مع إشراقة كل صباح يقف "أبو رائد" وبشكل معتاد فوق أطلال تلة المنطار متأملاً بشوق وحنين وبعينيه اللامعتين منزله الواقع على مقربة من معبر كارني والمناطق المتاخمة للحدود شرق غزة.

 

وكغيرها من العائلات القاطنة شرق غزة اضطرت عائلة أبو رائد للنزوح من منزلها مع اندلاع الحرب على غزة؛ خشية تعرضها للقصف، خاصةً أنه يقع على مقربة من معبر كارني الذي تحوَّل مؤخرًا لمربض للآليات والدبابات الصهيونية المتمركزة هناك.

 

وبعد انتهاء الحرب وعودة الهدوء الحذر تخشى العديد من العائلات العودة لمنازلها؛ حيث سبق أن طالبها جيش الاحتلال الصهيوني بعدم الاقتراب أو العودة للمنازل، مدعيًا أن هناك جولةً أخرى من الرصاص المصبوب.

 

وقال سكان المناطق الحدودية: إنهم تلقوا اتصالات هاتفية من جيش الاحتلال وبعض المنشورات تحذِّرهم من العودة للبيوت؛ حيث زعم جيش الاحتلال أنها ستدخل في المرحلة القادمة في إطار مناطق حدودية عازلة بمسافة 500 متر، وهو ما رفضته حماس.

 

ومع الحديث عن تعثر جهود التهدئة بسبب مماطلة الاحتلال الصهيوني اجتاح الخوف والقلق عائلة أبو رائد من عدم تحقيق حلمها بالعودة إلى منزلها، وتعوَّد أبو رائد الذهاب بشكل يومي فوق تلة المنطار الواقعة شرق مدينة غزة لإلقاء نظرة شوق وحنين على منزله المهجور منذ اندلاع الحرب على غزة.

 

يقول- وهو يشير بيده إلى منزله بينما يرقد الحزن في عينيه-: "بعد انتهاء الحرب لم نستطع العودة إلى منازلنا بسبب استمرار التهديدات بإطلاق النار نحونا، لافتًا إلى تكرار إطلاق النار عند محاولات الوصول إليها سابقًا".

 

ويأمل أبو رائد وعائلته العودة إلى منازله، وإعمار ما تم تدميره وتجريفه من الأراضي الزراعية القريبة من المكان، ويشير بحزن إلى أن دبابات الاحتلال عاثت في الأرض خرابًا وفسادًا في اليوم الأول من الحرب، منوِّهًا بإتلاف الآلاف من الأشجار والمصانع ومزارع الدواجن، علاوةً على إحراق الأراضي الزراعية بمواد ومبيدات سامة حتى لا يتمكن المزارعون من زراعتها والاستفادة منها.

 

ولم يعد بإمكان المواطنة إيمان محمد من سكان شرق غزة أن تقف في دكانتها الصغيرة كما هو الحال قبل الحرب، بل الدكان ذاته أجهضته الدبابة الصهيونية، فدمرته بالكامل وأتلفت جميع ما بداخله من بضاعة وأجهزة كهربائية.

 

إيمان تصف أجواء الحدود اليوم بالهدوء الحذر، وتذكر أنها لن تستطيع أن تنسى الأيام الماضية التي عاشتها وأسرتها في رعب، وتشير بيدها اليسرى إلى بيت جارتها الذي تعرَّض للقصف بقذيفة مدفعية أدَّت إلى تدمير أجزاء كبيرة منه ومن البيوت المجاورة، ثم تلتفت إلى صغيرتها التي تحتضنها بيديها قائلةً: "لقد كادت رصاصة- اخترقت جدران البيت- أن تقتلها، لولا عناية الله"، وتضيف: "كُتِبَ لها عمر جديد".

 

لم تترك إيمان لليأس والاستسلام مكانًا في قلبها؛ حيث استبدلت ألواحًا من الزينك بجدران دكانتها المدمرة، تبيع أحد الأطفال حلوى، وتضيف بنبرة صمود وتحدٍّ: "كانت دكانتنا مليئةً بالبضائع، وعبارة عن غرفة مسقوفة، فهدمتها الدبابات في الحرب الأخيرة، هي مصدر دخلنا الوحيد، لم نستطِع إعادة بنائها، لا يوجد إسمنت، كما أن إعادة ذلك صعب في ظل هذه الظروف، خاصةً أننا لا نثق بالنوايا الصهيونية بعد ذلك.

 

ويراقب توفيق سليم (30 عامًا)- الذي ترك منزله- نشرات الأخبار والتصريحات حول مفاوضات التهدئة، ويقول: "نريد أن نعيش بأمان هنا، لا أحد يشعر بمعاناتنا".

 

واستبعدت مصادر مصرية أمس التوصل إلى اتفاق تهدئة قريبًا، وقالت تلك المصادر: "إن اتفاق التهدئة لم يعد على سلَّم أولويات الصهاينة، وأضافت: "دولة الكيان أضاعت الجهود التي بذلتها مصر، خصوصًا أنه تم التوصل إلى تفاهمات نهائية على اتفاق التهدئة، وكانت مصر على وشك إعلان الاتفاق.. مصر لا تقبل بأن يلقى القفاز في وجهها"، مضيفةً: "كنا نتوقع احترام هذه التفاهمات".

 

مجرد الحديث عن الأيام الماضية والحرب على غزة- والتي اكتوت بنارها المئات من العائلات- كان كفيلاً بأن يرتعش جسد زوجته فاطمة المريضة بالقلب، مستحضرةً الصور المؤلمة للأحداث التي عايشتها من قبل، وتقول: "عشنا أيامًا مرعبةً، كنا كالدجاج، ننام إجباريًّا من المغرب أو نُشَرَّد في بيوت أقاربنا البعيدة عن المنطقة لننجو وأطفالي من الموت"، وعلى الرغم من أن منزل سليم يبعد مسافة 500 متر مع الحدود مع الكيان؛ إلا أن بيته تعرَّض سابقًا لأرشاق كثيفة من النيران والقذائف.

 

أحمد السيد الذي يسكن على مقربة من الحدود يضيف: "نريد راحة البال، رغم أن مقومات الحياة غير متوفرة لدينا، فلا غاز ولا كهرباء، ولكننا نصمد ونحتمل كل ذلك مقابل أن نعيش حياتنا بأمان.

 

وحتى تنطوي الأيام القليلة القادمة يبقى الخوف والقلق والحذر يصاحب المواطنين، وشبح الموت في صورته القديمة وربما الجديدة أشدُّ شراسةً، بحسب التهديدات الصهيونية المستمرة.