حذَّر الدكتور محمد الأغطف الغوتي رئيس اللجنة الصحية من تقاعس العمل الإغاثي العربي والإسلامي عن المبادرة بتقديم الإغاثة إلى المناطق العربية والمسلمة، مؤكدًا أن ذلك يُتيح الفرصة أمام رجال التنصير الذين يجدون ضالَّتهم في المناطق المسلمة المنكوبة!.

 

وقال في حديث لـ(إخوان أون لاين): إن العمل الإغاثي مجال الفعل الإسلامي بامتياز، ليس فقط لحثِّ الإسلام عليه، بل لأن أغلب المناطق التي تعاني آثار الحروب والكوارث دول عربية وإسلامية، ورغم ذلك فالساحة تهيمن عليها المنظمات المسيحية ذات المشاريع التنصيرية؛ التي تستغل الأحوال المتردية للمناطق المنكوبة لتنصير أهلها تحت مسمى "التبشير"!.

 

وفي هذا الحوار يشرح الدكتور محمد الأغطف الغوتي بعض الوسائل الإجرائية لتفعيل الجانب الإغاثي بالوطن الإسلامي، وتوضيح بعض ضوابطه وشروط المشتغلين به.

 

* ما أهم المشكلات التي تواجهكم في العمل الإغاثي؟

** العمل الإغاثي يواجه اليوم مجموعة من الانزلاقات والمشاكل؛ نظرًا لاشتغال بعض الهواة؛ الذين لا علاقة لهم بالعمل الإغاثي الصحي، إلا أنهم في واجهة العمل، ويأخذون قصب الريادة للتصدي له، وهذا ما يدفعنا إلى أن نقدِّر أن واجبنا في هذا المجال يدخل في واجب العين أكثر منه فرض كفاية.

 

ولذا قلنا إنه من الضروري بالنسبة لنا- كمهنيين في الصحة، وانطلاقًا من البواعث السابقة- أن نكون أول من يشتغل بهذا الواجب ويعطيه الأولوية اللائقة به، مع الحافز الديني عندنا والانتماء الحضاري للأمة، بالإضافة إلى الجانب الإنساني.

 

تنصير

* العمل الإغاثي أصبح اليوم ذا طابع عالمي، فأين مكانكم كعرب ومسلمين في هذه الواجهة؟ وما ضوابط الاشتغال به؟

** بشكل عام يحظى مهنيُّو الصحة من المسلمين والعرب بمكانة محترمة في هذا القطاع بطابعه الكوني؛ لأن ما هو متداوَلٌ دوليًّا في العمل الإغاثي لا يتعارض مع انتمائنا الحضاري والقومي؛ أي أن المسلمين أولى بالاشتغال بالعمل الإنساني والإغاثي من غيرهم.

 

 الصورة غير متاحة

منظمات مسيحية تستغل العمل الإنساني للتنصير في المغرب

وهنا أُشير إلى بعض المفارقات بخصوص العمل التطوعي؛ حيث نجد هيمنةً وريادةً للمنظمات المسيحية، التي تهدف من ورائه إلى نشر الديانة المسيحية من خلال حملات التنصير، فالظاهر أن بعض هذه المنظمات تشتغل بالعمل الإنساني والإغاثي إلا أن واقع الحال غير ذلك، إذ يتم توظيف وتسخير العمل الإغاثي والإنساني من أجل نشر المسيحية، فالأمر ليس إنسانيًّا، بل له أيضًا انعكاس سياسي؛ إذ تعتمد تقارير هذه المنظمات على التمهيد للعمل الاستعماري، حتى لا نقول إنها تلعب دورًا استخباريًّا.

 

فالبداية تكون من أجل العمل الإنساني، لكنها تتطوَّر لتصبح عملاً عسكريًّا، وتذكر بعض المصادر التاريخية في المغرب أن بعض الأطباء في فترة الاستعمار من القرن الماضي كانوا عسكريِّين، يجمعون الأخبار والتقارير عن المجتمع لإيصالها إلى الجهات المعنية.

 

فالعمل الإغاثي علمٌ قائمٌ بذاته، له ضوابط وقواعده، ويأتي على رأس هذه الضوابط عملية التنسيق مع الجهة المتضررة أو المعنية بالعمل الإغاثي، فربما يظن الإنسان أنه يقدم خيرًا ويحلُّ مشكلةً، ولكنه يولِّد مشكلات أخرى، وهذا عاينَّاه في كثير من المحطات.

 

* وما شروط الاشتغال بالعمل الإغاثي؟ وكيف تؤدون مهامكم تحت هدير الآلة الحربية كما حدث إبَّان العدوان الصهيوني على غزة؟

** تجربة غزة ليست الأولى، بل سبقتها مبادراتٌ بالعراق ولبنان وفي زلزال الحسيمة بالمغرب، وكل تجربة تكتسي خصوصيةً تميزها عن غيرها؛ ما كوَّن في النهائية حصيلةً تراكميةً في الأداء تحت مختلف الظروف، أما عن خصائص العامل بالإغاثة فهي: القدرة والصبر والتحمل والصمود والذكاء، واستحضار عنصر المفاجأة، مما يفرض التوفر على تجربة متراكمة تمكن من اتخاذ القرار في وقت وجيز بطريقة حكيمة.

 

فمثلاً خلال العدوان كان معبر رفح سيُغلق في 5 فبراير 2009م، وأي وقت نضيِّعه في مناقشة أمر الذهاب أو جمع الأشياء المتعلقة بالسفر قد يضيِّع فرصة الدخول إلى غزة، وهذا ما حصل فعلاً، فكل من أجَّل إلى الغد فاتته فرصة الدخول إلى القطاع.

 

ومن الخصوصيات التي تميز إدارة العمل الإغاثي أيضًا: التنسيق والتدبير، وهي غير موجودة في العمل الاجتماعي أو الإداري أو المهني أو السياسي؛ أي لا بد من توفر "بروفايل" خاص للمشتغلين في هذا الميدان، سواءٌ القيادات أو أعضاء الفريق، الذين يجب عليهم التيقن أن ما يقومون به ليس عملاً في شركة أو جمعية أو حزب أو منظمة، بل المطلوب منهم اتخاذ القرار العاجل والمناسب في الظرف الدقيق واللحظات الحاسمة، وليس البدء من الصفر في العمل؛ أي لا بد من توفر تجربة، رغم أن كل تجربة إغاثية منفردة عن أختها، ولها خصائص جديدة تستدعي التكيف معها.

 

* حديثكم المتواصل عن تدبير عقلاني للعمل الإغاثي بعيد عن التعامل العاطفي، فما أبرز مظاهر الحضور العقلاني في العمل الإغاثي؟

** هناك مجموعة من المنظمات راكمت التجربة في هذا المجال، لكنَّ الإشكال في العمل الإغاثي موجودٌ على عدة مستويات، فمثلاً عند جمع الأدوية تنتج مجموعة من المشكلات، ومنذ 1988م وأحداث أرمينية وأحداث يوغسلافيا في 1992م، وكل محطة ناتجة من حرب أو كارثة نجد دولاً وشركاتٍ متعددة الجنسيات تستغل الظرف المرتبط  بكارثة بيئية أو نشوب حرب للتخلص من الأدوية لديها، وقد تتعمَّد وقوعها بعض الجهات.

 

من جانب آخر هناك مشكلات غير مقصودة ناتجة عن قلة التجربة مثل جمع الأدوية في علب كارتونية كبيرة تكلِّف في نقلها الشيء الكثير، ومن أجل العقلانية يجب أن تكون العلبة متوسطة الحجم، لا تتجاوز 30 كيلو جرامًا، ليسهل إعدادها للاستعمال، فيكون الترشيد في استقبال التبرعات وأثناء التخزين والجرد والتوزيع، وكلها تحتاج لإمكانيات بشرية ومادية ومكانية؛ لأن العمل الإغاثي عمل مستعجل، وكثيرًا ما ارتبط بقلة الموارد البشرية.

 

وفي أحيان كثيرة نسمع في وسائل الإعلام عن أن الجهة المنكوبة وصلتها مساعدات ولكنها لم توزَّع على المحتاجين، والحقيقة أن المشرف على تلك المساعدات لا يعرف ما توصَّل به، فتأتي أطنان الأدوية بلا دليل للاستفادة منها.

 

غير أن العمل الإغاثي أصبح اليوم علمًا قائمًا بذاته، له قواعده وشروطه ومقوماته ومستلزماته، ولهذا انتبهت منظمة الصحة العالمية للأخطاء الواقعة أثناء ممارسة العمل الإغاثي والإنساني، ووضعت مبادئ تنظمها، مثل الجرد ومراعاة الاحتياج، فلا ترسل لبلد منكوب أشياء ليس محتاجًا إليها، فتكون المرحلة الأولى معرفة الاحتياجات، وكل مساعدة يجب أن تفي بهذه المتطلبات.

 

* وكيف تعاملتم في القافلة الصحية المغربية لمساندة فلسطين والعراق مع هذا الإشكال الدقيق؟

** أولاً كانت لدينا لائحة بالأدوية التي يحتاجها قطاع غزة، وبالإضافة إلى سابق التجربة، وعند التوصل بأي مساعدات يتم جردها، فتعلَّق ورقة تبيِّن محتويات كل علبة كارتونية، ويُحكَم تنظيمها؛ لأن المشتغل بالعمل الإغاثي قد يكون منفردًا وليس معه من يعينه على الحمل.

 

وهذه أمور دقيقة قلَّ من يعرفها، ولكن لا بد من العلم بها وإلا سنسقط في لا جدوائية التبرع، وقد تتوصل الهيئة الإغاثية بأدوية، وهناك احتمال وجود 70% منها منتهية الصلاحية، وفي الـ30% المتبقية نجد جزءًا منها غير صالح، لأنها مُكَسرة، وقد نجد فيها أدوية لا يحتاجها الوضع، فنكون أمام حالات متعددة؛ كأن يكون الدواء غير منتهي الصلاحية وليس مكسرًا، ولكن ليس من أولويات الإغاثة للبلد المنكوب.

 

وفي المحصِّلة قد تجد ضمن عشرات أطنان الأدوية 10% هي الصالحة للاستعمال، وما تبقى من المساعدات يطرح مشكل التخلص، ويطرح السؤال: أين سنخزن ما لا تحتاجه وكيف نتخلَّص منه؟

 

فالدول التي كانت تبذل ملايين الدولارات لجمع التبرعات والحاجيات تكون محتاجةً لجمع ملايين أخرى للتخلص منها وإتلاف سمومها وتفادي الوقوع في كارثة بيئية أو غير ذلك، وهنا على المشتغل بهذا المجال أن يحرص على قاعدة أعتبرها ذهبيةً، وهي: "ما خف وزن وصغر حجمه وغلا ثمنه وكان ذا فائدة"، وهذا لا يكون إلا نتاجًا للتجربة والخبرة.

 

* كيف يدبِّر المتطوع في العمل الإغاثي جانب التمويل، خاصةً مع منع كثير من الدول جمع التبرعات المالية؟

** بالإضافة إلى عنصر التجربة، استطعنا بحمد الله تحصيل رصيد من الثقة، وإن كنا نخضع لظروف المغرب وقوانينه، فنحن لا نطالب أحدًا بالتبرع، ولكن هناك من يأتي لنا بتبرعاته؛ لأن طلب المال يدخل في خانة الإحسان العمومي بالمغرب، وله قانون وإجراءات خاصة به.

 

إغاثة الصهاينة

* هل يبقى العمل الإغاثي بطابعه الإنساني أم أن له حدودًا واختصاصاتٍ ترتبط بالشخص وثقافته، وهل يمكن أن تقدم عملاً إغاثيًّا لصهيوني مثلاً؟

** الطابع الغالب أن العمل الإغاثي هو عمل إنساني، ولكنه عمل مؤطَّر بانتماء المُزاول له، ولكن ليس الانتماء الحزبي الضيِّق، وبالنسبة لنا فهو يرتبط بكل ما له صلة بالأمة العربية والإسلامية والإنسانية جمعاء، غير أنه عندما يطرح هذا السؤال تختلف أجوبة المشتغلين بالعمل الإغاثي، لكن إذا وجدت أمامك صهيونيًّا هل ستقدم له عملاً إغاثيًّا؟ الجواب مختلَف فيه، لكن بالإمكان أن أعالج جريحًا أمريكيًّا أو بريطانيًّا أو أيًّا كان، حتى اليهودي، لكني- لقناعة خاصة- لا أعالج الصهيوني بفلسطين.