تعتبر زيارة الرئيس التركي عبد الله جول للعراق في الوقت الحالي إحدى أهم محطات السياسة الخارجية التركية، ولعل فيما حملته في طياتها من مناقشات وعناوين رئيسية ما يضعها في زمرة "الزيارات الموضوعية" غير المراسيمية التي كانت تصبغ بصبغتها دائمًا زيارات مسئولي دول الجوار العراقي؛ باعتبار أنَّ تلك الزيارات غالبًا ما تتم بمنطق "استعادة العراق" إلى نطاقه الجيوسياسي الإقليمي.

 

وما أضاف الطابع "الموضوعي" على الزيارة أنَّها تجيء بعد العديد من الزيارات التي تبادلها مسئولو البلدَيْن في غضون السنوات القليلة الماضية، بمن فيهم رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في يوليو الماضي والرئيس العراقي جلال الطالباني الذي زار أنقرة أكثر من مرة.

 

ولذلك عندما وطِئت أقدام الرئيس التركي الأراضي العراقية- وعلى الرغم من أنَّه سياسيًّا لا يملك الكثير من الصلاحيات التنفيذية بموجب الدستور التركي- كان يعلم أنَّه سوف يواجه القضايا الأهم التي دائمًا ما أثارت أزمات متواترة بين البلدين في غضون العقود الطويلة الماضية.

 

ويأتي على رأس هذه القضايا مسألة حزب العمال الكردستاني التركي؛ الذي يمارس أنشطته العسكرية في جنوب وجنوب شرق تركيا انطلاقًا من الأراضي العراقية، وأزمة المياه التي استوعبت محادثات اليوم الثالث والأخير من زيارة جول للعراق الثلاثاء 24 مارس 2009م، وكيفية مشاركة تركيا في مواجهة موجة الجفاف التي تعاني منها العراق في الوقت الراهن.

 

المسألة الكردية

في هذه المسألة كان الرئيس التركي صريحًا إلى حدٍّ كبيرٍ، وربَّما إلى درجةٍ تتجاوز حدود اللياقة الدبلوماسية المفترضة في مثل هذه المواقف ذات الطابع البروتوكولي؛ فالرَّئيس التركي دعا رئيس وزراء إقليم كردستان العراقي نيجيرفان برزاني أمس الثلاثاء إلى "اتخاذ موقفٍ واضحٍ" ضد الانفصاليين الأكراد الذين يستخدمون العراق قاعدةً لمهاجمة تركيا، بحسب جول.

 

واجتماع جول مع نيجيرفان برزاني هو الأوَّل من نوعه الذي يوافق فيه سياسيٌّ تركيٌّ بحجم جول على الاجتماع رسميًّا مع مسئولٍ من الحكومة الإقليمية لإقليم كردستان العراق، وكان الاعتراف بوجود الحكومة الإقليمية الكردستانية في العراق أمرًا محظورًا بين الساسة الأتراك لمنع إحياء آمال الأكراد بإقامة دولةٍ لهم في الأراضي التي يسكنها أكراد في تركيا والعراق وإيران وسوريا، إلا أنَّ الملف الكردي شهد- بحسب مراقبين- تحسُّنًا كبيرًا منذ تولِّي حزب العدالة والتنمية الحكمَ في تركيا؛ حيث بدأ سلسلة من المبادرات الهادفة الى تحسين حقوق الأكراد ومستوى معيشتهم، وكان ذلك وراء فوز الحزب في الانتخابات العامة التي جرت في العام 2002م و2005م.

 

وفي غضون السنوات الماضية- التي تلت اندلاع تمرد العمال الكردستاني في العام 1984م- دأبت أنقرة على اتهام حكومة الإقليم بـ"عدم القيام بما يكفي" لقمع متمردي حزب العمال الكردستاني.

 

وعقب الاجتماع صرَّح جول للصحفيين قائلاً: "أبلغته صراحةً بأنَّ منظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية ومعسكراتها تعمل في منطقتكم، وينبغي لكم اتخاذ موقف واضح ضدها"، مضيفًا: "وفور القضاء على حزب العمال الكردستاني لن تكون هناك حدود لما هو ممكن، فأنتم جيراننا وأقاربنا".

 

وزيارة جول للعراق هي أول زيارة يقوم بها رئيس دولة تركي للبلاد منذ 33 عامًا، واستمرت العلاقات بين البلدَيْن متوترةً بسبب ملف العمال الكردستاني، إلا أنَّ زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لبغداد في يوليو من العام 2008م الماضي أدت إلى حدوث كثير تحسُّنٍ في العلاقات بين البلدَيْن.

 

الأكثر مدعاةً للدهشة بالفعل كانت تصريحات نيجيرفان برزاني؛ الذي قال إنَّ المحادثات مع جول "حسَّنت العلاقات بين الحكومة الاقليمية الكردستانية وتركيا إلى حدٍّ بعيد"، وربما رأى برزاني أنَّ اعتراف الأتراك بحكومته أهم من أيِّ شيءٍ آخر.

 

إلا أنَّ حزب العمال الكردستاني رفض كل هذه المبادرات الإيجابية من جانب أبناء عمومته في العراق، ففي تصريحاتٍ ناريةٍ بالفعل انتقد المتحدث باسم الحزب أحمد دنيز لوكالة (أسوشيتد برس) المطالب التي وجَّهها الرئيس العراقي جلال الطالباني للحزب خلال زيارة جول، والتي خيَّر فيها الرئيس العراقي "العمال الكردستاني" بين إلقاء السلاح أو مغادرة الأراضي العراقية، وقال دنيز: إنَّ الطالباني "لا يملك سلطة إصدار مثل هذه التصريحات"، وأضاف: "نحن لا نتلقى أوامر منه".

 

وحذر دنيز الطالباني من أنَّ مثل هذه التصريحات "يمكن أنْ تؤدي إلى عواقب وخيمة"، إلا أنَّه لم يحدد طبيعة الرد المتوقَّع من الحزب إزاء هذه المواقف الجديدة من جانب أكراد العراق، الذين ربما يفضلون مصالحهم مع تركيا على دعمهم مشروع الحزب في إقامة دولةٍ مستقلةٍ له في جنوب وجنوب شرق تركيا، فتركيا شريكٌ تجاريٌّ مهم للعراق، كما يمر نحو 400 ألف برميل بترول يوميًّا من النفط العراقي؛ أيِّ أكثر من 20% من صادرات العراق النفطية عبر خطوط أنابيب إلى ميناء جيهان التركي.

 

وفي يناير الماضي اتفقت تركيا والعراق والولايات المتحدة على إقامة مركز قيادة عسكري في شمال العراق لتنسيق الجهود ضد حزب العمال الكردستاني الذي تحمِّله أنقرة المسئولية عن مقتل 40 ألف شخص منذ عام 1984م.

 

المياه

الشق الثَّاني في زيارة جول كان المياه؛ حيث كانت محور محادثاته مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي.

 

وتقع مصادر نهري دجلة والفرات- التي هي مصادر المياه الرئيسية التي تغذي العراق- في هضبة الأناضول في تركيا، ويمر نهر الفرات في سوريا قبل دخوله إلى العراق، بينما تنبع العديد من روافد دجلة من إيران، ويروي النهران العراق من الشمال الى الجنوب قبل أن يشكِّلا معًا شطَّ العرب الذي يصبُّ في مياه الخليج العربي.

 

وانخفض منسوب المياه في النهرَيْن بشكلٍ ملحوظٍ في السنوات الماضية؛ الأمر الذي يُلحق أضرارًا كبيرةً في القطاع الزراعي العراقي والاقتصاد الوطني للعراق بشكلٍ عامٍ، كما ازدادت نسبة التلوث في كلا النهرَيْن بسبب تردِّي الأوضاع الأمنية في العراق في السنوات التي تلت الغزو الأمريكي للعراق في ربيع العام 2003م.

 

 الصورة غير متاحة

 نوري المالكي

وكان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قد طالب تركيا في مايو 2008م الماضي بزيادة الكميات المتدفقة إلى دجلة والفرات بسبب "الشحة الشديدة التي تتطلب زيادة الكميات الواردة من تركيا، ويعزز الحالة في دجلة لمواجهة الجفاف".

 

ويعقد وزراء المياه والري في سوريا والعراق وتركيا- وهي البلدان الثلاث التي تشترك في نهرَيْ دجلة والفرات- اجتماعاتٍ كل فترةٍ لبحث التعاون بين دولهم في كيفية الإفادة من مياه النهرَيْن، كما أجرى العراق محادثاتٍ مع طهران بشأن ضعف مستوى المياه الواردة إليه من نهر دجلة؛ الذي تنبع الكثير من الروافد التي تغذيه من إيران.

 

وفي السنوات الأخيرة أقامت إيران سدودًا على هذه الروافد، كما يتهم العراق إيران بتحويل مسار بعض هذه الروافد الى داخل الأراضي الإيرانية بدلاً من العراق.

 

وفي شأن آخر تعهد الرئيس التركي عبد الله جول خلال زيارته للعراق بإقامة معسكراتٍ تدريبيةٍ للمنتخبات الرياضية العراقية، وتوفير كل عوامل الدعم الفني لها، ضمن عملية توسيع التعاون الشبابي والرياضي بين البلدَيْن؛ بحسب ما صرَّح به وزير الشباب والرياضة العراقي جاسم محمد جعفر.

 

وقال جعفر عقب لقائه مع الرئيس التركي أمس الثلاثاء في العاصمة بغداد: إن "الرئيس التركي عبد الله جول أوصى بإقامة معسكراتٍ شبابيةٍ ورياضيةٍ لجميع المنتخبات والفرق الرياضية العراقية في تركيا".

 

وأضاف الوزير العراقي قائلاً: "اقترحنا أنْ يكون هناك معسكر تدريبي للمنتخب العراقي لكرة القدم يقام في تركيا ضمن مبادرة الرئيس التركي، في إطار استعدادات المنتخب لبطولة كأس القارات في يونيو المقبل وتنظيم مباراة ودية أمام المنتخب التركي".