عند الحديث عن الحكومة الصهيونية الجديدة المقرر لها أنْ تؤدي اليمين الدستورية في الحادي والثلاثين من مارس الحالي، لا نريد الوقوع في محذورٍ إعلاميٍّ مهمٍّ بالحديث عن أنَّها حكومة متطرفة، وأنَّها بصدد تعقيد الأمور على مستوى المحيط العربي، وخصوصًا على مستوى المفاوضات مع الجانب الفلسطيني والجانب السوري، أو فيما يخص ملف الحصار الظالم المفروض على قطاع غزة.

 

ولعل مبعث هذا التصور هو أنَّ المرجعية الأساسية للكيان الصهيوني، وقياداته السياسية والعسكرية هي الأساس الديني الذي قامت عليه دولة الكيان القائمة على أرض فلسطين المحتلة؛ حيث الجميع يهود، والجميع يؤمنون بالتوراة وكتب اليهود المقدسة الأخرى، مثل التلمود، والتي تدعو ضمن ما تدعو إليه إلى قتل واستعباد الآخر غير اليهودي، أو ما يطلق عليه اسم "الجوييم" في اللغة العبرية.

 

وبعيدًا عن القيم الدينية التي قامت دولة الاحتلال الصهيوني عليها، فإنَّ الدافع الأبرز الذي يقودنا إلى طرح هذا الرأي هو قراءة سريعة لتطورات الأحداث في غضون الأشهر القليلة الماضية، فإنْ كان رئيس الوزراء الصهيوني المكلف بنيامين نتنياهو متطرفًا، فما هي طبيعة البديل؟!.

 

البديل إمَّا تسيبي ليفني زعيمة حزب كاديما التي قادت ملف المفاوضات مع الجانب الفلسطيني طيلة السنوات الماضية، وتبنت مواقفًا شديدة التطرف في وجه المفاوض الفلسطيني، خصوصًا في شأن القدس واللاجئين، وإما إيهود باراك زعيم حزب العمل، وهو وزير الحرب في حكومة رئيس الوزراء الصهيوني المنصرف إيهود باراك، وكلٌّ من ليفني وباراك شريكًا في جريمة العدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة.

 

كما أنَّ حزب العمل الذي يقوده باراك، هو الذي رفع البندقية في وجه العرب طيلة عقودٍ من الصراع العربي- الصهيوني، فهو الذي كان يقود الحكومة الصهيونية خلال حروب الـ48، والـ56، والـ67، والـ73، وكذلك هو الذي كان يقود الحكومة خلال مجزرة قانا في منتصف التسعينيات الماضية، وهذا للتذكير بالحقائق ليس أكثر.

 

ولذلك، وعند الحديث عن الحكومة الصهيونية المقبلة، لن يكون الأمر تدقيقًا في طبيعتها، وما إذا كانت حكومة يمين متطرف أو يمين وسط، بانضمام "العمل" إليها، فحتى مع التسليم بأنَّ انضمام حزب العمل إلى حكومةٍ يقودها نتنياهو، سوف يخفف من طبيعتها اليمينية أو الدينية، التي تكرَّست بانضمام "إسرائيل بيتنا" و"شاس" إلى الليكود إليها، فإنَّ تاريخ حزب العمل ليس ناصع البياض مع العرب كما تقدم.

 

حكومة موسعة

 الصورة غير متاحة

 أفيجدور ليبرمان

ولكن الملاحظة الأبرز على هذه الحكومة الصهيونية هو اتساع نطاقها، مع توزيع الحقائب السيادية المهمة على الأحزاب الرئيسية في الائتلاف الموسع الذي وصل عدد نوابه في الكنيست الصهيوني الجديد إلى 66 مقعدًا، من إجمالي 120 مقعدًا في الكنيست.

 

وبموجب الاتفاق الذي وقَّعه "الليكود" (27 مقعدًا) مع "إسرائيل بيتنا" (15 مقعدًا)، سيحصل الأخير على خمس حقائب وزاريةٍ، وهي: الخارجية، وهذه سيتولاها أفيجدور ليبرمان، بالإضافةِ إلى وزارات الأمن الداخلي، والبنية التحتية، والسياحة، واستيعاب المهاجرين.

 

أما حزب العمل (13 مقعدًا) سوف يحصل على أربع حقائب وزاريةٍ، وهي: الدفاع- سوف يتولاها باراك- والزراعة، والصناعة والتجارة، والرعاية الاجتماعية.

 

أما حزب "شاس" (11 مقعدًا)، فسوف يحصل على أربعة مناصب وزارية، وهي حقيبة وزارة الداخلية، وسوف يشغلها رئيس الحزب إيلي يشاي، الذي سوف يكون أيضًا نائبًا لرئيس الحكومة، بجانب وزارتَيْ البناء والإسكان التي سيشغلها أرئيل آتياس، والأديان التي سيشغلها إما يعقوب مارجي أو إسحاق كوهين، بينما سوف يتم تعيين مشولام نهاري وزيرًا بدون حقيبة، كما سوف يحصل "شاس" أيضًا بموجب اتفاقه مع الليكود، على منصب نائب وزير، ورئاسة إحدى لجان الكنيست.

 

كما حصل الحزب الديني على زيادةٍ كبيرةٍ في الإعانات العائلية، ومخصصات المدارس الدينية بلغت حوالي ما بين مليار إلى مليارٍ ونصف المليار شيكل خلال ثلاث سنوات، كان يطالب بها خلال مفاوضات الائتلاف الفاشلة التي خاضتها تسيبي ليفني صيف العام الماضي معه.

 

حرية حركة

من خلال نماذج وتجارب سابقة، تعلمنا من التاريخ السِّياسيِّ الصهيوني أنَّ الحكومات الائتلافية المُوسَّعة تكون أكثر قدرةً على العمل، وفي غالبية الحالات يكون قرارها في مواجهة تحديات الصراع العربي الصهيوني ذا اتجاهٍ عسكريٍّ.

 

ولعل النموذج الأهم في هذا الشأن هو ما جرى عشية حرب يونيو من العام 1967م، ففي شهر مايو، وبعد وضوح تدهور الأوضاع في الشرق الأوسط إلى حافة الحرب بعد الاشتباكات السورية- الصهيونية وإعلان مصر التعبئة العامة، اضطر رئيس الوزراء الصهيوني في ذلك الحين ليفي أشكول (ماباي أو العمل حاليًّا)، نتيجةً لتنامي الأزمة السياسية مع المعارضة ودخول الكيان الصهيوني إلى أجواء الحرب، إلى تشكيل حكومةٍ ائتلافيةٍ.

 

فاستقال أشكول من منصبه كوزيرٍ للدفاع، وعين مكانه موشى ديان (العضو آنذاك في حزب رافي الذي كان يتزعمه ديفيد بن جوريون) في ذلك المنصب، وعمد أشكول إلى توسيع ألوان الطيف السياسي الذي كانت تشمله حكومته، لكي تتحمل كافة الأحزاب والقوى الصهيونية مسئولية قرار الحرب الذي كان الجيش يضغط بشدةٍ على رئيس الوزراء الضعيف أصلاً لخوضها.

 

فضمَّ أشكول حزب "جاحال" الذي كان يتزعمه الإرهابي الهالك مناحيم بيجين في ذلك الحين، والذي كان الأب الشرعي لحزب "حيروت" الذي خرج الليكود بدوره من عبائته، وأصبح بيجين للمرة الأولى وزيرًا، ولكن بلا حقيبة وزارية، وعندما تم ترتيب الأمور على هذا النحو اتُّخذ قرار الحرب فعليًّا في الكيان الصهيوني.

 

ولعله في ضباب الحرب قبل العدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة، ما كان يُنبئ بأنَّ حكومة أولمرت المنصرفة سوف تتخذ قرارًا عسكريًّا ضد حركة حماس والفلسطينيين في القطاع المُحاصَر، مع حرص تسيبي ليفني بعد فوزها بزعامة حزب كاديما على أمرَيْن:

- الإبقاء على إيهود باراك في منصبه كوزيرٍ للدفاع، والإبقاء على "العمل" عمومًا في الائتلاف الحكومي.

- محاولة تشكيل ائتلافٍ موسَّعٍ مع اليمين الصهيوني ممثلاً في "الليكود" و"شاس".

 

وفي رأي مراقبين، فإنَّ الجهدَ المحمومَ الذي قادته ليفني في ذلك الوقت كان يحمل إشاراتٍ لا تخطئها العين في شأن أنَّ هناك قرارًا عسكريًّا متخذًا في حقِّ غزة، وأنَّ ليفني كانت ترغب في توسيع نطاق مسئولية القرار داخل الكيان الصهيوني في هذا الشأن، وهو ما ثبت صحته فيما بعد؛ حيث تحدثت تقارير صهيونية عدة أثناء وبعد الحرب عن أنَّ الإعداد لحرب غزة بدأ منذ التوصل إلى التهدئة الأولى في يونيو 2008م الماضي.

 

والفكرة في هذا الإطار- بجانب ضمان مشاركة أكبر قدرٍ ممكنٍ من شرائح الشعب الصهيوني في صناعة قرارٍ على هذه الدرجة من الخطورة- هي أنَّ الحكومات الائتلافية المُوسَّعة تتفادى قيود المعارضة، وعقباتها أو حتى مناكفاتها السياسية، مع كون الحكومات الائتلافية الموسعة تضم الأحزاب الأكبر القادرة على إثارة مشكلاتٍ سياسيةٍ أو معارضة القرارات المهمة في الكنيست وفي الشارع.

 

إشارات جديدة

 الصورة غير متاحة

دبابات صهيونية بالقرب من حدود غزة

لا يمكن إرجاع قرار نتنياهو بضم حزب العمل، ومحاولاته ضم "كاديما" إلى ائتلافه الحاكم، إلى رغبته في إبقاء الباب مواربًا أمام إمكانية التفاوض مع الفلسطينيين، أو تحسين صورة حكومته أمام الاتحاد الأوروبي، وجعلها أكثر قبولاً، بعد الانتقادات الأخيرة التي وجهها الأوروبيون لنتنياهو وتحذيراتهم له من أنَّه سيواجه "أوقاتًا صعبة" إذا لم تعترف حكومته بحلِّ الدولتَيْن مع الفلسطينيين.

 

الغالب أنَّ الفترة القادمة قد تشهد عدوانًا عسكريًّا صهيونيًّا جديدًا على قطاع غزة، وهو احتمالٌ له ما يؤيده، فمنذ انتهاء الحرب الأخيرة على قطاع غزة، والتي أوقعت أكثر من 1400 شهيدٍ وأكثر من 5200 جريح دأبت الأوساط السياسية والعسكرية الصهيونية على الحديث عن إعادة العدوان على غزة لإنهاء ملف إطلاق الصواريخ من قطاع غزة على المدن والبلدات الصهيونية المجاورة.

 

وفي حقيقة الأمر فإنَّ هذه التهديدات لا محلَّ لها من الواقع؛ لأنَّ الصواريخَ توقف انطلاقها من قطاع غزة، وأعلنت حركة حماس أنَّه ليس من المصلحة الفلسطينية في شيءٍ إطلاق الصواريخ في الوقت الراهن على الكيان الصهيوني، وهي بانتظار ما سوف تسفر عنه الأمور فيما يخص التهدئة طويلة المدى واتفاق تبادل الأسرى المتعثر بين الجانبَيْن.

 

ومما يُثير المزيد من علامات الاستفهام حول الموقف العسكري والسياسي على جبهة غزة في الفترة المقبلة ما أعلنته وزارة الحرب الصهيونية من أنَّ الكيان سيقوم بإجراء مناورةٍ ضخمةٍ في الثاني من يونيو القادم تشمل كافة الأراضي المحتلة تحسبًا لـ"هجومٍ صاروخيٍّ هائلٍ" على الكيان.

 

وقال ماتان فيلنائي نائب وزير الحرب في الكيان، والذي سبق له وأن هدد بإعادة شن الحرب على قطاع غزة: "إنَّ الغرض من هذه المناورة هو إدخال ثقافة الطوارئ لكل "الإسرائيليين"، وكأنَّما الحرب على وشك الاندلاع غدًا".

 

كما أنَّه من المقرر أنْ تصادق أجهزة الأمن الصهيونية هذا الأسبوع على مناورة الجبهة الداخلية، والتي تُعرف بـ"نقطة تحول- 3"، والتي تشارك فيها جميع الأجهزة المعنية، وسوف تُجرى في ظروفٍ مشابهةٍ لظروفٍ تُعرِّض الكيان لهجوم صاروخيٍّ شاملٍ.

 

الفلسطينيون وأوساط عربية أخرى اعتبرت هذه الإجراءات من جانب الكيان الصهيوني اعترافًا ضمنيًّا بفشل الإجراءات الصهيونية في وقف أنشطة المقاومة الفلسطينية الصاروخية، إلا أنَّ هذه الترتيبات لا محلَّ لها من الإعراب في ظل ظروف هدوء جبهة غزة الحالية، وعدم كونه من المتصور أنْ تشن إيران هجومًا صاروخيًّا على الكيان الصهيوني.

 

ويعود ذلك إلى التهدئة التي بدأتها الولايات المتحدة مع إيران بعد تولي الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما للسلطة في البيت الأبيض، وحاجته لإيران في ملف أفغانستان بعد التهدئة التي ساعدت عليها طهران في العراق، وإقدام إيران على خوض غمار انتخاباتٍ رئاسيةٍ في يونيو المقبل، كما أنَّ الوضعَ في الشرق الأوسط لا يُشير إلى أنَّه مقبلٌ على حربٍ إقليميةٍ جديدةٍ.

 

التفسير الوحيد لهذه التحركات السياسية والإجراءات العسكرية والأمنية الصهيونية هو أنَّ الكيانَ يتحسب لقصفٍ صاروخيٍّ لن يأتي من إيران، وإنَّما من قطاع غزة في حرب جديدةٍ قد تنفتح فيها جبهة جنوب لبنان هذه المرة بعد الانتقادات التي وجِّهت لحزب الله في عدوان غزة الأخير بسبب صمت جهة الجنوب اللبناني خلال الحرب.

 

وهو ما يبدو واضحًا في تصريحات فيلنائي التي قال فيها بالحرف إنَّه "لا يخفى على أحدٍ وقوع "إسرائيل" في مرمى الصواريخ من أقصى الشمال حتى إيلات، ويجب ألا يستخف الناس بهذه المناورات؛ لأنَّ وقوع أي هجومٍ صاروخي يمكن أنْ يطول كل "إسرائيل"، والتهديدات موجودة".

 

ومع وضوح موقف حماس من مسألة إطلاق الصواريخ في المرحلة الحالية، فإنَّ حماس والمقاومة الفلسطينية لن تعمد إلى مهاجمة الكيان الصهيوني، ما لم يبادر هذا الأخير إلى مهاجمة غزة في محاولةٍ منه لإنهاء ملف حماس جذريًّا.

 

ولعل في وقعة الهجوم على شمال وشمال شرق السودان في يناير وفبراير الماضيَيْن، والتي تجيء وفق مراقبين ضمن ترتيبات الاتفاقيات الأمنية التي أبرمتها ليفني مع واشنطن والاتحاد الأوروبي قبيل أيامٍ من انتهاء الحرب على غزة، لوقف تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة برًّا وبحرًا.. مؤشرًا واضحًا على أنَّ الخيار العسكري دائمًا أقرب إلى أنامل قادة الحرب والدمار في الكيان الصهيوني.

 

ونختم بتعليق لإيهود أولمرت على أحداث السودان؛ له دلالاته في هذا الشأن؛ حيث قال: "إنَّنا نتحرك في عدة أماكن قريبة وبعيدة، ونشن غارات من شأنها أنْ تعزز قدرتنا على الردع، و"إسرائيل" تتحرك حيث يمكننا استهداف البنى التحتية الإرهابية".