أصدرت المحكمة الجنائية الدولية قبل نحو أسبوع مذكرتها الخاصة باعتقال الرئيس السوداني عمر البشير على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حربٍ وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور، ولعل الحماسة التي أبدتها المحكمة في هذا الشأن تثير العديد من التساؤلات في شأن الأسباب التي تقف خلف هذه الحماسة غير المبررة في حقيقة الأمر.

 

فأزمة دارفور صار لها ما يقرب من ست سنواتٍ متفاعلةٍ، وتحديدًا منذ القصف الذي وقع على مطار الفاشر، عاصمة الإقليم، في 25 أبريل من العام 2003م، عندما قامت ثلاث وثلاثون سيارة من طراز "لاند كروزر" حاملةً العشرات من الملثمين من عناصر حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، إلى المطار للهجوم عليه انتقامًا لمقتل الشيخ صالح داكورو، أكبر شيوخ قبائل المساليت، إحدى أكبر قبائل دارفور الأفريقية، والذي تتهم جماعات دارفور المتمردة ميليشيات الجنجويد بتصفيته لحساب الخرطوم.

 

هذه المعركة التي استمرت سبع ساعات، وتم خلالها تدمير سبع طائرات من طراز الـ"أنتنوف" الروسية الصنع، وقتل ما لا يقل عن 75 جنديًّا وطيارًا وفنيًّا من القوات الحكومية السودانية، وأسر 32 آخرين بمن فيهم قائد القيادة الجوية في المنطقة، اللواء إبراهيم بشري إسماعيل، كانت هي الفتيل الحقيقي الذي فجر أزمة دارفور، وجعلت الإقليم محط أنظار العالم.

 

ولكن اللافت أنَّ ملف أزمة الإقليم كان متفاعلاً بينما كان الغرب يرعى حوارًا دبلوماسيًّا جادًا بين الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة العقيد جون قرنق في ذلك الحين، وكانت الاتفاقيات التي وقعها الطرفان في ماشاكوس ونيفاشا بكينيا تشير إلى أنَّ الغرب باتت له خطط أخرى تتطلب وجود لون من ألوان الاستقرار في السودان.

 

وحتى عندما تمَّ التوقيع على اتفاق نيفاشا لسلام الجنوب السوداني، في التاسع من يناير من العام 2005م، كانت الأزمة في دارفور متفاعلة، من دون وجود موقفٍ حقيقيٍّ من جانب الغرب يشير إلى أنَّه مهتمٌّ بما يجري في الإقليم المشتعل غربي السودان، وكان كل همه هو ترتيب الأوضاع نحو تسوية نهائية للأزمة في جنوب السودان.

 

لذلك كان الأمر ملحوظًا بالنسبة للمراقبين أنْ يتم البدء في تداول ملف أزمة دارفور بعد التوقيع على اتفاق سلام الجنوب مباشرة، كما تطور الموقف الدولي في شأن دارفور في الانزلاق سريعًا نحو المواجهة مع الخرطوم، وبدا حقيقةً وجود لون من ألوان التعنت الأمريكي والغربي إزاء ملف الأزمة في الإقليم؛ حيث لم تشفع مختلف الإجراءات التي تبناها الرئيس السوداني في شأن محاولة علاج الأزمة في زحزحة الموقف الغربي إزاء السودان.

 

وحتى بعد التوقيع على اتفاق أبوجا مع جناح الزغاوة بقيادة ميني أركوي ميناوي في حركة تحرير السودان، في نيجيريا في مايو 2006م، ثم إقدام البشير على محاكمة عدد من مسئولي العمليات الإنسانية السودانيين في الإقليم، وبعض قادة ميليشيات الجنجويد بتهمٍ تتعلق بارتكاب انتهاكات في إقليم دارفور، وبدء عملية تنمية محدودة في الإقليم، لم يبدُ الغرب راغبًا في أنْ يتقبل نظام البشير عضوًا طبيعيًّا في الأسرة الدولية مجددًا بعد تحقيق السلام في الجنوب السوداني.

 

وراح الغرب يصدر القرار تلو القرار في مجلس الأمن الدولي، لمحاصرة الموقف السياسي السوداني، وكان أهم هذه القرارات التي اعتمدت عليها المحكمة الجنائية الدولية في موقفها من الأزمة في دارفور، القرار (1779) الصادر في 28 ديسمبر 2007م، والذي اعتبر أن الأزمة في دارفور بمثابة تهديد للأمن والسلم الدوليَيْن، وقال إنَّ المجلس "قلق" من "استمرار العنف والإفلات من العقاب في السودان".

 

وتبنى بناءً على ذلك سلسلةً من المقررات شملها هذا القرار بموجب ترتيبات الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وكان من بينها إحالة ملف الانتهاكات في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي وجهت اتهاماتها الرسمية للبشير في يوليو 2008م.

 

استهداف السودان

 الصورة غير متاحة

 الإبادة المزعومة لأهالي دارفور ذريعة الدول الغربية لدخول السودان

وفي حقيقة الأمر فإنَّنا إزاء هذه المؤشرات نستشف وجود لون من ألوان الإصرار على استئصال نظام الرئيس السوداني ومحاصرته على الأقل، وفي حقيقة الأمر أنَّ لهذا عددًا من الأسباب السياسية والأمنية والاقتصادية المتعلقة بالمصالح الغربية والأمريكية تحديدًا، ومن ضمنها مصالح الكيان الصهيوني، في منطقة السودان والقرن الأفريقي، ومن الملاحظ أنَّ ما يجري في السودان يتزامن في ترتيباته مع ترتيباتٍ أخرى تجري لتهيئة الأوضاع في الصومال نحو المزيد من الاستقرار لحكومةٍ ونظامٍ أقرب في مواقفه للغرب منه للأجندة العربية والإسلامية.

 

والاعتبارات المباشرة الذي تحرِّك الغرب في هذا الشأن، هي:

1- سياسة "مهاجمة الأطراف" التي تتبناها القوى الاستعمارية دائمًا عندما تعمل على استعمار إقليمٍ ما، فمن الملاحظ عبر أكثر من ستة قرونٍ من الاستعمار الغربي المباشر في أرجاء العالم القديم والجديد، أنَّه باستثناء حالة الولايات المتحدة، فإنَّ المستعمر الأبيض كان يركز في عمله على السواحل والأطراف، لمحاصرة الداخل الذي غالبًا ما يكون متخمًا بالسكان، وبيئة معادية أكثر تحفظًا إزاء "الآخر" بخلاف سكان السواحل الذين يكونون أكثر انفتاحًا على "الآخر" بحكم العمل في التجارة والصيد والجوار للبحر، وهو ما كان واضحًا في استعمار شبه جزيرة العرب والصين وبعض بلدان وممالك جنوب وشرق آسيا.

 

ومن الملاحظ أنَّ الغرب الأوروبي عندما بدأ في حصار الدولة الإسلامية عمد إلى مهاجمة أطرافها، كما جرى في الأندلس وفي البلقان، وعندما حاول الهجوم عليها من القلب كما جرى في الحروب الصليبية، عانى من الفشل الذريع، ولذلك لم يلجأ إلى الاستعمار المباشر لفلسطين في العصر الحديث أكثر من ثلاثة عقودٍ، بعدها تركها لاستعمار استيطاني يزعم أنَّه من أبناء هذه الأرض.

 

ولذلك تعتبر السودان هدفًا مثاليًّا في إطار المخطط الغربي الأمريكي العام لحصار العالم العربي والإسلامي من الجنوب، كما يعتبر حذف السودان بكلِّ ما يمتلك من ثرواتٍ طبيعيةٍ من معادلة القوة العربية أمرًا شديد الإلحاح بالنسبة للمخطط الاستعماري الصهيوني الغربي، تمامًا مثلما جرى مع العراق قبل الإطاحة بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

 

2- ثروات السودان الطبيعية، وهي ثروات ضخمة تبدأ بامتلاك السودان لمساحاتٍ ضخمةٍ من الأراضي الزراعية، تعادل 48% من جملة الأراضي الزراعية في الوطن العربي؛ أي ما يعادل حوالي مائة مليون هكتار، بالإضافة إلى المراعي الطبيعية الخصبة التي تصل مساحتها إلى 130 مليون هكتار، في ظل وجود ثروة حيوانية هائلة تصل إلى 135 مليون رأس مع وفرة المياه العذبة من الأنهار والأمطار والمياه الجوفية.

 

كما تمتد ثروات السودان إلى مجالات النفط والثروة المعدنية؛ فعلى الجانب الخاص بالنفط، من المرجح وصول الإنتاج اليومي للسودان إلى مستوى مليونَي برميل من أجود الأنواع العالمية؛ حيث يخلو النفط السوداني، إلى درجةٍ كبيرةٍ، من الشوائب الضارة مثل الكبريت والأملاح، وانخفاض كلفة التملك والاكتشاف والتطوير إلى النصف تقريبًا عن المعدلات في الولايات المتحدة، كما أنَّ السودان بدأ في تصدير كمياتٍ جيدةٍ نسبيًّا من النفط الخام يوميًّا، تقدَّر بحوالي نصف مليون برميل.

 

الجانب الأهم من ممكنات الثروة المعدنية في السودان، هو ما كشف عنه البشير في حوارٍ صحفيٍّ نقلته عنه جريدة (الخليج) الإماراتية في مارس من العام 2008م؛ حيث قال إنَّ "هناك مساعٍ غربيةٍ لإفراغ دارفور من سكانها، بعد أنْ أثبتت الدراسات وجود أكبر مخزون يورانيوم في العالم كله بدارفور"، وقال البشير أيضًا إنَّ الدوائر الغربية "تمتلك إحصاءات ووثائق عن الثروات الكامنة في دارفور بعد أنْ فرَّطت الحكومات السودانية السابقة فيها".

 الصورة غير متاحة

البشير وسلفا كير

 

ومع ما تشير إليه هذه التقديرات، فإنَّ هذه الثروة من الخام والعائدات لا يجب أنْ تكون في حوزة نظامٍ كنظام عمر البشير، ولذلك فإنَّ التصور الأبعد لموقف الغرب من السودان، ليس تقسيمه، ولكنه إزالة حكم البشير ذي الهوية العربية والإسلامية واستبداله بآخرٍ مسيحيٍّ ذي هويةٍ وانتماءٍ أفريقيٍّ، ولذلك يمكن فهم أسباب إصرار الحركة الشعبية على تنصيب زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان كنائبٍ أولٍ للرئيس السوداني بموجب اتفاق نيفاشا.

 

وهو السيناريو الذي تروج له الحركة الشعبية باسم "السودان العلماني الجديد"، وفي ظل هذا السيناريو فإنَّ سلقا كير زعيم الحركة الشعبية سيتولى الحكم في حال سقوط البشير أو القبض عليه لمحاكمته، وهو موقف بدا مبكرًا في أعقاب صدور مذكرة الاتهام في يوليو 2008م؛ حيث أعلنت الحركة ترشيح كير لمنصب رئيس الدولة خلفًا للبشير إذا ما سقط أو اعتقل.

 

ويعضد من هذا الاحتمال، الذي يسمح لقوة غير عربية أو مسلمة بالسيطرة على الخانق الجنوبي لنهر النيل الداخل إلى مصر، وعلى البوابة الجنوبية الأكبر والأقوى للأمن القومي العربي، الاتفاقيات الموقعة بين الخرطوم والحركة الشعبية، والتي تسمح بوجود القوات الجنوبية ومواطني الجنوبيين حول الخرطوم وإقليم شمال السودان، بأعداد ضخمةٍ؛ حيث يوجد الآن ما بين مليون إلى مليونَيْن من الجنوبيين حول الخرطوم وحدها.

 

أجندة أهداف

وبجانب هذه الصورة، فإنَّ الغرب يرمي من وراء محاصرة ومحاولة إسقاط نظام الرئيس السوداني عمر البشير إلى محاصرة أنشطة الحركات الإسلامية المتنامية في مناطق القرن الإفريقي وشمال إفريقيا، كما أنَّ أنشطة المخابرات الأمريكية والصهيونية بدأت في رصد صفقات تسلح ضخمةٍ ما بين الخرطوم وكل من الصين وروسيا، وخصوصًا في مجال تدعيم سلاح الجو السوداني، وهو ما يقلق الكثيرون في الدوائر الغربية التي تسعى إلى فرض موردٍ واحدٍ للسلاح في العالم.

 

وازدادت المخاوف الأمنية الغربية من استعانة السودان بقواتٍ مسلحةٍ صينيةٍ لحماية آبار البترول وشبكات نقله، بعد أنْ أصبح السودان هو أحد الموردين الرئيسيين للنفط إلى الصين.

 

بجانب ذلك هناك عددٌ من الاعتبارات التي تفرض على الجميع في الكيان الصهيوني والولايات المتحدة ودوائر السياسة والمخابرات الغربية الأخرى الاهتمام بالسودان، ومن بينها:

1- رغبة الغرب في أنْ يصبح السودان بوابة لأنشطة التبشير وقاعدة للعمل المخابراتي في مصر وغرب العالم العربي، وتلعب بعض منظمات الإغاثة العاملة في السودان هذا الدور، وهو ما أكده البشير عندما قرر طرد 13 منظمةً إغاثيةً غربيةً تعمل في دارفور، وقال إنَّها خرجت عن القواعد الثابتة للعمل الإغاثي وباتت تهدد سيادة السودان بأعمالها.

 

2- تركُّز مركز ثقل المخابرات الصهيونية في أفريقيا السوداء، التي يعتبر جنوب السودان أحد مفاتيحها، بعد نجاح جهاز المخابرات العامة المصرية في إجبارها على نقل مركز نشاطها الرئيسي من أوروبا، بالإضافةِ إلى مراقبة المخابرات الصهيونية لأنشطة بعض مجموعات المقاومة الفلسطينية التي تنشط في وسط وشرق القارة.

 

3- اهتمام الغرب بمصير الجماعات العرقية غير العربية، ومن بينها مجموعاتٌ مسلمةٌ كما في دارفور، والمجموعات الدينية المسيحية الموجودة في السودان، وهؤلاء يُشكِّلون ما مجموعه ما بين 20 إلى 25% من تعداد سكان السودان؛ حيث يوجد ستة ملايين في دارفور ومليونان إلى أربعة في جنوب السودان، بإجمالي ما بين 8 إلى 10 ملايين من إجمالي 40 مليون نسمة هي تعداد سكان السودان بحسب إحصائيات العام 2006م.

 

وأهم قبائل دارفور العربية التي تقطن شمال الإقليم، الزيادية وبني فضل والرزيقات ومن فروعها المحاميد والماهرية والعريقات والعطيفات والزبلات، ويعرفون برزيقات الشمال، مقابل رزيقات الجنوب الذين هم أكثر اختلاطًا بالقبائل الأفريقية، كما يوجد أيضًا في الشمال قبائل ذات أصول أفريقية مثل قبيلة الفور- التي أعطت اسمها للإقليم- والزغاوة التي لها امتدادات في ليبيا وتشاد، وإليها ينتسب الرئيس التشادي الحالي إدريس ديبي وكبار أعضاء حكومته، فضلاً عن قبائل مثل البرتي والميدوب.

 

أما غرب دارفور فتستوطنه قبائل أفريقية من أبرزها المساليت وهم أساسًا في مدينة الجنينة عاصمة شرق دارفور، وهناك قبائل التاما والزغاوة وبعض القبائل العربية مثل بني حسين، وفي الجنوب هناك قبائل عربية مثل الرزيقات الجنوبيين والهبانية والتعايشة، وقبائل البرقد والمعاليا والبني هلبة والفلاتة والقمر بالإضافة إلى قبائل أفريقية أخرى.

 

أما جنوب السودان فتسكنه قبائل أفريقيا أصيلة، مثل الدينكا والشِّلُك والدينكا نوير والنيليون، وبعض القبائل الحامية الأخرى.

 

وإظهار وجود هذه المجموعات العرقية والسكانية، عاملٌ شديد الأهمية في إضعاف هوية السودان العربية المسلمة، وإضعاف وجود الدولة السودانية الموحدة والإبقاء عليها ضعيفة.

 

ويبقى القول إنَّه بمحاكمة البشير، بعد إسقاط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بالقوة المسلحة في ربيع العام 2003م، يكون القادة العرب قد تلقوا "درس الطاعة" كاملاً، وسيكون من الصعب عليهم بعد ذلك معارضة المطالب والسياسات الغربية.