكستاني، ولوجود الدولة الباكستانية نفسها.

 

وهو ما كان الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري صريحًا فيه خلال المقابلة التي أجرتها معه شبكة (سي. بي. إس. نيوز) التلفزيونية الأمريكية بعد لقائه مع هولبروك الخميس الماضي، وجرى بثها يوم الأحد الماضي؛ حيث قال زرداري: "إنَّ طالبان لها وجود على مساحات شاسعة من أراضينا.. نعم هذه هي الحقيقة".

 

كما أضاف أنَّ باكستان لا تخوض حربًا بالوكالة عن الولايات المتحدة في جبال باكستان، وأكد أنَّ باكستان "لا تقدم خدمة لأحد"، وقال: "نحن على علم بحقيقة أنَّ طالبان تحاول السيطرة على باكستان"، ومع عدم قدرة باكستان على زيادة قواتها العاملة في هذه المناطق، سوات ووزيرستان، قال زرداري: "أصبح لدينا الآن نقاط ضعف وهم (مقاتلو طالبان) يستفيدون من هذا الضعف".

 

ثم قال عبارةً شديدة الدلالة والخطورة في آنٍ واحدٍ، وهي: "ومن ثم فإننا نقاتل من أجل بقاء باكستان، ولا نحارب من أجل بقاء أحدٍ آخر".

 

تقارير المخابرات الغربية تقول أيضًا إنَّ حكومة زرداري ورئيس وزرائه يوسف رضا جيلاني تفتقد دعم الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة، ومن ثمَّ فإنَّ أي محاولةٍ من جانب الحكومة الباكستانية لتوسيع نطاق الحرب على الجماعات المسلحة- التي كونت فيها بينها شبكةً يستحيل تفكيكها أمنيًّا أو عسكريًّا دون خوض حربٍ أهليةٍ حقيقيةٍ في البلاد، وفي دولةٍ مثل باكستان، سيعني ذلك نهايتها.

 

الآن باكستان بدأت في مراجعة سياساتها الداخلية إزاء ملف الجماعات الإسلامية المسلحة التي تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية، بينما أمر الرئيس الأمريكي باراك أوباما بإعادة النظر في الإستراتيجية السياسية والعسكرية للولايات المتحدة حيال أفغانستان وباكستان قبل قمة حلف شمال الأطلنطي، والمقررة في شهر أبريل المقبل.

 

وفي ضوء أجواء توتر القائمة بين إسلام أباد وواشنطن، يبقى السؤال الهام هو: هل تتعارض هذه المراجعات؟!، أم أنَّ مراجعات باكستان سوف تكون جزءًا من المراجعات الأمريكية؟، ولو تعارض الطرفان، ماذا سوف يكون مصير باكستان.. ذلك البلد المسلم النووي؟!.