خطير جدًّا ما تناقلته التقارير الإعلامية التي تحدثت عن إجراء القوات الجوية الصهيونية مؤخرًا تجاربَ فعليةً على ما وُصِف بأنه "أكبر طائرة استطلاع من دون طيار"، ولئن كان الصهاينة وحلفاؤهم الأمريكيون قد اعتادوا على تجربة كل ما هو جديد، وكل ما هو مُحرَّمٌ من الأسلحة في البلدان العربية والإسلامية؛ فإن الموقف هذه المرة ينبئ عن تجربة طائرتها الجديدة في حال استخدام الأراضي الإيرانية هذه المرة.
التقارير الفنية الخاصة بهذه الطائرة تقول إنَّها قادرة على حمل طنٍّ من المتفجرات، بزيادة خمسة أضعاف عن المستوى المعتاد لقدرة هذه النوعية من الطائرات على حمله من صواريخ وقنابل، ويمكنها الوصول لإيران، وقصف منشآت نووية حصينة فيها، في تكتيكٍ مشابهٍ لما تتبعه الولايات المتحدة في قصف مناطق بإقليم وزيرستان الباكستاني، لضرب الملاذات الآمنة التي تتخذها عناصر الجماعات الإسلامية المسلَّحة- التي تعارض الوجود الأمريكي في أفغانستان وآسيا الوسطى- مقرًّا لها.
وكانت صحيفة (يديعوت أحرونوت) الصهيونية هي أول من كشف عن هذه الطائرة في عددها الصادر يوم الجمعة الماضية، وقالت إنَّ هذه الطائرة تم استخدامها بالفعل خلال الحرب العدوانية الصهيونية الأخيرة على قطاع غزة، أو ما سُمِّيَ صهيونيًّا بعملية "الرصاص المسكوب"، في الفترة ما بين 27 ديسمبر إلى 18 يناير الماضيين.
وقالت الصحيفة أيضًا: إنَّ هناك عدة دولٍ أوروبيةٍ لم تحددها بالاسم أبدت اهتمامها بالطائرة، لكنَّ الجريدة لم تذكر شيئًا عن وجود مفاوضات لشراء هذه الطائرة من جانب أي دولةٍ أوروبيةٍ.
مواصفات شيطانية
مواصفات الطائرة الصهيونية الجديدة كما ورد في التقارير تثير الكثير من التساؤلات حول حقيقة الغرض من تصنيعها، وتقول إنَّ الهدف منها أكبر بكثيرٍ من مجرَّد إجراء طلعاتٍ جويةٍ على قطاع غزة الخالي من وسائل الرصد الجوي أو التصدي الفعالة التي تستدعي وجود طائرةٍ بهذه المواصفات، وكذلك لبنان وسوريا.
فالطائرة التي سُمِّيَت بـ"إيتان، وهي من إنتاج شركة "الصناعات الجوية الإسرائيلية"، استغرقت فترة تجاربها وتصنيعها حوالي خمس سنواتٍ؛ حيث بدأت الشركة في التخطيط لإنتاجها بالتعاون مع القوات الجوية الصهيونية في العام 2003م، وكان للغزو الأمريكي لكلٍّ من أفغانستان والعراق دورٌ كبيرٌ في دفع الصهاينة تصنيع مثل هذه الطائرة، بعد ثبوت فاعليتها الميدانية، واستخدامها في مهام قتالية، وليس في مهامّ استطلاعيةٍ فقط.
ويبلغ طول الطائرة حوالي 15 مترًا، وباع جناحيها 26 مترًا، أي المسافة الفاصلة بين طرفَيْ جناحي الطائرة، ويصل طول الجناح الواحد إلى 11 مترًا، بينما لا يزيد طول جناح الطائرة الأمريكية المناظرة لها من طراز "بريداتور" المستخدمة في العراق وأفغانستان وباكستان عن 9.7 مترًا.
وتصل سرعة الطائرة إلى حوالي 234 كيلو مترًا في الساعة، بمدى يصل إلى أكثر من ألفي وخمسمائة كيلو متر، أي مدى مقاتلة فانتوم من طراز "إف. 15- إيجل" الأمريكية القادرة على حمل رؤوسٍ نوويةٍ، وهو ما يمكنها من القيام بطلعات استطلاعيةٍ أو استخباريةٍ، أو مهام قتاليةٍ، في أجواء دولٍ بعيدةٍ مثل إيران.
والمواصفات القتالية والاستطلاعية للطائرة تشير أيضًا إلى أنَّها قادرةٌ على التحليق في الجو على ارتفاعاتٍ مختلفةٍ، سواءٌ كانت ارتفاعات شاهقة أو منخفضة لمدة 24 ساعة متواصلة.
والطائرة عالية التقنية، فبالرغم من أنه يتم توجيهها من على الأرض، إلا أنها تنتمي لجيل ذكي من الطائرات بدون طيار؛ حيث إن لها القدرة على مناورة بعض نوعيات القذائف المضادة، بواسطة برنامج مسبق يتم برمجتها به، كما يمكنها حمل طن من القذائف والصواريخ؛ أي ما يزيد على خمسة أضعاف قدرة الحمل لدى الطائرات الموجَّهة الأخرى التي يستخدمها سلاح الجو الصهيوني، ومن بينها "البريداتور" الأمريكية و"الهيرون" الصهيونية الصنع.
وتتميز الطائرة بتفوقٍ نوعيٍّ آخر؛ حيث تقوم بأداء مهامها بصورة مستقلة؛ بما في ذلك الإقلاع والهبوط، وتنحصر مهمة مشغل هذه الطائرة في تغذيتها بالإحداثيات الخاصة بالهدف المحدد للرصد أو القصف.
الهدف إيران
![]() |
|
النشاط النووي الإيراني يثير رعب الصهاينة |
ووفق مجموعةٍ من الشواهد فإنَّ إيران هي الهدف الأقرب للصواب، سواء للقيام بطلعاتٍ استطلاعيةٍ لمعرفة آخر موقف بالنسبة للموضوع النووي الإيراني، أو استخدامها في قصف بعض الأهداف ذات الأهمية الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني؛ في حال إقدام الكيان الصهيوني على مغامرة قصف الأهداف النووية الإيرانية.
ويعزّز هذا الترجيح مضاعفة قدرة الحمل لهذه الطائرة إلى طن كاملٍ؛ بما يشمله ذلك من قدرة على حمل قذائف خارقة للدروع والتحصينات، وكذلك مداها البعيد وسرعتها غير التقليدية.
ومع وجود تشابه في مهام الطائرة الجديدة، في ظل مواصفاتها هذه، مع ما تقوم به الولايات المتحدة في عملياتها في إقليم القبائل الباكستاني على الحدود مع أفغانستان؛ فإن تصنيعها قد يكون قد تم من خلال تعاون عسكري من نوع ما مع الولايات المتحدة.
وحول الصعوبات الجيو- سياسية التي قد تعترض استخدام الكيان الصهيوني لهذه الطائرة على جبهة إيران إذا ما تطلَّب الأمر ذلك، مع ضرورة مرورها عبر أراضي عدد من البلدان العربية التي تقع في المسافة من إيران إلى الكيان الصهيوني، مثل العراق والأردن وسوريا؛ فإنَّ مواصفات الطائرة الفنية تصعب معه عمليات رصدها أو إصابتها بوسائل الدفاع الجوي الموجودة في البلدان الثلاثة، على تقادمها.
كما أنَّ السيطرة الأمريكية على الأوضاع الأمنية والعسكرية في العراق- حتى بعد الانسحاب "الكامل" الذي أعلنه الرئيس الأمريكي باراك أوباما بحلول العام 2011م- لن تؤدي إلى إعادة القوات الأمريكية المسئولة عن تدريب القوات العراقية إلى بلاد الرافدين، أو تلك التي تعمل في مجال التعاون الأمني مع القوات العراقية.
ونشير في هذا الصدد إلى قيام الكيان الصهيوني بقصف المفاعل النووي العراقي "أوزيراك" في السابع من يونيو من العام 1981م؛ حيث مرَّت الطائرات الفانتوم الأمريكية الصنع التابعة لسلاح الجو الصهيوني التي قامت بقصف المفاعل عبر الأجواء الأردنية، ونجحت في الإفلات من وسائل الدفاع الجوي العراقية في ذلك الوقت، بينما لم تنتبه لها أصلاً الدفاعات الأردنية، أو تجاهلتها.
وبين الحين والآخر تخترق الطائرات الحربية الصهيونية الأجواء السورية؛ حيث تقوم بعمليات قصف واستطلاع دون مضايقات من البطاريات الأرضية السورية، ومن دون رد فعلٍ سياسيٍّ، ومن بين هذه العمليات تحليق الطائرات الصهيونية فوق قصر الرئاسة السوري في مدينة اللاذقية الساحلية خلال وجود الرئيس بشار الأسد فيه، بينما قامت في سبتمبر 2007م بتدمير موقع "الكبار" العسكري، الذي زعمت واشنطن وتل أبيب أنه كان عبارة عن مشروع مفاعل نووي سوري، كما أنَّه من الممكن أن يقوم الكيان الصهيوني بإطلاق هذه الطائرة من قواعد بحرية متحركة في المياه الدولية القريبة من إيران.
وكانت حربا العراق وأفغانستان قد عملتا على زيادة الطلب على الطائرات دون طيار، أو ما يُعرف في المصطلح العسكري بالمركبات الجوية غير المأهولة؛ حيث أشارت تقارير إعلامية في مايو الماضي إلى أن الجيش الأمريكي ضاعف ترسانته من أسراب تلك الطائرات، التي يقوم بتشغيلها طيارون من داخل الولايات المتحدة، أو من قواعد عسكرية قريبة من المناطق المستهدفة.
وفي ذلك الحين دفع تصاعد الطلب بوزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس إلى تشكيل لجنة مهام لتسريع تسليم تلك الطائرات إلى قوات بلاده في العراق وأفغانستان، وقال جيتس: إن البنتاجون يمتلك خمسة آلاف طائرة من دون طيار في الخدمة حاليًّا؛ أي نحو 25 ضعفَ أعدادها قبيل هجمات سبتمبر 2001.
وكانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية صاحبة السبق في استخدام نوعية من تلك الطائرات، التي تعد واحدةً من أصغر أسلحة البنتاجون وأكثرها فتكًا في ذات الوقت في مطلع التسعينيات، خلال فترة تولي وزير الدفاع الحالي روبرت جيتس لمنصب مدير الوكالة.
ودعم من أهمية هذه الطائرات إضافة صواريخ "هيل فاير" أو "نيران الجحيم" إلى الطائرات من دون طيار من طراز "بريديتور" أو "المفترس" في أعقاب هجمات 11 سبتمبر؛ حيث أتاح لها ذلك القيام بمهام جديدة على نوعيتها.
وأثارت سلسلة هجمات قامت بها القوات الأمريكية بهذه الطائرات على إقليم وزيرستان الباكستاني- انطلاقًا من قواعد جوية في أفغانستان وباكستان ذاتها- غضبًا شعبيًّا ورسميًّا باكستانيًّا ضد واشنطن؛ باعتبار أن ذلك بمثابة خرق للسيادة الباكستانية، بجانب سقوط عدد غير معروف من المدنيين قتلى نتيجة هذه الهجمات.
