أسئلةٌ عديدةٌ تُثيرها المقاطعات التي شهدها مؤتمر الأمم المتحدة لمناهضة العنصرية المنعقد في مدينة جنيف السويسرية، والمعروف باسم "ديربان 2"، ولعل أبرز هذه الأسئلة هي تلك المتعلقة بحدود حرية الرأي والتعبير في الديمقراطيات الغربية، بعدما شهد المؤتمر اعتراضات على إدانة وثيقته الختامية الأولية للكيان الصهيوني، ومشاركة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد فيه.
الغرب الذي يتشدق بحقوق الإنسان، وعلى رأسها حرية الرأي والتعبير، لم يجد غضاضةً في التحريض على الكراهية ضد الإسلام والعرب والمسلمين، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، والإساءة للرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم-، بحجة أنَّ الرسوم المسيئة والهجوم على الإسلام يأتي في إطار "مقدسات" الديمقراطية الغربية وحرية التعبير عن الرأي.
لكن هذا الغرب أيضًا، رأى أنَّ انتقادات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد للكيان الصهيوني، ومحاولات الدول العربية لفرض بيانٍ ختامي ينتقد العنصرية الصهيونية، "جريمة حرب" تتجاوز كل ما فعلته آلة الدمار الصهيونية في غزة في ديسمبر ويناير الماضيَيْن، بحيث يستوجب الأمر مقاطعة مؤتمر تنظمه الأمم المتحدة لأجل الكيان الصهيوني.
عالم ثالث أم أول؟!
ما جرى من انسحاباتٍ في المؤتمر قبل أنْ يبدأ ومن الجلسة التي ألقى فيها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد كلمته، يوضِّح الفارق بين ديمقراطية العالم الثالث في جنوب إفريقيا، وبين ديمقراطية الغرب في أوروبا.
ديمقراطية العالم الثالث في جنوب إفريقيا اعتبرت في المؤتمر الأول المنعقد في ديربان في العام 2001م الصهيونية بمثابة حركة عنصرية، في ظل الزخم الذي كانت انتفاضة الأقصى الثانية التي اندلعت في سبتمبر من العام 2000م قد أوجدته في الضمير العالمي، بعد جرائم الحرب الصهيونية في الأراضي العربية المحتلة، بينما الغرب في سويسرا رأى في انتقاد الكيان الصهيوني جريمة تستوجب مقاطعة المؤتمر.
توقيت انعقاد المؤتمر في حدِّ ذاته كان ملغومًا، فهو يتوافق مع احتفالات الكيان الصهيوني بذكرى ما يُعرف بالهولوكوست اليهودي في الحرب العالمية الثانية؛ حيث يزعم اليهود أنَّ النظام النازي في ألمانيا قتل أكثر من ستة ملايين يهودي خلال سنوات الحرب الستة (1939- 1945م) سواءً من اليهود الألمان أو في البلدان التي احتلتها ألمانيا النازية خلال سنوات الحرب، ومن هنا توافرت الكثير من القيود الأخلاقية والسياسية على المؤتمر، ولعلها كانت مقصودةً، خصوصًا مع معرفة المنظمين، وباقي أطراف المؤتمر أنَّ المشاركة الإيرانية سوف تصحبها الكثير من السجالات حول الجرائم الصهيونية خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة.
معركة في جنيف
أحمدي نجاد في ديربان
جنيف كانت على موعدٍ مع معركةٍ دبلوماسيةٍ حقيقيةٍ، فمنذ ما قبل المؤتمر، كانت المقاطعات الأمريكية والإيطالية والهولندية والأسترالية له؛ احتجاجًا على حضور الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، والانتقادات الحادة الموجهة للكيان الصهيوني بسبب العدوان على قطاع غزة.

ولما أعلن الرئيس السويسري هانز رودولف ميرتز عن لقائه مع نجاد، استدعى الكيان سفيره في سويسرا "للتشاور"؛ احتجاجًا على اللقاء.
وعندما أدان نجاد في كلمته ما وصفه بالدور الذي لعبه مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة في تأسيس الكيان الصهيوني و"غض الطرف عن جرائمه في فلسطين"، انسحبت عدة وفود غربية من المؤتمر الذي نظمته الأمم المتحدة, واعتبرت الدول المنسحبة تصريحات نجاد بأنَّها "خطاب للكراهية".
كلمة نجاد؛ وصفت الكيان الصهيوني بأنه "نظام عنصري"، وقال نجاد: "إنَّ الاحتلال "الإسرائيلي" يفرض حكمًا قاسيًا وقمعيًّا وعنصريًّا" على الشعب الفلسطيني"، مضيفًا أنَّه "بعد الحرب العالمية الثانية لجأوا إلى الاعتداءات العسكرية، لكي يجعلوا أمةً بأكملها بلا مأوى تحت ذريعة معاناة اليهود".
وأضاف: "أرسلوا المهاجرين من أوروبا والولايات المتحدة وأجزاء أخرى من العالم من أجل إقامة حكومة عنصرية تمامًا في فلسطين المحتلة"، كما وجه الرئيس الإيراني انتقادات للسياسات الأمريكية إزاء العراق وأفغانستان، داعيًا لإصلاح الأمم المتحدة.
تلقى نجاد مقاطعات أكثر من مرةٍ أثناء إلقائه كلمته من بعض الحاضرين في القاعة، وأثارت مواقفه موجة من ردود الفعل القوية عبر العالم، ففي الكيان الصهيوني قال رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو إنَّه "لن يسمح لمن ينكرون الهولوكوست أنْ ينفذوا محرقة أخرى ضد اليهود"، وقال أثناء إحياء الذكرى السنوية لما يُعرف بمحرقة اليهود في الحرب العالمية الثانية: "إنَّ مؤتمر الأمم المتحدة لمناهضة العنصرية يمثل مناسبة لمعاداة "إسرائيل"".
وفي واشنطن قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية روبرت وود: إنَّ كلمة نجاد تمثل "خطابًا مرعبًا"، مشددًا في الوقت نفسه على فتح بلاده حوارًا مع طهران لإصلاح العلاقات بين الطرفين.
وفي باريس أصدر مكتب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بيانًا اتهم فيه الرئيس الإيراني بإشاعة الكراهية والعنصرية، داعيًا الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ ما وصفه بـ"موقف حاسم من التصرفات الإيرانية".
وقال السفير البريطاني لدى الأمم المتحدة بيتر جودرهام: إنه انسحب من الجلسة اعتراضًا على "احتكار الرئيس أحمدي نجاد لهذا المؤتمر في الوقت الذي لا يعتبر هو شخصيًّا (أي الرئيس الإيراني) النموذج المعترف به في مجال احترام حقوق الإنسان".
كما وصف الفاتيكان كلمة أحمدي نجاد بأنها متطرفة وغير مقبولة، لكن المتحدث باسم الفاتيكان دافع عن المشاركة في المؤتمر عقب انتقادات صهيونية للفاتيكان بسبب ذلك، وقال الفاتيكان إنَّها مناسبة مهمة لدعم التسامح ومكافحة العنصرية.
أما الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون فقد أعرب عن "رفضه القاطع لاستغلال هذا المنبر الدولي من قِبل الرئيس الإيراني لتوزيع الاتهامات والتحريض وإثارة الفرقة والانقسام بشكلٍ يناقض الأهداف التي يتوخاها المؤتمر".
وأدان رئيس البرلمان الأوروبي هانز جيرت بوترينج كلمة نجاد، وقال إنَّه على "الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي أنْ يدينا بحسمٍ هذه البيانات، والعمل بتصميم على ضمان أمن "إسرائيل" في حدود آمنة، والدولة الفلسطينية في حدود آمنة، وأنَّهما يستطيعان العيش في سلام".
وقررت التشيك، التي ترأس الاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن، إعادة الوفد الذي يمثلها في المؤتمر؛ الأمر الذي يعني انسحاب الوفد ومقاطعة المؤتمر بشكلٍ كاملٍ.
عنصرية صهيونية
نتنياهو حزينًا بعد سماعه خطاب نجاد في ديربان
والسؤال: هل كانت كلمة نجاد وانتقاداته جديدة أو بعيدة عن الحقيقة؟، كلا بطبيعة الحال، والغرابة أنَّ الصهاينة قالوا عن أنفسهم ما هو أسوأ، فمثلاً يقول بيني موريس، أحد قيادات مدرسة ما يُعرف باسم "المؤرخين الجدد" في الكيان الصهيوني: "إن ديفيد بن جوريون (مؤسس الكيان الصهيوني) ارتكب خطأً إستراتيجيًّا كبيرًا بعدم إتمام مهمة الترانسفير في العام 1948م"، وأكد موريس أنَّه "من المستحيل إقامة دولة "إسرائيل" النقية دون طرد العرب من مدنهم وقراهم".

وليس موريس استثناءً من الواقع الصهيوني، ولا يعبر عن تيارٍ واحدٍ من بين التيارات السياسية والفكرية هناك، بل إنَّ ما قاله يعتبر ميثاقًا غير مكتوبٍ للكيان الصهيوني، وعبَّرت عنه في السنوات القليلة الماضية مختلف التيارات السياسية، بما فيها أطراف في الحكومة الصهيونية ذاتها، ولا ننسى في هذا الإطار ما سبق وأنْ أشارت إليه وزيرة الخارجية الصهيونية السابقة تسيبي ليفني في تصريحاتٍ أثارت العديد من السجالات.
ولم يألُ رئيس الوزراء الصهيوني الجديد بنيامين نتنياهو جهدًا منذ توليه السلطة في الكيان الصهيوني في عرض وجهة نظره عن "يهودية الدولة" في الكيان الصهيوني، وضرورة الحفاظ على "نقائها" الديني، في إشارةٍ صريحةٍ لفكرة الترانسفير.
ويرفض الكيان الصهيوني بشدة فكرة إعادة تعريف هويتها لتصبح دولة لمواطنيها جميعهم شريطة إلغاء قانون العودة لليهود، وإقراره للفلسطينيين الذين هجرتهم من بلادهم.
عنصرية غربية
فرنسا في مقدمة الدول الأكثر اهتمامًا بحماية الكيان
أما ما جرى في "ديربان 2" فهو يبرز عنصرية الغرب بصفةٍ خاصةٍ، فالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وفي عنصريةٍ واضحةٍ وتأييد صريحٍ للكيان الصهيوني دعا الاتحاد الأوروبي إلى إبداء "الحزم الشديد" تجاه كلمة الرئيس الإيراني في "ديربان 2"، ووصفها بأنَّها "دعوة إلى الحقد العنصري لا ينبغي السكوت عنها".

وبينما نجح مؤتمر "ديربان 1" في العام 2001م، بالخروج بقرارٍ يُعيد تثبيت قرار الأمم المتحدة الذي يعتبر "الصهيونية أيديولوجية عنصرية"، تسنى للغرب تسميم الوثيقة الختامية، لـ"ديربان 2"، وتخليصها من كل ما من شأنه أنْ يدين الكيان الصهيوني.
وكانت فرنسا في مقدمة الدول الغربية الأكثر اهتمامًا بحماية الكيان الصهيوني في المؤتمر، وقادت الدبلوماسية الأوروبية والغربية في هذا الاتجاه.
والآن السؤال المهم: كيف يمكن للغرب إقناع الشعوب العربية بديمقراطيتهم، وبأهمية التغيير نحو القيم والنموذج الغربيَيْن، بينما في حالة الرسوم المسيئة كانت لافتات "حرية التعبير" جاهزة، وفي حالة "ديربان 2" بات لحرية التعبير حدودًا؛ لأنَّ الأمر متعلق هذه المرة بالكيان الصهيوني!!.