قد يتفق كثيرون أو يختلفون مع نظام الرئيس السوداني عمر البشير لا سيما بخصوص تعاطيه مع أزمة إقليم دارفور، إلا أن السنوات الأربعة الماضية لا تدع مجالاً للتشكيك في الجهود التي بذلتها الحكومة السودانية لمعالجة الأزمة أو للتعاون مع القوى الدولية في سبيل إنهائها.
ففي عام 2004م شكَّل البشير لجنة وطنية لتقصي الحقائق في الإقليم؛ وذلك برئاسة مولانا دفع الله الحاج يوسف رئيس القضاء الأسبق، وعدد من كبار القانونيين في السودان، وباشرت اللجنة مهامها بموجب قانون لجان التحقيق السوداني لسنة 1954م.
تقرير وطني
ورفعت اللجنة تقريرها بعد الفراغ من تحقيقاتها؛ حيث توصلت إلى أن هناك انتهاكات للقانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان، وأوصت بتشكيل لجنة قضائية للتحقيق في الأحداث الكبيرة ذات الصلة التي حددتها، وعلى من تقع المسئولية عن بعض الأفعال التي ارتكبت في أماكن محددة من ولايات دارفور.
واستجابةً لتلك التوصيات شكَّل وزير العدل لجنة تحقيق قضائي برئاسة قاض من المحكمة العليا، وعدد من كبار المستشارين القانونيين، وباشرت اللجنة أعمالها وتحقيقاتها وبدأت زيارة المناطق التي يُدَّعى وقوع الأحداث فيها واستمعت للعديد من شهود الاتهام، وأصدرت أوامر بالقبض علي المشتبه بهم.
وأنجزت اللجنة وقطعت شوطًا بعيدًا في تحقيقاتها في قضيتي دلييج وشطايا بولاية غرب دارفور، وقامت بإحالة عدد من البلاغات إلى المحكمة من بينها التُّهم المنسوبة للمدعو علي كوشيب؛ وذلك بعد توجيه اتهام للمتهمين بالمسئولية عن اختفاء وقتل بعض المواطنين وحرق القرى، وقد باشرت المحكمة إجراءاتها، كما لا تزال لجنة التحقيق القضائي توالي تحرياتها فيما يتعلق ببقية البلاغات.
في ذات الوقت لم تتوقف التحريات في بعض الأحداث الفردية التي ارتكبت في ولايات دارفور، وتم تقديم مرتكبيها للمحاكمة وأدينوا وصدرت أحكام على بعض منهم بالإعدام، ومن بينهم بعض منسوبي القوات المسلحة السودانية.
بهذه الإجراءات يكون السودان قد استوفى متطلبات مبدأ التكامل بين المحكمة الجنائية الدولية والقضاء الوطني إعمالاً لأحكام المادة (1) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والمادة (17/أ) من ذات النظام، فضلاً عن الفقرة العاشرة من ديباجته.
تنسيق دولي
كما تعاونت الحكومة السودانية مع مكتب المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية؛ فوفرت الجهات السودانية المختصة لمكتب المدعي بالمحكمة الجنائية الدولية كل المعلومات المتعلقة بالنظام العدلي السوداني، والإجراءات التي اتخذتها الأجهزة العدلية فيما يتعلق بالاتهامات المثارة حول الأحداث في دارفور.
ونتيجة لتوفير هذه المعلومات والبيانات أقر المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية في تقريره لمجلس الأمن في يونيو من العام 2006م بأن قدرة ونزاهة النظام القضائي السوداني ليست محل شك.
حقيقة هذه العبارة في تقرير المدعي العام المشار إليه تنسف الأساس الذي قامت عليه دعوى وأسباب الإحالة من مجلس الأمن إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ وهو الخلاصة التي توصلت إليها لجنة التحقيق الدولية برئاسة الإيطالي أنطوني كاسيسي.
في إطار التعاون القائم بين السودان والمحكمة الجنائية الدولية سهَّل السودان عدة زيارات لفريق من المختصين من مكتب المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية إلى البلاد، وكان الغرض من هذه الزيارات هو إتاحة الفرصة لمكتب المدعي للتعرف علي النظام العدلي في السودان، ولتقييم إجراءات التحقيق الوطنية فيما يتعلق بالانتهاكات الخطيرة المدًّعى وقوعها في دارفور.
وكانت آخر زيارة لوفد مكتب المدعي في شهر فبراير 2007م قابل خلالها لجنة التحقيق القضائية السودانية وعددًا من المسئولين، وطلب أن يقابل المتهم علي كوشيب تحت المواد 55 من النظام الأساسي والمواد 111 و112 من قواعد الإجراءات والإثبات الخاصة بالمحكمة، ولم يستجاب لطلبه نظرًا لأن ذلك يعد تحقيقًا ولا يجوز قانونًا إجراء تحقيقين في وقت واحد بواسطة جهتين مختلفتين مع نفس الشخص وحول نفس القواعد.
وبناءً على ذلك التطور في منهج مكتب المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية أخطرت وزارة الخارجية مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كتابةً في شهر فبراير 2007م بأن الجهات العدلية في السودان قد باشرت التحقيق والمحاكمة في الجرائم المدًّعى وقوعها في دارفور، وأن هذا الإجراء يعتبر مانعًا للمحكمة الجنائية الدولية من ممارسة أي اختصاص بشأن الوضع في دارفور.
في 27 فبراير 2007م أحال المدعي العام قضيته الأولى إلى الدائرة التمهيدية بالمحكمة الجنائية الدولية وفاءً بالتزامه أمام مجلس الأمن في ديسمبر 2006م؛ وذلك وفق إستراتيجية مكتب المدعي العام التي تقوم على تناول أحداث دارفور كلٍّ على حدة، ولهذا فإن القضية التي أعلن عنها الآن هي القضية الأولى في سلسلة قضايا سيعلن عنها تباعًا.
وكان إحالة المدعي العام لقضيته الأولى يعني- وحسب التحريات التي قام بها- أن البينات المبدئية التي توفرت له تجعل من القضية المحالة مقبولة بواسطة المحكمة.
ويدفع المدعي العام في الطلب الذي رفعه إلى الدائرة التمهيدية بالمحكمة أن القضية الحالية التي يُتهم فيها وزير الدولة أحمد هارون وعلي أحمد علي عبد الرحمن المعروف بعلي كوشيب تتمتع بالمقبولية (Admissibility)؛ لأنها- حسب ما خلص إليه- ليست محل تحقيق أو محاكمة من السلطات السودانية، وأن مبدأ التكاملية لا ينطبق عليها.
أوكامبو يعترف
مورينو أوكامبو

والمدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية يعلم يقينًا أن لجنة التحقيق القضائي السوداني قد بدأت التحقيق في قضايا منطقة دلييج وشطايا، واعتقلت المدعو علي كوشيب منذ نوفمبر 2006م، كما أن حجته بأن القضية التي تحقق فيها لجنة التحقيق القضائي السودانية ليست هي نفس الوقائع التي أحالها إلى الدائرة التمهيدية بالمحكمة هي حجة مردودة؛ لأن التحقيق مع المذكور لم ينته بعد، وأنه وفق قانون الإجراءات الجنائية السوداني يحق للمحكمة تعديل التهمة أو إضافة أية تهمة جديدة وفق ما يكشف عنه سير المحاكمة.
ولهذا فمن الواضح أن هناك تحاملاً ظاهرًا واستباقًا مقصودًا لخدمة أهداف سياسية؛ استجابةً للضغوط التي يتعرض لها المدعي العام نفسه.
صحيح أن السلطات السودانية ليس لديها ما يدفعها للاعتقاد أن وزير الدولة قد ارتكب جرائم، وكان هناك حرب في دارفور، فليس هناك ما يؤكد تقاعسها عن القيام بذلك فيما لو توفرت أسباب أو بلاغات أو بينات مبدئية مقنعة، ولعل في التحري الذي قامت به وزارة العدل مع وزير الدولة المذكور ما يؤكد صدق ذلك؛ خاصةً وأنه تم قبل إعلان المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية لقضيته الأولى، ولذلك فإن التحقيق القضائي مع وزير الدولة ممكن الحدوث فيما لو تقدمت أية جهة ببلاغ جنائي.
وباعتراف المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية في التقارير التي قدمها أمام مجلس الأمن أو خرج بها على المنابر الإعلامية أكد أنه حقق في الوضع في دارفور دون أن يذهب إلى دارفور؛ وبالتالي يرجح أن تكون البينات التي جمعها واستند عليها في طلبه إلى الدائرة التمهيدية بالمحكمة بينات سماعية، متأثرةً إلى حد كبير بالدعاوى السياسية السماعية عن الأوضاع في دارفور.
وظلت الحكومة السودانية تتعاون مع المجتمع الدولي خاصة الأمم المتحدة، بل ووقعت معها عددًا من المذكرات في المجال الإنساني، وقبلت الحكومة بدخول قوات الاتحاد الإفريقي لدارفور، وقبلت كذلك القوة المشتركة "يونميد"، ووفرت له كل ما هو ممكن لتسهيل مهمتها، كذلك قامت الحكومة مؤخرًا بإطلاق مبادرة أهل السودان لحل مشكلة دارفور داخليًّا وتبنت كافة توصيات المبادرة في كافة جوانبها السياسية والقانونية والتنموية.