أكدت وسائل الإعلام الصهيونية والعربية في الساعات القليلة الماضية اتجاه وزارة الإسكان الصهيونية إلى بناء 73 ألف وحدة سكنية جديدة بالضفة الغربية توطئةً لمضاعفة عدد قطعان المغتصبين اليهود هناك والبالغين حاليًّا نحو 280 ألفًا.

 

هذه الأنباء تزامنت مع قيام السلطات المحلية الصهيونية بإزالة منزلين يملكهما مواطنان فلسطينيان بمدينة القدس المحتلة، في بدايةٍ لتنفيذ خطة إزالة 88 منزلاً فلسطينيًّا في حي سلوان جنوب المسجد الأقصى؛ ما يعني تشريد حوالي 1500 فلسطيني، في أكبر عمليةٍ من نوعها منذ احتلال القدس أوائل يونيو عام 1967م.

 

ولا يشكِّل موضوع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة نقطةَ خلافٍ بين القوى والتيارات السياسية الصهيونية، سواءٌ أكانت ذات توجهٍ يمينيٍّ أو يساريٍّ، فكل الأطراف في الكيان متفقة على إتمام المشروع الصهيوني في فلسطين؛ بما يعني ذلك السيطرة على فلسطين بأكملها، ويعدُّ الاستيطان وتغيير التوازن الديموغرافي فيها لإقامة دولة ذات غالبية يهودية أبرزَ الأدوات المستخدمة لتحقيق هذا الهدف.

 

ومنذ بداية المشروع الاستيطاني العنصري الصهيوني في فلسطين فعليًّا عام 1885م، فإنَّ فكرة السيطرة على الأرض وإحلال شُذَّاذ الآفاق من يهود العالم محلَّ أصحاب الأرض الأصليين كانت هي الهاجس الدائم لقيادات المشروع الصهيوني، وعندما أعلن عن قيام ما يسمَّى "دولة إسرائيل" عام 1948م كانت الصهيونية بالتحالف مع قوى الاستعمار العالمي قد نجحت في السيطرة على 20 ألف كيلو متر مربع من فلسطين التاريخية؛ بما نسبته 75% من مساحة فلسطين، وتم إحلال حوالي مليون مهاجر صهيوني محلَّ مليون عربي من أهل فلسطين، بينما تمَّ محو هوية آلاف البلدات والقرى العربية لهذا الغرض، وهو مستمر إلى الآن في حي سلوان وحي الشيخ جراح في القدس وفي الخليل، وفي مختلف أنحاء الضفة الغربية.

 

أوهام أوسلو

تأتي الخطط الصهيونية الجديدة لمضاعفة عدد سكان المغتصبات اليهودية في الضفة الغربية لتضيف المزيد من الحقائق المرعبة عن واقع الاستيطان على الأرض؛ حيث يعيش بالفعل 280 ألفًا في 121 مغتصبة بالضفة الغربية، من بينهم 200 ألف يعيشون في القدس الشرقية وحدها.

 

وكما هي العادة فإن إعلان إذاعة الجيش الصهيوني عن خطط وزارة الإسكان هذه أتى قبيل زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون الأولى إلى الشرق الأوسط، وحديثها عن التسوية بين العرب والفلسطينيين من جهة، والكيان الصهيوني من جهةٍ أخرى، في تكرارٍ لذات السيناريو الممجوج الذي دأب عليه الطرفان الأمريكي والصهيوني منذ عقد التسعينيات الماضية، بعد تفاعل ما يُعرف بعملية أوسلو.

 

وبحسب تقارير منظمة "السلام الآن" الصهيونية فإنَّ خطط بناء الوحدات السكنية الجديدة في مغتصبات الضفة من شأنه أنْ يعيق إنشاء الدولة الفلسطينية الموهومة من جانب دعاة خيار أوسلو في الطرف الفلسطيني، وأوضحت المنظمة أنَّه قد تمَّت إجازة بناء ما لا يقل عن 15 ألف وحدة سكنية بالفعل، إضافةً إلى خطط لإنشاء 58 ألف وحدة أخرى في انتظار التصديق عليها.

 

وفيما يلي جدول من معهد الأبحاث التطبيقية بالقدس (أريج) لتوضيح العطاءات الصادرة من جانب وزارة الإسكان الصهيونية لبناء المزيد من المغتصبات والوحدات السكنية في القدس الشرقية في العامَيْن 2007م، و2008م:

 

وبحسب إحصائية أخرى حديثة أصدرها معهد "أريج" في مطلع العام 2009م فإنَّ المساحة الكلية لمحافظة القدس هي 353.7 كيلو مترًا مربعًا، فيما يبلغ مجموع مساحة المناطق العمرانية الفلسطينية فيها 38.3 كيلو مترًا مربعًا، تستوعب 415 ألفًا و942 فلسطينيًّا.

 

وتبلغ مساحة المناطق المعزولة بفعل جدار الفصل الذي يقيمه الكيان الصهيوني حول وداخل أراضي الضفة الغربية المحتلة حوالي 151.4 كيلو مترًا مربعًا؛ أي ما يناهز نصف مساحة القدس المحتلة عام 1967م، ويبلغ عدد المغتصبات والبؤر الاستيطانية المقامة في القدس حوالي 53، تبلغ مساحتها 40 كيلو مترًا مربعًا، يسكنها 200 ألف مغتصب يهودي؛ أي حوالي نصف كثافة السكان الفلسطينيين.

 

وبحسب الإحصائية فإنَّ مجموع مساحة القواعد العسكرية الصهيونية في القدس تبلغ حوالي 72.24 كيلو مترًا مربعًا، وإجمالي عدد الحواجز العسكرية التي يقيمها الجيش الصهيوني في المدينة المحتلة 46 حاجزًا، ما بين حاجزٍ دائمٍ ومؤقتٍ.

 

للصهاينة فقط

 الصورة غير متاحة

جدار الفصل العنصري

وبجانب بناء المغتصبات وجدار العزل العنصري فإنَّ السلطات الصهيونية تعمد إلى إجراءٍ آخر للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وطردهم من منازلهم، وهو ما يسميه الفلسطينيون بالشوارع "الالتفافية" وما يُطلِق عليها الاحتلال الطرق "البديلة"، وتستهدف السلطات الصهيونية من ورائها تغيير معالم الضفة الغربية بأسرها، وتشكِّل جزءًا من خطة العزل العنصرية التي يسعى الكيان إلى فرضها في الضفة المحتلة.

 

وتنقسم هذه الطرق إلى ثلاثة أقسام:

الأول منها خاضع للاستخدام الصهيوني المطلق، ويُمنَع الفلسطينيون من استخدامها بشكلٍ نهائيٍّ.

والثاني يسمح للفلسطينيين باستخدامها ولكن بقيودٍ إداريَّةٍ، وذلك عن طريق تصريحٍ صادرٍ عن الإدارة المدنية الصهيونية للضفة المحتلة.

أما القسم الثالث فيتمثل في طرقٍ يمكن للفلسطينيين استخدامها دون تصاريح، ولكنها تكون خاضعةً لقيود نقاط تفتيش الحواجز العسكرية على مداخلها من قبل قوات الاحتلال الصهيونية.

 

وبحسب وحدة نظم المعلومات الجغرافية في مركز أبحاث الأراضي- وهو جهة فلسطينية مستقلة تعمل من القدس المحتلة- فإن مجموع طول الطرق الالتفافية القائمة على أراضي الضفة حوالي 880 كيلو مترًا، وبلغ مجموع الأراضي الزراعية الفلسطينية التي صودرت لغرض إقامة هذه الطرق عليها 17 ألفًا و600 كيلو متر مربع؛ بما يوازي 19.4% من مساحة أراضي الضفة الزراعية، بينما بلغت مساحة الأراضي الزراعية الفلسطينية غير القابلة للاستخدام كارتداد خلفيٍّ (أو ظهيرٍ) لهذه الطرق عن كل جانبٍ مليونًا و144 ألف كيلو متر.

 

وكان آخر المشروعات الصهيونية في هذا الأمر مخطط إقامة طريق بديل إلى الجنوب الشرقي من مدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة، لربط مغتصبة جيلو جنوب قرية قريوت بمغتصبة عيلي في الجهة الجنوبية الغربية من القرية.

 

ويقسم الطريق الجديد قرية قريوت، ويمر الشارع الالتفافي الذي بدأ العمل به على أراضي القرية بأرضٍ جبليةٍ تابعة لها تضم ما يقارب 3 آلاف شجرة زيتون مثمرة، وبحسب مركز أبحاث الأراضي فإنَّه في حال إتمام شقِّ الطريق بشكلٍ نهائيٍّ سيتم عزل حوالي 4 آلاف دونم مربع (4 آلاف كيلو متر مربع) من أراضي القرية خلف هذا الطريق.

 

مأساة سلوان

 الصورة غير متاحة

 مقدسي يشير إلى حي سلوان الذي هدم الصهاينة جزءًا كبيرًا منه

وفي مأساةٍ أخرى لأهالي الضفة الغربية والقدس المحتلتَيْن، بدأت بلدية القدس التابعة لسلطات الاحتلال الصهيوني في هدم منازل الفلسطينيين بحي البستان جنوب المسجد الأقصى، بعد أن ألغت اللجنة اللوائية للتنظيم والبناء (وهي جهةٌ صهيونيةٌ) المخطط الذي كان قد قدمه أهالي الحي لإعادة تأهيله وتخطيطه، واعتمدت مخططًا آخر لنفس المنطقة قامت بإعداده بلدية الاحتلال، سيتم بمقتضاه إزالة الجزء الأكبر من حي البستان، وتشريد سكانه البالغ عددهم 1500 مواطن، وتجريف الحي لتحويله إلى حدائق عامة.

 

وتأتي هذه الإجراءات ضمن مخطط واسع يهدف لتهويد محيط المسجد الأقصى، أو ما يعرف "بالحوض المقدس".

 

والمخطط الصهيوني الذي تمَّ الإعلان عنه يشمل 88 مبنى في حي البستان، الذي هو جزء من حي سلوان الواقع شرقي سور البلدة القديمة لمدينة القدس، في منطقة تعرف باسم "حديقة الملك"، وتعرف أيضًا بأهميتها الأثرية والتاريخية.

 

والحديقة التي تنوي بلدية القدس إنشاءها تعد امتدادًا لما يعرف بمدينة داود الأثرية، وهي عبارة عن بعض الآثار التي أعلنت كشفها جمعية "إلعاد" الصهيونية الخاصة، والتي عملت خلال السنوات الماضية على طلب مصادرة والاستيلاء على العديد من الأراضي الفلسطينية، وتحويلها لبؤرٍ استيطانيةٍ بحجة التنقيب عن الآثار فيها.

 

ويبعد الحي عن السور الجنوبي للمسجد الأقصى ما بين 300 إلى 400 متر فقط، ويمتد على مساحة 57 دونمًا (57 ألف متر مربع)، وهو الحاضن الجنوبي للأقصى والبلدة القديمة من مدينة القدس، ويعتبر من الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، وبهدمه يتمكن الاحتلال الصهيوني من فصل الأحياء الفلسطينية ذات الكثافة السكانية عن البلدة القديمة للمدينة.

 

وبحسب المحامي أحمد رويضي رئيس وحدة القدس في الرئاسة الفلسطينية، فإنَّ الكيان الصهيوني عازمٌ على تفريغ مدينة القدس من سكانها العرب، من خلال مجموعةٍ جديدةٍ من خطط بناء مغتصباتٍ جديدة لتطبيق ما ورد في مخطط "إسرائيل- 2020م" الذي يهدف ضمن ما يهدف إليه فيما يخص موضوع القدس لاستقطاب مليون يهودي للعيش في المدينة المقدسة.

 

ومنذ انتهاء الحرب على غزة في 18 يناير الماضي، تم هدم 16 منزلاً فلسطينيًّا في القدس، لتضاف إلى ما يزيد على 776 منزلاً فلسطينيًّا تمَّ هدمها خلال السنوات ما بين 2000م و2007م، و71 منزلاً في عام 2008م، بجانب الاستيلاء على العديد من المنازل دون الإعلان عن ذلك.

 

خيار المقاومة

 الصورة غير متاحة
 
وكانت حركة حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى قدا طالبوا السلطة الفلسطينية بالإفراج عن العناصر التي تعتقلها الأجهزة الأمنية التابعة للرئاسة الفلسطينية بالضفة الغربية للقيام بدورها في مواجهة قطعان المغتصبين الصهاينة، وإحالة أيام سكان المغتصبات الصهيونية إلى جحيمٍ كما تمَّ في غزة، إلا أنَّ الرئاسة الفلسطينية لم تستجب لطلبهم.

 

والآن ومع فشل مختلف الجهود السياسية الفلسطينية والإقليمية والدولية في وقف سرطان الاستيطان في الضفة الغربية والقدس المحتلة، فإنَّ الخيار الوحيد الباقي أمام الفلسطينيين هو تكرار سيناريو غزة، والعمد إلى استخدام أساليب القوة المسلحة لقضِّ مضاجع سكان المغتصبات الصهيونية.

 

ومع بدء الفلسطينيين بالفعل في سلسلةٍ من الإضرابات والاحتجاجات الشعبية إزاء ما يجري في الضفة الغربية وفي القدس، باتت مهمة المقاومة أكثر إلحاحًا، في ظل العقبات التي تعترض أي تحركٍ عربيٍّ أو إسلاميٍّ فعالٍ للتصدي لهذه المخاطر، مع تعقد الظرف الإقليمي والدولي، وتضاؤل الأمل في أنْ تتبنى الأنظمة الحاكمة بالعالم العربي والإسلامي أيِّ إجراءٍ لمواجهة هذه الخطط والإجراءات التنفيذية الصهيونية في القدس والضفة.