عاشت منطقة البلقان وأوروبا الشرقية في المدة الأخيرة ولا تزال أجواءً باردةً للغاية زاد من قسوتها الخلافات الروسية- الأوكرانية حول إمدادات الغاز ورغم توصل الطرفين إلى اتفاق بينهما؛ إلا أن الغاز لا يزال متوقفًا في مناخ متجمّد، تتراوح فيه درجة الحرارة بين 12: 25 درجة مئوية تحت الصفر، وهرع الكثير من السكان في دول مثل صربيا وكوسوفا وكرواتيا ومقدونيا والتشيك والبوسنة ورومانيا وسلوفاكيا وغيرها إلى الأسواق لشراء المدافئ الكهربائية، فيما توجه الكثيرون- ولا سيما سكان الأرياف وضواحي المدن- إلى شركات بيع الخشب لاقتناء كميات منه لتوفير الدفء لأسرهم عبر مدافئ الخشب بعد انقطاع الغاز الروسي.

 

الملايين يعانون بعد قطع الغاز الروسي، ودرجات الحرارة بلغت 25 درجة تحت الصفر، وقد زاد الوضع خطورةً نزول ما يُطلق عليه المطر المتجمِّد على الطرق؛ الذي يتسبَّب في حوادث مميتة تشهد بدورها ارتفاعًا وصل خلال العام الماضي إلى أكثر من 5 آلاف قتيل ونحو 15 ألف جريح؛ مما يؤكد المقولة التي تذكر أن للبرد أسنانًا حادةً!!.

 

ولم يسلم المارَّة من حوادث الانزلاق بسبب ما يوصف بالثلج الأسود الذي يُسبب رضوضًا وجروحًا بعضها خطيرة، وتستقبل المستشفيات في منطقة البلقان أكثر من 1000 جريح يوميًّا منهم 80 جريحًا في العاصمة البوسنية سراييفو وحدها.

 

البرد سيد الموقف

 الصورة غير متاحة

روسيا قررت قطع إمداداتها من الغاز لأوكرانيا في العام 2006م

وتقوم السلطات المحلية برشِّ الملح والحصى في الطرقات للتخفيف من الحوادث المميتة؛ ففي إقليم "فوفودينا" مات من البرد 210 أشخاص، بينما لا يُعرف العدد الإجمالي للضحايا في مختلف أنحاء صربيا، وفي التشيك اضطر عشرات الأشخاص للانتقال إلى ملاجئ عامة تتوافر فيها العناية الصحية لمن يشكون من مرض القلب، وفي العاصمة الصربية بلجراد أُعلن أن أكثر من 100شخص ينقلون للمستشفيات يوميًّا بسبب البرد وتأثيراته المباشرة والجانبية على الصحة.

 

أما داخل الآلاف من المنازل والشقق السكنية فإن الوضع أكثر قتامةً والبعض يصفه بأنه أكثر سوءًا مما كان عليه خلال سنوات الحرب (1992/ 1995م)؛ حيث انقطع الغاز والكهرباء وفي أغلب الأحيان الماء واضطر البعض للجوء إلى أقاربهم في مدن أخرى هربًا من الصقيع الشديد الذي يلف منطقة البلقان بما يُعيد سنوات سابقة كان فيها البرد سيد الموقف، وعاد الناس إلى المواقد التي استخدمها زمن الحرب وتحسَّر على ذلك من تخلص من تلك المواقد التي ظنوا أن الظروف التي مروا بها لن تعود مرةً أخرى.

 

وقال "كريم ماجري" لـ(المجتمع) كنت ممن توجهوا إلى السوق لشراء مدفأة كهربائية ولكني لم أجد شيئًا في السوق، وعن كيفية قضائه وأسرته الأجواء الباردة قال: إن جميع أفراد أسرتي وعددنا سبعة أشخاص نقضي الوقت بالمنزل كما سنقضي بقية الأيام في غرفة واحدة؛ حيث لدينا مدفأة كهربائية اشتريناها في وقت سابق وضعناها في الغرفة وتكدسنا حولها، وأوضح أنه لم يستطع التأقلم مع الوضع الجديد فأرسل عائلته إلى منطقة أكثر دفئًا ثم التحق بها.

 

أزمة جديدة

وقد لزم الكثير من الناس بيوتهم وخاصةً كبار السن يعانون من مرض القلب وغير ذلك، وكان سكان البلقان وخصوصًا البوسنيين قد مروا بحالات سابقة قطع فيها الغاز الروسي، لا سيما أثناء حرب التسعينيات في القرن الماضي، وقد تمكنوا من التكيف مع الظروف في غياب التدفئة بالغاز، ومن ذلك الاحتفاظ بملابسهم كاملة عند النوم، كما استخدموا ملابسهم القديمة وأرضية المنازل الخشبية للتدفئة.

 

وفي "بولندا" أعلن عن مقتل 10 أشخاص من البرد بسبب قطع الغاز الروسي وانخفاض درجة الحرارة إلى 25 درجة مئوية تحت الصفر، وهناك مخاوف من ارتفاع عديد ضحايا البرد في شرق أوروبا على ما يزيد على الألف؛ في ظل استمرار سوء الأحوال الجوية وانخفاض درجة الحرارة بشكل دفع العديد من المدارس إلى إغلاق أبوابها، وكذلك المصانع التي تعتمد بشكل كامل على الغاز.

 

ويؤكد المراقبون أن قطع روسيا للغاز وانخفاض درجة الحرارة موازاةً لذلك تسبَّب في "أزمة جديدة" في أوروبا تضاف للأزمة الاقتصادية التي لا تزال تؤثر في الحياة المصرفية بالعالم، ولا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا.

 

محادثات جارية

ورغم الإعلان عن توصل لاتفاق "روسي- أوكراني" إلا أن الغاز لا يزال مقطوعًا ويتوقع أن يستمر ذلك حتى نهاية شهر فبراير الجاري، وتتجه الأنظار في دول البلقان وأوروبا الشرقية إلى المحادثات الجارية بين "موسكو" و"كييف" لإنهاء المعاناة التي يعشيها 70 مليون نسمة بسبب قطع الغاز الروسي الذي يمر عبر أوكرانيا تزامنًا مع موجة برد شديدة وصلت إلى 25 درجةً مئويةً تحت الصفر.

 

وقالت المصادر الروسية إن مديري الشركتين الروسية والأوكرانية قد أجريا محادثات في موسكو لحل الأزمة القائمة، ويعد هذا اللقاء الأول من نوعه هذا العام بين مديري الشركتين، وقد تزامن مع اجتماع وزيري الطاقة في البلدين بالعاصمة البلجيكية بروكسيل بحضور مسئولين من جمهورية التشيك بصفتها الرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي.

 

شروط روسية

 الصورة غير متاحة

  ديمتري ميدفيديف

وكان الرئيس الروسي قد أكد أن بلاده لن تستأنف مد أوكرانيا بالغاز ما لم تقبل بسعره المحدد وبوجود مراقبين دوليين بمن فيهم عناصر من الاتحاد الأوروبي.

 

وأجرى الرئيسان الروسي ديمتري ميدفيديف والأوكراني فيكتور يوتشينكو محادثات هاتفية في وقت سابق، وقال مصادر بلقانية: إن ميدفيديف أعرب عن استعداد روسيا لاستئناف ضخ الغاز في أسرع وقت ممكن إذا قبلت أوكرانيا بالشروط الروسية.

 

كما أكد يوتشينكو لنظيره الروسي قبول بلاده بوساطة الاتحاد الأوروبي في الأزمة، وذلك بعد محادثات هاتفية أجراها مع رئيس المفوضية الأوروبية خوسيه مانويل باروسو.

 

البحث عن بدائل

وتعاني 20 دولةً في البلقان وأوروبا الشرقية من الخلاف الروسي الأوكراني وخاصة البوسنة وسلوفاكيا ومقدونيا وصربيا وبلغاريا، وقد دفعت أزمة الغاز الملايين من سكان البلقان وأوروبا الشرقية إلى البحث عن بدائل للغاز الروسي عبر التدفئة بالحطب واستخدام المدافئ الكهربائية لكن ذلك اصطدم بقلة المعروض منها في السوق مما ضاعف من المعاناة.

 

وقالت السيدة نجاة عموديتش 51 سنة لـ(المجتمع): "في القرن الحادي والعشرين نعود إلى أساليب القرون الوسطى في التدفئة، ولكننا لا نجدها للأسف"، وتابعت "قطع الغاز في ظل انخفاض درجة الحرارة وتراوحها بين 10 و20 درجة مئوية تحت الصفر يؤكد أنه لا توجد أخلاق في السياسة".

 

4 ملايين رهينة

 الصورة غير متاحة
 
أما بلغاريا- وتعد أفقر دولة في الاتحاد الأوروبي- فتعتمد في مجال التدفئة على الغاز الروسي بنسبة 92% وقد وجدت نفسها بدون بدائل عكس الوضع في تركيا أو اليونان؛ مما دفع الحكومة إلى إغلاق المدارس بينما ظل السكان بملابسهم الشتوية كالمعاطف والقفازات ليلاً ونهارًا.

 

في حين وُصف الوضع في البوسنة بأنه مأساة إنسانية؛ حيث يمر الغاز الروسي إليها عبر عدد من الدول من بينها المجر وصربيا وهناك أكثر من 240 ألف مسكن تجمَّدت جدرانها من الداخل بسبب هطول الثلوج وانخفاض درجات الحرارة إلى مستويات مخيفة.

 

ومن بين الدول التي تضررت بقطع الغاز الروسي بلغاريا وكرواتيا وتشيكيا واليونان وإيطاليا ومقدونيا ورومانيا وصربيا وسلوفينيا وتركيا وسلوفاكيا؛ التي توقف فيها ألف مصنع عن العمل بما فيها مصنع أكيا لصناعة السيارات، إضافة إلى النمسا وفرنسا والمجر وبولندا.

 

وأكد وزير خارجية البوسنة ستيفن الكلاي أن هناك 4 ملايين نسمة يواجهون الخطر بعد أن أصبحوا رهائن للخلاف الروسي- الأوكراني، على حد تعبيره.

----------

* بالاتفاق مع (المجتمع).