في موقف عدَّه الكثيرون قرارًا حكيمًا وشجاعًا؛ منعت الحكومة البريطانية النائب الهولندي خيرت فيلدرز من دخول أراضيها، متعلِّلةً بما يواجهه فيلدرز من انتقادات موسعة بعد إنتاج فيلمه "فتنة"؛ الذي حاول الإساءة للدين الإسلامي والتعرُّض للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

 

وكان صهاينة بريطانيون قد دعوا اليميني المتطرف فيلدرز لعرض فيلمه "فتنة" داخل مجلس اللوردات في حضور البارونة كارولين كوكس واللورد مالكولم ببرسون عضوي مجلس اللوردات، المعروفَين بعدائهما الشديد والمعلَن للإسلام وولائهما المطلَق للكيان الصهيوني، وذلك بغرض إطلاق الفتنة في المجتمع البريطاني وبثِّ الكراهية للإسلام، إلا أن وزارة الداخلية البريطانية أرسلت خطابًا رسميًّا إلى فيلدرز عن طريق السفارة البريطانية في أمستردام لتبلغه أن فيلمه وآراءه عن الإسلام تهدِّد الانسجام والسلم الاجتماعي والنظام العام، وأن حضوره يمثِّل تهديدًا مؤكدًا لواحدة من المصالح الأساسية للمجتمع.

 

ورغم ذلك سافر فيلدرز إلى بريطانيا يوم الخميس 12 من فبراير الماضي، فمنعته الحكومة البريطانية من دخول أراضيها، وأوقفته السلطات في مطار هيثرو قبل ترحيله إلى بلاده، ووصف- وهو يهمُّ بمغادرة المطار- رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون قائلاً: إنه أكبر جبان في أوروبا، وكان رفض دخوله مثار جدل وسائل الإعلام؛ مما أعطاه دعايةً موسعةً ربما كان يخطط لها!.

 

فتش عن الصهاينة

الدعوة كان وراءها اللورد مالكولم بيرسون؛ الذي تم تكريمه من قبل المجلس الصهيوني المعروف بقمة القدس jersualem summit؛ الذي يرى أن الشعب اليهودي هو أكثر الأجناس ثقافةً وحضارةً على ظهر هذه الأرض.

 

أما البارونة كارولين كوكس فهي رئيسة مشتركة للمنظمة الصهيونية (قمة القدس) وإحدى مؤسسي منظمة "قدس واحدة" التي تدعو إلى بناء القدس مدينةً موحدةً عاصمةً للكيان الصهيوني وعدم قيام أي دولة فلسطينية، وتؤمن بالتطهير العرقي للعرب جميعًا من كل الأراضي التي احتلها الصهاينة.

 

وقد ألفت مع جون ماركس كتاب (الغرب والإسلام والأسلمة.. هل يتفق الإسلام الأيديولوجي مع الديمقراطية الليبرالية؟)، الذي وضعت على غلافه صورة حافلات لندن المدمَّرة في أحداث السابع من يوليو عام 2005م ويحوي كثيرًا من المغالطات.

 

كما يضم مقارنات بين الإسلام والغرب للزعم بأن الإسلام يلغي التفكير والنقد والبحث، وأن الشريعة والجهاد في الإسلام معضلتان، وأنهما ضد إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وأن الشريعة ليس فيها مساواة بين المسلمين وغيرهم أو بين الرجل والمرأة، وأن الجهاد يعني السعي دون كلل لإدخال غير المسلمين إلى الإسلام أو إخضاعهم له، وأنه إذا اختار المسلمون العيش في المجتمعات الديمقراطية الليبرالية الغربية فيجب عليهم قبول قيم الديمقراطية الليبرالية مثلما فعل اليهود والسيخ والهندوس وغيرهم لسنوات عديدة.

 

وبعد أن طُرِدَ المغرور فيلدرز مذمومًا مدحورًا أصدر الصهيونيان كوكس وبيرسون بيانًا جاء فيه: "إن الفيلم المتاح على شبكة الإنترنت لا يشكِّل تهديدًا لأحد.. إنه فقط يقترح كيف أن القرآن قد استُخدم من قبل الإسلاميين المتشدِّدين لتشجيع وتبرير العنف"، وأدانا انفعالات المسلمين وتحركاتهم لمنع الفيلم والتي نجحت في إحباط عرضه.

 

رد فعل

 الصورة غير متاحة

 وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند

وفي ردِّه قال وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند لهيئة الإذاعة البريطانية: إن فيلدرز مذنب بالكراهية المتطرفة ضد المسلمين، موضحًا أن بلاده تؤيد حرية التعبير ولكنها تعارض أي استغلال لهذه الحرية في إثارة الكراهية العنصرية والدينية.

 

ووصف المتحدث باسم مجلس مسلمي بريطانيا خيرت فيلدرز بأنه داعية الكراهية والفتنة، وقال: "ليست لدينا مشكلة مع هذا التحدي من الانتقادات لإيماننا، ولكن الفيلم لا يعدو كونه محاولةً رخيصةً ومبتذلةً لإثارة الهستيريا ضد المسلمين".

 

أما محمد شفيق مدير مؤسسة رمضان الخيرية الإسلامية الداعمة للحوار بين الأديان فقد أثنى على الحكومة لترحيلها النائب الهولندي، وقال: "إن فيلم فيلدرز ما هو إلا تشويه لصورة الإسلام وهجوم على المسلمين"، وأضاف: "هذا الهولندي يعدُّ هتلر العصر الحديث وحقده على الإسلام يقوم على الخيال؛ ما يجعل وجوده في المملكة المتحدة سببًا لتوترات طائفية، ما يدعم قرار منعه من دخول البلاد".

 

وقال وزير عمالي: إن الحكومة تحاول منع الشخصيات التي قد تسبِّب توترات اجتماعية، فقد منعت بريطانيا 270 شخصية من دخول أراضيها منذ عام 2005م.

 

واستندت الحكومة البريطانية في قرارها ضد فيلدرز إلى قانون أوروبي يسمح لأي دولة أوروبية أن تمنع مواطن دولة أخرى عضو في الاتحاد الأوروبي إذا رأت هذا الشخص يشكِّل تهديدًا للسياسة العامة أو الأمن أو الصحة.

 

ومن جانبها قالت وزارة الداخلية: سنمنع أولئك الذين يريدون نشر رسائل التطرف والكراهية والعنف في مجتمعاتنا من القدوم إلى بلدنا.

 

وأكد المتحدث باسم الحزب الليبرالي الديمقراطي ضرورة طرد أدعياء الفتنة، مثل فيلدرز الذي تجاوز الخط الواجب الدفاع عنه في مجتمع متحضر، بغض الطرف عن ادعاءات حرية التعبير.

 

مسألة وقت!

وفي مساء اليوم الذي طُرِدَ فيه فيلدرز أذيع على تليفزيون (bbc) برنامج الحوار "مسألة وقت" question time الذي يحضره ساسة وكتَّاب، وانقسم هؤلاء والجمهور إلى فريقين؛ فريق يوافق الحكومة على ما فعلت، وفريق لا يوافق بحجة الدفاع عن حرية الرأي أين كانوا؛ حيث منع العلامة د. يوسف القرضاوي من دخول البلاد العام الماضي؟!

 

فيما قدم كثيرون الشكر للحكومة البريطانية لموقفها الصلب من هذا الهولندي، وقد منعته بذلك من الوجود في مبنى مجلس اللوردات وإعطائه التكريم السياسي الذي لا يستحقه؛ لما له من مواقف معادية للإسلام والمسلمين بما يتنافى مع أي آداب للحوار.

 

يُذكر أنه تم بث فيلم فتنة في العاصمة الهولندية أمستردام- رغم تحذيرات الحكومة الهولندية- وقد صاحبه بيانات شديدة اللهجة من الاتحاد الأوروبي ومنظمة المؤتمر الإسلامي والأمين العام للأمم المتحدة لإدانة العمل؛ لكونه مثيرًا للكراهية وأحد أشكال التمييز ضد المسلمين.

 

وفي 21 يناير الماضي أمرت إحدى المحاكم الهولندية بملاحقة خيرت فيلدرز قضائيًّا بتهمة التحريض على الكراهية على خلفية فيلمه وتصريحاته المعادية للمسلمين، وقالت المحكمة: إن نشر الكراهية في نظام ديمقراطي أمرٌ خطيرٌ إلى درجة تجعل من الضروري وضع حدود واضحة من أجل المصلحة العامة.

---------

* بالاتفاق مع (المجتمع).