السودان مستهدف، وهناك نوايا غربية أكيدة على أنَّ المسألة كلها غايتها هي إسقاط نظام الرئيس السوداني عمر البشير، واستبداله بآخر ذي هويةٍ مختلفةٍ.. هذا هو التبرير الوحيد لموقف الأمم المتحدة وواشنطن وأطرافٍ غربيَّةٍ أخرى من بعض الإجراءات التي تبنَّاها الرئيس السوداني في الآونة الأخيرة، بعد صدور مذكرة المحكمة الجنائية الدولية باعتقاله بتهمٍ لم تثبت بعد بخصوص ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور المشتعل غرب السودان.
وكان أبرز هذه القرارات التي أثارت حفيظة الغرب هو ذلك المتعلق بطرد منظمات الإغاثة العاملة في إقليم دارفور؛ ذلك القرار الذي قالت الأمم المتحدة إنها تبحث اعتباره بمثابة جريمة حرب، مع بدء المدِّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو استئناف قرار اللجنة التي أصدرت مذكرة اعتقال البشير، باستبعاد تهمة الإبادة الجماعية من قائمة الاتهامات الموجَّهة إلى الرئيس السوداني.
بينما اتخذت فرنسا خطوةً أبعد من ذلك، عندما لوَّحت باعتراض طائرة الرئيس السوداني في الجو، في حال سفره إلى خارج السودان، وتوقيفه، طبقًا لقرار المحكمة الجنائية الدولية، وذلك بالتزامن مع إعلان السودان أنَّ البشير بصدد حضور القمة العربية المقررة في العاصمة القطرية الدوحة، في نهاية شهر مارس الجاري.
وهو ما ردَّ عليه المسئولون السودانيون بالإعلان أنَّ لدى الخرطوم ترتيباتٍ أمنيةً خاصة لضمان وصول وعودة طائرة البشير سالمةً من الدوحة.
عصبية أمريكية
![]() |
|
السودانيون أكدوا تضامنهم مع البشير ضد قرار الجنائية |
الولايات المتحدة ردَّت على قرارات البشير بطريقةٍ أخرى، وهي تعيين الميجور جنرال المتقاعد جوناثان سكوت جريشان مبعوثًا أمريكيًّا إلى السودان؛ لممارسة المزيد من الضغوط على الخرطوم، وبخاصة في "الملف الإنساني" في إقليم دارفور، بعد قرار البشير طرد منظمات الإغاثة العاملة في الإقليم.
ووفق ما ذكرته صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية في عددها الصادر اليوم؛ فإنَّ جريشان ينضم إلى ما وصفته بـ"فريق متمكن" يدير ملف السياسة الخارجية، ولا سيما فيما يتعلق بأزمة إقليم دارفور؛ حيث يضاف جريشان الخبير بشئون دارفور وإفريقيا إلى كل من وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ونائب الرئيس جوزيف بايدن، بالإضافة إلى السفيرة الأمريكية في الأمم المتحدة سوزان رايس.
وقالت الصحيفة أمس الأربعاء: إن تعيين جريشان يأتي انعكاسًا لقرار الرئيس السوداني عمر البشير بطرد جميع منظمات الإغاثة الأجنبية العاملة في الإقليم في غضون عام، واستبدال نظيرتها السودانية بها، وهو ما تقول منظمات إغاثية تابعة للأمم المتحدة والخارجية الأمريكية إنه قرار يهدد حياة 1.4 مليون شخص موجودين في مخيمات اللاجئين التي تعمل فيها هذه المنظمات.
وسيذهب جريشان إلى السودان وهو لا تنقصه الخبرة بالقارة السمراء ومشكلاتها؛ فهو من مواليد الكونغو الديمقراطية؛ حيث كان والداه يعملان في مجال التنصير في هذا البلد، وعاش طفولته في ظروف من عدم الاستقرار النسبي، مع تزامن إقامة والداه في الكونغو مع فترة اضطرابات سياسية وأمنية؛ حيث اعتُقل والداه 3 مرات، وأصبحا من سكان معسكرات اللاجئين، قبل أن يعودا إلى الولايات المتحدة.
ومع مولده ومعيشته سنوات حياته الأولى وسط إفريقيا أتقن جريشان اللغة السواحلية بطلاقة، وكانت التجربة المهنية الأهم في حياته والتي دفعت أوباما إلى التفكير في تعيينه في منصبه الجديد- بحسب (رويترز)- هي جولته الإفريقية التي قام بها في عام 2006م، وشملت 5 دول إفريقية، واستغرقت 15 يومًا، وفي مهمة لتقصي الحقائق، برفقة سيناتور إلينوى (آنذاك) باراك أوباما، وخلال تلك الرحلة زار جريشان وأوباما لاجئي دارفور في تشاد المجاورة للسودان.
وكانت العصبية الأمريكية والغربية واضحةٌ للغاية إزاء قرارات الرئيس البشير الأخيرة في شأن طرد منظمات الإغاثة؛ فوزيرة الخارجية الأمريكية الجديدة هيلاري كلينتون قالت في تصريحات صحفية اليوم الأربعاء: إنَّ قرار الرئيس السوداني بطرد منظمات الإغاثة "يحمِّله مسئولية موت أي شخص في دارفور".
بينما تزعم منظمات الإغاثة أنَّ لاجئي الإقليم لا يوجد لديهم ما يكفي من إمدادات الغذاء والمياه النقية والرعاية الصحية، مع وجود مخاوف من انتشار مرض الالتهاب السحائي؛ بسبب سوء الأوضاع الصحية والخدمية؛ بحسب (نيويورك تايمز).
قرارات سيادية
مظاهرات متواصلة في السودان ضد قرار اعتقال البشير

يعد مصطلح أو مفهوم أعمال السيادة من المسائل ذات الإشكالية في مجالي العمل القانوني والسياسي، فعلى الرغم من سيادة الاعتبارات القانونية على الاعتبارات السياسية في المستوى النظري، إلا أنَّه في الدِّول كثيرًا ما يُستخدم مصطلح "أعمال السيادة" من أجل استبعاد تطبيق حكم القانون على السلطة التنفيذيَّة.
إلا أنَّ الشريعة الإسلامية تقرُّ- كما يقر التشريع الوضعي- بسموِّ أعمال الدولة على أعمال الأفراد عندما تتصرف في دائرة الحفاظ على كيان الأمة أو الشعب أو الدولة، أو على أساس الحفاظ على المصالح العليا ولو على حساب الأفراد؛ لأنَّ مصلحة الجماعية مقدمة على مصالح الأفراد.
وقد عرَّف الدكتور محمود حافظ أستاذ القانون الدستوري المصري أعمال السيادة على أنَّها "طائفة من أعمال السلطة التنفيذية تتمتع بحصانةٍ ضد رقابة القضاء بجميع صورها أو مظاهرها، سواءٌ في ذلك رقابة الإلغاء أو رقابة التعويض أو رقابة فحص الشرعية".
بينما عرَّفها الدكتور سليمان الطماوي أستاذ القانون في جامعة القاهرة العمل السيادي على أنَّه: "أي عملٍ يصدر من السلطة التنفيذية، وتحيط به اعتبارات خاصة، كسلامة الدولة في الخارج أو الداخل، ويخرج عن رقابة المحاكم، متى قرر له القضاء هذه الصفة، ويرى أن هذه الأعمال تتعلق بكيان الدولة الداخلي والخارجي".
وعلى هذا فإنَّ أعمال السيادة هي الأعمال التي تقوم بها سلطات الحكم في الدول من أجل
الحفاظ على كيان الدولة من أرضٍ وشعبٍ وسلطةٍ لمواجهة أخطارٍ خارجيةٍ أو مواجهات داخلية عامةٍ، كتنظيم سلطات الدولة ونظام الحكم، والعلاقة بين السلطات، والنظام النقدي، والأعمال المتعلقة بالدفاع، وعقد المعاهدات، وإعلان الحرب والصلح والتنازل، وتنظيم القوات المسلحة وتدريباتها، وإعلان الأحكام العرفية وإنهائها، وكذلك الإجراءات والتدابير التي تتخذ في حالات الحرب والكوارث الطبيعية من فيضانات وزلازل وغيرها".
والسيادة هي أحد أركان الدولة الأربعة، بجانب الأرض والشعب والحكومة أو النظام السياسي، وهناك العديد من البواعث التي تضع على عاتق الدولة ضرورة تبني قرارات تندرج تحت بند "أعمال السيادة"، مثل البواعث السياسية والموضوعية لطبيعة القرار وطبيعة الظرف الذي تمَّ تبنيه فيها.
وعموما، وبحسب المدارس القانونية المختلفة، ومن بينها المدرسة الفرنسية، فإنَّ مجالات تطبيق أعمال السيادة، هي:
1- الأعمال المنظمة لعلاقات السلطة التنفيذية بالسلطة التشريعية.
2- الأعمال المتعلقة بالعلاقات الدولية بما في ذلك المنظمات الدولية.
وفي هذا الإطار فإنَّ الرئيس السوداني عمر البشير عندما اتخذ قراراته التي أثارت حفيظة الغرب لهذه الدرجة، كان يقوم بما يُعرف قانونًا وسياسيًّا باسم "أعمال السيادة"، وهو ما لا يمكن مؤاخذته عليه قانونًا، خصوصًا مع ثبوت ارتكاب المنظمات التي قام البشير بطردها من السودان بأعمالٍ تُخلُّ بسيادة البلاد، وتخالف القوانين السودانية خلال عملها في المناطق التي تشهد نزاعاتٍ، بما في ذلك مخالفة اعتبارات الأمن القومي السوداني، وهو ما يشمل اعتبارات السلم الأهلي، ومن بين هذه الأعمال:
1- إثارة التوتر القبلي والنعرات العشائرية الضيقة في مناطق عملها، وخصوصًا في دارفور.
2- القيام بأعمالٍ ذات طابعٍ استخباري لحساب أجهزة مخابراتٍ دوليةٍ، ومن بينها تلك الأجهزة التابعة للولايات المحتحدة والكيان الصهيوني.
3- القيام بأنشطة ذات طابعٍ تنصيريٍّ، وهو ما يزيد من حساسية الأوضاع الطائفية والمذهبية في المناطق المأزومة بطبيعتها.
وعندما اتخذ البشير قراره المتقدم الخاص بمنظمات الإغاثة، أدخل قرارات الحكومة السودانية في نطاق كونها سلطة سياسية أو سلطة حكم تباشر صلاحية أوسع في تقدير ملاءمة أعمال هذه المنظمات، ومدى خضوعها في أنشطتها لاعتبارات الأمن القومي السوداني واستقلال السودان، وقيام الدولة بأركانها، بأنشطتها، أو ما يُعرف بأداء مؤسسات الدولة أدوارها الدستورية.
