أنهى المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط جورج ميتشل زيارته الأخيرة للشرق الأوسط دون أن تسفر عن أية نتائج جديدة سوى بعض الوعود الرنانة التي لا تُغني ولا تُسمن من "جوع".

 

وشملت زيارة ميتشل الثالثة منذ توليه ملف الشرق الأوسط في إدارة أوباما الجديدة كلاًّ من القاهرة، ورام الله، والكيان الصهيوني؛ حيث جدد تمسك الإدارة الأمريكية الجديدة بحل الدولتين "الصهيونية والفلسطينية "باعتبار أن تحقيق السلام مصلحة قومية أمريكية.

 

ويعتقد المراقبون أن وعودَ ميتشل امتداد للوعود الكاذبة التي رددتها الإدارة الأمريكية السابقة بقيادة بوش مرارًا وتكرارًا دون أن تحقق أيًّا منها.

 

وأجمع العديد من المراقبين أن زيارة ميتشل لم تحقق أية نتائج جديدة، وأنها جاءت "لذر الرماد في العيون"، وتحقيق بعض المصالح الأمريكية من خلال تحجيم نفوذ إيران وإعداد العدة لضربها.

 

واستمع ميتشل خلال زيارته لمقاطعة رام الله إلى الموقف الفلسطيني من استئناف مفاوضات السلام مع الحكومة الصهيونية بقيادة المتطرف نتنياهو؛ حيث التقى كلاًّ من الرئيس عباس ورئيس حكومته اللاشرعية سلام فياض، وعددًا من قيادات السلطة الفلسطينية.

 

وأكد ميتشل التزامَ إدارة الرئيس باراك أوباما بحل الدولتين؛ "حيث تعيش دولة فلسطينية في سلامٍ بجانب دولة الكيان الصهيوني".

 

وقال ميتشل: "هذا هو هدفنا، هذا هو ما سنسعى من أجله بقوةٍ في الشهور القادمة، وطالب عباس ميتشل بالضغط على الحكومة الصهيونية لإلزامها بحل الدولتين وتفاهمات مؤتمر أنابوليس.

 

 الصورة غير متاحة

جورج ميتشل خلال لقائه بمحمود عباس رئيس السلطة المنتهية ولايته

مطالب الرئيس عباس الذي بدا متخوفًا من سياسات نتنياهو القادمة وتأثيرها على مشروع التفاوض الاستسلامي جاءت في أعقاب استباق نتنياهو زيارة المبعوث الأمريكي ميتشل بتأكيد أن أية مفاوضات بشأن دولتين يجب أن تكون مشروطةً باعتراف الفلسطينيين بالكيان الصهيوني "دولة يهودية".

 

وفي السياق، يبدو أن إدارة أوباما ترفض هذا الطرح؛ حيث كشفت صحيفة (هآرتس) الصهيونية عن أن إدارة ‏الرئيس الأمريكي باراك أوباما تعكف على إعدادِ خطةٍ للسلام بهدف تحقيق انفراجةٍ في ‏الصراع ‏الصهيوني- الفلسطيني باعتباره ضروريًّا لاستقرار الشرق الأوسط وتحجيم نفوذ إيران في ‏المنطقة‎.

 

وانتقد صائب عريقات أحد كبار ‏مساعدي عباس اشتراط الاعتراف بيهودية ‏الدولة الصهيونية، ووصفه بأنه "هلوسة" من جانب نتنياهو، وقال عريقات: "هذا تبريرٌ لعدم القبول بحل الدولتين، مشيرًا إلى ‏أن دولة الكيان وقَّعت اتفاقيات سلام مع الأردن ومصر دون مطالبتهم أولاً الاعتراف بها كدولة ‏يهودية.

 

وأضاف عريقات أن زيارة ميتشل كانت "استكشافية"، وأن الجانبَ الفلسطيني أكد التزامه بكافة ‏الاتفاقيات التي حققتها المفاوضات السابقة بين الطرفين.

 

ويرى الكاتب والمحلل السياسي د. عبد الستار قاسم أن زيارة ميتشل لا تُغني ولا تُسمن من جوع مضيفًا: "هذه الزيارة جاءت لاستطلاع واستكشاف الأوضاع وكبح جماح الحكومة الصهيونية بقيادة نتنياهو "قليلاً" تجاه الفلسطينيين للتفرغ والتوجه نحو إيران وتحجيم نفوذها.

 

ويعتقد قاسم أن الإدارة الأمريكية بقيادة أوباما لديها حاليًّا أولويات أكثر أهميةً من القضية الفلسطينية مضيفًا: "أهمها إيران وسوريا وحزب الله وحماس وكيفية التخلص من نفوذهم في منطقة الشرق الأوسط".

 

ويضيف: "الإدارة الأمريكية ليس لديها نوايا ولا تفكر بأي دولة فلسطينية، كما يعتقد عباس ووفده المفاوض، مستدركًا: "عندما تتحدث الإدارات الأمريكية عن دولتين فالمقصود دولة صهيونية يهودية وكيان فلسطيني يعمل وكيلاً لأمن الكيان.

 

ويشير إلى أن الرئيس عباس سيواصل مشوار التفاوض الفاشل رغم الموقف الصهيوني المعلن بعدم الاعتراف بدولتين قائلاً: "عباس اختار هذا الطريق ليس بدافع وطني وإنما المهم تحقيق الامتيازات الشخصية مقابل جرِّ شعبنا الفلسطيني للهلاك.

 

ويعتقد أن المفاوضَ الفلسطيني لن يجرؤ على وقف مهزلة المفاوضات إلا أن يتجرد من مصالحه الشخصية ويتغلب على ارتباطاته السابقة.

 

وتوافق الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون مع رأي قاسم؛ حيث يرى أن إدارة أوباما لا تحمل أي جديدٍ للقضية الفلسطينية عدا الوعود والكلام المعسول بدون أي تحركٍ عملي؛ مشيرًا إلى عدة أسباب أهمها أن هذه الإدارة لا تضع القضية الفلسطينية على سلم أولوياتها، ووجود إدارة حكم متطرفة في الكيان الصهيوني لا تتجاوب مع جهود السلام ولا تهمها المفاوضات.

 

وتعطي زيارة ميتشل من وجهة نظر المدهون الوقت والفرصة لتعزيز الواقع الصهيوني في التمدد الاستيطاني في الضفة وعمليات تهويد المدينة المقدسة، بالإضافةِ إلى تضييق الخناق على السكان الفلسطينيين في فلسطين المحتلة عام 48م.

 

وفيما يتعلق بتمسك إدارة أوباما بحلِّ الدولتين قال المدهون: "لم تقدم أي جديدٍ لأنه من قبل تحدث عن دولة فلسطينية، بل إنه كان مع كل فترة رئاسية له يعطي وعودًا بإقامة هذه الدولة، وكانت تمر السنوات دون أي شيء عملي.

 

وأضاف: "حل الدولتين بالطريقة الأمريكية حل مبهم غير واضح يتحدث بالعموميات، ويبتعد عن التفصيل، وهو لـ"ذر الرماد في العيون".

 

وأكدت حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية حماس من جانبها أن زيارة جورج ميتشل المبعوث الأمريكي الخاص للسلام في الشرق الأوسط، لم تُسفر عن أي جديدٍ بشأن احتمال تغيير الموقف الأمريكي إزاء القضية الفلسطينية.

 

وأوضحت حماس أنها لن تعول كثيرًا على النتائج التي يمكن أن تتمخض عنها الجولة التي قام بها ميتشل حاليًّا في المنطقة.

 

وقالت حماس: "لا جديدَ في زيارة ميتشل إلى الأراضي الفلسطينية، ولا نبني على نتائجها برفع سقف توقعاتنا، فلم ينجم عنها خطوات عملية من فك للحصار وفتح للمعابر ولجم للعدوان".

 

وأضافت: "السياسة الأمريكية ما زالت تخضع لحسابات العلاقات الأمريكية الصهيونية على حساب حق شعبنا الفلسطيني في العيش بحرية وأمان كباقي شعوب المنطقة".

 

 الصورة غير متاحة

 ميتشل التقى رئيس الوزراء الصهيوني بنامين نتنياهو

من الجدير ذكره في هذا السياق، أن نتنياهو المتشدد وزعيم حزب "الليكود" لم يعلن تأييده لحل إقامة ‏الدولتين حتى الآن، وبدلاً من ذلك، طالب نتنياهو الاعتراف بالكيان كدولةٍ يهودية، فيما بدا أنه شرط جديد لاستئناف محادثات السلام‎.‎

 

وقال وزير الخارجية الصهيوني المثير للجدل ليبرمان: "‏إن المسارات السابقة لحل الصراع مع الفلسطينيين مثل اتفاقيات أوسلو المُوقَّعة 1993م فشلت في ‏تحقيق أهدافها ومطلوب إيجاد "أفكار جديدة".‏

 

ونقلت صحيفة صهيونية عن دبلوماسي أمريكي كبير قلقه من مطالبة نتنياهو الفلسطينيين ‏بالاعتراف بالكيان كدولةٍ يهودية، واصفًا ذلك بأنه مضيعة للوقت، وقال الدبلوماسي لصحيفة ‏‏(معاريف): "إسرائيل تُحدد نفسها بالشكل الذي تراه مناسبًا، ولماذا نطالب الفلسطينيين ‏الاعتراف بها كدولة للشعب اليهودي وليس دولة أمة؟".

 

ورفضت حكومة نتنياهو عملية أنابوليس التي أطلقتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش في ‏قمة عقدت في نوفمبر 2007م في عاصمة ولاية مريلاند؛ وذلك بإعلان وزير الخارجية ‏ليبرمان في خطاب تنصيبه منذ أسبوعين أن قرارات مؤتمر أنابوليس غير ملزمة للكيان؛ لأنه لم ‏يقرها أحدٌ، على حدِّ تعبيره.

 

واعتبر د. يوسف رزقة المستشار السياسي لرئيس الوزراء الفلسطيني أن حديث نتنياهو عن الاعتراف بيهودية الدولة قبل البدء بمحادثات السلام وحل الدولتين هو غطاءٌ إعلامي لحقيقة جوهرية خطيرة تتعلق بالحقوق الفلسطينية وحق العودة.

 

وقال رزقة: "إن الحديثَ عن يهودية الدولة يعني شطبَ حق العودة للفلسطينيين الذين شُردوا من ديارهم في العام 48م، وتنكرًا واضحًا لقرارات الأمم المتحدة الخاصة بهذا الصدد، خاصةً القرار 194".

 

وأضاف رزقة: "إن طرح نتنياهو لمصطلح الدولة يهدف للخروج من المواجهة الإعلامية مع الجانب العربي والدولي، لافتًا إلى أنه لا توجد دولة في العالم تقوم على هذا الأساس".

 

وشدَّد على أن المجتمعَ الدولي ملزم بتوفير الحقوق الفلسطينية التي تنصُّ عليها قرارات الأمم المتحدة، داعيًا للنظر بخطورةٍ لهذا التصريح.