"واشنطن على موقفها الداعم لأمن إسرائيل الآن وفي المستقبل"، "قيام دولة فلسطينية في صالح إسرائيل ولن يتحقق السلام إلا إذا توقفت حماس عن إطلاق الصواريخ"، "إيران تمثل خطرًا مشتركًا للولايات المتحدة وإسرائيل".. بهذه التصريحات من القدس المحتلة استهلَّت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية عهدها في الشرق الأوسط، تحت إدارة الرئيس الجديد باراك أوباما.

 

وكانت كلينتون قد وصلت إلى الكيان الصهيوني في إطار جولتها الأوسطية الأولى بعد مشاركتها في مؤتمر إعادة إعمار غزة؛ الذي عُقِدَ في منتجع شرم الشيخ المصري، وأوفدت في الوقت نفسه اثنين من أعضاء الوفد المرافق لها إلى العاصمة السورية دمشق؛ في بادرةٍ هي الأولى من نوعها منذ سنواتٍ؛ حيث كانت الوفود الأمريكية المتجهة إلى سوريا تقتصر على برلمانيين يعلنون أنَّ زيارتهم بصفتهم الشخصية.

 

وأعلنت كلينتون في مؤتمر صحفيٍّ مشتركٍ مع نظيرتها في الحكومة الصهيونية المنتهية ولايتها تسيبي ليفني، أن موفديها إلى دمشق مكلَّفون "ببحث بعض القضايا المهمة، ومعالجة القلق الذي تمثله سوريا"، دون المزيد من الإضافات.

 

وقالت كلينتون إنَّه "من الصعب التكهُّن بشكل العلاقة المستقبلية مع سوريا"، مشدِّدةً على ضرورة أنْ تعود هذه الخطوة (إرسال موفدين لدمشق) بـ"فوائدٍ على الولايات المتحدة وحلفائها وقيمهم المشتركة".

 

حماس وإيران

وبجانب ليفني التقت الوزيرة الأمريكية الرئيس الصهيوني شيمون بيريز ورئيس الحكومة الصهيونية المنصرفة إيهود أولمرت، إضافةً إلى زعيم حزب الليكود اليميني بنيامين نتنياهو المكلَّف من قِبَلِ بيريز بتشكيل الحكومة الصهيونية الجديدة.

 

وخلال الزيارة أكدت هيلاري كلينتون أنَّ واشنطن "ما زالت على موقفها الداعم لأمن "إسرائيل" الآن وفي المستقبل"، مضيفةً أن قيام دولة فلسطينية هو في صالح الكيان الصهيوني، وأنَّ حل الدولتَيْن "أمرٌ لا مفرَّ منه"، ولكنها اعتبرت من جانبٍ آخرٍ أنَّ إيران "تمثِّل خطرًا مشتركًا للولايات المتحدة وإسرائيل"، وقالت الوزيرة الأمريكية أيضًا: إنَّ السلام لن يتحقق "إلا إذا توقَّفت حركة حماس عن إطلاق الصواريخ على "إسرائيل" وتهريب الأسلحة" إلى قطاع غزة.

 

أما تسيبي ليفني فقد أكدت أنَّ الكيان الصهيوني والولايات المتحدة "يقومان على أساسٍ من قيمٍ واحدةٍ"، وأنَّ هناك "تفاهمًا بينهما على مواجهة المخاطر المشتركة"، معتبرةً أنَّ إيران تشكِّل "خطرًا عالميًّا".

 

وفي وقت سابق من أمس الثلاثاء شدَّدت كلينتون في مؤتمر صحفي مشترك مع بيريز على أنَّ العلاقات بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني "تتعدى المصالح وتقوم على القيم المشتركة"، كما شدَّدت على ما أسمته بـ"حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها من الصواريخ الفلسطينية".

 

وفي المقابل لم تتطرق كلينتون إلى أيِّ مما يخص العدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة، والذي أدى إلى سقوط 1400 شهيد، و5200 جريح، بالإضافة إلى تدمير البنية التحتية وعشرات الآلاف من منازل الفلسطينيين في القطاع، خلال حربٍ قذرةٍ استمرت 22 يومًا في الفترة ما بين 27 ديسمبر وحتى 18 يناير الماضي.

 

شروط رفع الحصار

 الصورة غير متاحة

شيمون بيريز

 وخلال زيارتها الأولى للكيان الصهيوني والأراضي الفلسطينية المحتلة جدَّدت كلينتون شروط واشنطن لما وصفته بـ"رفع العزلة" عن حركة حماس.

 

وقالت إنَّه "ما من شك بأنه لا يمكن أنْ تقف أي دولة- بما في ذلك "إسرائيل"- مكتوفةَ الأيدي، بينما يتعرَّض مواطنوها للخطر"؛ في إشارةٍ إلى ملف الصواريخ وما تصفه واشنطن بتهريب السلاح إلى قطاع غزة.

 

ومن جانبه أكد بيريز أن الوقت أضحى "ملحًّا" لاتخاذ قرار بشأن غزة وإيران، وقال: "الوضع هنا ليس كما كنا نريد، بل أسوأ مما تتحدث عنه التقارير الصحفية"، وأشار إلى أنه فور الانتهاء من تشكيل الحكومة الصهيونية الجديدة "ستكون هناك حاجة إلى أخذ قرارٍ يحدِّد الخطوة التالية في غزة ضد حماس" في تلميحٍ إلى إمكان أنَّ تشن القوات الصهيونية عدوانًا جديدًا على قطاع غزة.

 الصورة غير متاحة

بنيامين نتنياهو

 

وفي لقائه مع وزيرة الخارجية الأمريكية قال زعيم حزب الليكود المكلَّف بتشكيل الحكومة الصهيونية الجديدة بنيامين نتنياهو: إنَّه اتفق معها على اللقاء بعد تشكيل الحكومة.

 

ووجَّه نتنياهو- الذي يعارض بشدة إقامة دولة فلسطينية وينتقد مفاوضات السلام السابقة بين الكيان والسلطة الفلسطينية- كلامَه إلى كلينتون قائلاً: إنَّ الطرفين- الأمريكي والصهيوني- "يجب أنْ يجدا لغةً مشتركةً"، وردَّت الوزيرة الأمريكية بالقول: إنها تتطلع إلى العمل في المستقبل مع الحكومة المراد تشكيلها، مضيفة أنَّه "يتوجب تبادل الآراء من وقت إلى آخر".

 

إلى ذلك فإنَّه من المخطط أنْ تلتقي كلينتون اليوم الأربعاء في رام الله رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس ورئيس حكومة تسيير الأعمال الفلسطينية سلام فياض.

 

لا جديد

وفي تصريحٍ خاصٍّ لـ(إخوان أون لاين) قال دبلوماسي مصري- رفض ذكر اسمه- إنَّ المتابع لمواقف وتصريحات فريق الأمن القومي والسياسة الخارجية في إدارة الرئيس الأمريكي الجمهوري السابق جورج بوش الابن لن يجد اختلافًا كبيرًا فيما بين الأطروحات التي كانت تقدمها رموز هذه الإدارة مع المواقف التي طرحتها الوزيرة الأمريكية الجديدة في القدس.

 

وأضاف الدبلوماسي- الذي شغل منصبًا مهمًّا بالخارجية قبل سنواتٍ، وكان على اطلاعٍ على ملف المفاوضات الفلسطينية الصهيونية-: "مثلما هي العادة عندما يصل إلى الحكم رئيس أمريكي جديد أو رئيس وزراء صهيوني جديد، يثور السؤال: ما نوعية العلاقة التي ستنشأ بين الطرفين؟! وهو السؤال الذي يظهر بين ثنايا بعض التحليلات السياسية العربية، ويعبر عن الكثير من السذاجة الفكرية التي لا تزال تسيطر على تفكير كتبة هذه التحليلات".

 

واستطرد قائلاً: "إن هؤلاء يتناسون أنَّ العلاقة بين الأمريكيين والصهاينة علاقة تاريخية وجودية، أي أنَّ وجود كل منهما ضروري لوجود الطرف الآخر، ولضمان مصالحه، وبالتالي، فإن علاقة من هذا النوع لا تتأثر بالأشخاص وإنما هي تستند إلى سياسات ثابتة وصلت إلى حد أنها أصبحت من العوامل التي تقوم عليها الممارسة السياسية سواء في الكيان الصهيوني أو في الولايات المتحدة".

 

وفي تحليله لموقف كلينتون قال: "إن وجود السيدة الأمريكية الأولى سابقًا هيلاري كلينتون على رأس الخارجية الأمريكية لا يبشر بأيِّ تغيير أمريكيٍّ طيب تجاه القضية الفلسطينية أو الصراع العربي الصهيوني ككلٍّ، على مواقفها السابقة خلال حملتها الانتخابية".

 

وأشار إلى ما كتبه قبل فترةٍ الصحفي والمحلل البريطاني روبرت فيسك في جريدة (إندبندنت) البريطانية من أنَّ كلينتون ستحاول تسويق نفسها كمرشحة الديمقراطيين في السباق الرئاسي القادم، بعدما فشلت في السباق الأخير داخل الحزب أمام الرئيس أوباما، وستسعى في طريقها لتحقيق ذلك بأن تنال تأييد الصهاينة واللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة، وهو ما يعني المزيد من التشدد لصالح الكيان الصهيوني في السياسة الخارجية الأمريكية.

 الصورة غير متاحة

أمريكا تقدم دعمًا غير محدود للكيان الصهيوني

 

وأضاف أنَّ كل ما سبق يشير إلى أنَّ العلاقة الأمريكية الصهيونية لن تتأثر على الإطلاق بوجود إدارة ديمقراطية في الولايات المتحدة وأخرى يمينية في الكيان الصهيوني، فلم يحدث أن فاز رئيس أمريكي في التاريخ القريب دون أن يحظى بتأييد اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة.

 

وختم الدبلوماسي السابق تصريحاته بالقول إنَّ هناك شواهد على إمكانية تزايد التحالف بين الطرفين، ومن بين هذه الشواهد وجود هيلاري كلينتون الراغبة في الوصول إلى مقعد الرئاسة الأمريكية، والتي تعرف عن يقين أنَّ الطريق يمر باللوبي الصهيوني، إلى جانب ما قد يكون من رغبة أوباما في تخطي أية توقعات تقول إنه قد لا يتعاون بالشكل الكافي مع نتنياهو بسبب توجهاته اليمينية أو وجود أفيجدور ليبرمان زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" داخل الحكومة الصهيونية بتوجهاته المتطرفة للغاية.

 

الأمر الذي يدفعه إلى المزايدة على ما كان يقوم به الرئيس السابق بوش الابن والذي زود الصهاينة بأسلحة جديدة أثناء الحرب الدموية على قطاع غزة، والتي انتهت رغم ذلك بانتصار المقاومة، بحسب قوله.