جلست العجوز أم إبراهيم ذات الـ60 عامًا قبالة بوابة إحدى الجمعيات الخيرية بغزة، شاخصةً ببصرها صوب أحد أحفادها تارةً، ورافعةً أكفها إلى السماء تارةً أخرى، طالبةً المساعدة في سدِّ رمق وجوع أفراد أسرتها التي تعاني كغيرها من مئات الأسر الغزاوية من ضنك الحياة والفقر المدقع؛ بسبب الحصار الجائر المفروض على القطاع منذ ثلاثة أعوام، وحرم سكانه من أبسط الحقوق المعيشية والحياتية.

 

بكاؤها الحار زاد من تجاعيد وجهها التي تحكي مأساتها مع عشرين من أحفادها؛ بعد أن حرم الحصار أبناءها من العمل، وحرم الأحفاد من قوتهم، وأغلق حتى أبواب المساعدات؛ إلا من نذر قليل يتعهد به أصحاب القلوب الرحيمة.

 

ولم تكد تمر دقائق معدودة على الحديث مع العجوز حتى وقف شاب في بداية العشرينيات من عمره بجوارنا، ملامح الحزن والحسرة والإرهاق كانت ترتسم على وجهه، فيما غابت البسمة عن محياه الجميل وبدأ- وإلى جانبها- يشرح شاب عشريني مأساة ابنه الذي يرقد داخل إحدى المستشفيات ويعاني من مرض الفشل الكلوي؛ الأمر الذي يستدعي عملية جراحية عاجلة لا يقدر على مصاريفها ولا على تأمين ثمن العلاج.

 

ويعتمد أهل غزة  بشكلٍ كبير على المساعدات والجمعيات الخيرية "الكوبونات" في الحصول على ما يسد رمق أبنائهم في ظل الحصار الخانق، وتشير بعض الإحصائيات إلى أن أكثر من 85% من سكان القطاع يعيشون تحت خط الفقر، ويعتمدون على تلك الكوبونات وما توزعه المؤسسات الخيرية.

 

 الصورة غير متاحة

غزاويون في انتظار توزيع المساعدات عليهم

ويضطر المئات من المواطنين الغزيين بشكلٍ يومي ولساعاتٍ طويلة للوقوف في طوابير طويلة أمام بوابات الأونروا وبعض الجمعيات الخيرية؛ للحصول على إحدى الكوبونات لسد بعض حاجاتهم.

 

وأمام تصاعد الفقر وتشديد الحصار تئن وتشتكي الجمعيات الخيرية بغزة تحت ضغط طلبات سكان القطاع، لا سيما والحصار ينال منها أيضًا، كما يقول مسئولو المجمع الإسلامي إحدى الجمعيات الرائدة في العمل الخيري بقطاع غزة منذ سنوات طويلة.

 

ويؤكد نضال شبانة مدير المجمع أن الحصار الظالم الذي فرض على قطاع غزة أثر على جميع مناحي الحياة فيها، ولم يرحم أحدًا بمن فيهم المحتاجين الذين لم يتمكنوا من توفير قوت يومهم لعائلاتهم التي اكتوت بنار الحصار.

 

ويوضح أن الجمعيات الخيرية تضررت كثيرًا، وعانت من عدم تعامل البنوك معها، ورفض استقبال التحويلات التي يتبرع بها أهل الخير من الخارج للفقراء في قطاع غزة، ولفت إلى أن التضييق على العمل الخيري وصل إلى تجميد أرصدة الجمعيات في البنوك؛ مما ضيَّق كثيرًا على عمل المجمع  كغيره من الجمعيات وأثر على الخدمات التي تقدمها للمواطنين.

 

ويضطر المجمع الإسلامي كما يشير شبانة إلى توقيف العديد من المشاريع الحياتية والإنشائية والإغاثية بسبب إغلاق المعابر ومنع دخول مواد البناء، مضيفًا: "كمثال حي عجزنا عن إنشاء مخبز لتوفير الخبز للأسر الفقيرة والمحتاجين".

 

 الصورة غير متاحة

معاناة كبيرة لأهالي غزة للحصول على الخبز في ظل الحصار

وحول الخدمات التي يقدمها المجمع يقول إنه يكفل آلاف الأيتام، ويقدم لهم الرواتب شهريًّا، كما أنه يدعم الأسر المحتاجة، ويقدم لهم المعونات والطرود الغذائية، كما يقدم في شهر رمضان الإفطار للمحتاجين، ويقدم الكسوة والحقائب المدرسية لآلاف الطلاب مع بدايةِ العام الدراسي، ويوزع المجمع كسوة العيد، ويذبح عشرات الأضاحي ويوزعها على كافة أبناء الشعب الفلسطيني كهدايا في العيد.

 

ويوضح أن هناك العشرات من المواطنين الذين يقصدونهم يوميًّا لمساعدتهم؛ كون قطاع غزة من أفقر المناطق؛ لانخفاض الدخل فيه؛ مبينًا أنه أشبه بالسجن الكبير، فكثيرٌ من العمال توقفوا عن العمل لتوقف مواد البناء، ولإغلاق الطرق، كما أن المادة التي تنفد لا يأتي غيرها بسبب الحصار وإغلاق المعابر، فمعدل الفقر في ازدياد بقطاع غزة.

 

ويشير إلى أن عددَ المستفيدين من الجمعية بلغوا  أكثر من 3000 فرد موزعين بين الأسر الفقيرة والمحتاجين والأيتام، موضحًا أن هذا العددَ في ازياد بشكلٍ كبير في ظل عجز الجمعية عن تقديم مساعداتها وخدماتها بسبب استمرار فرض الحصار، ومنع دخول المعونات والمساعدات، وارتفاع نسبة البطالة والأسر الفقيرة.

 

وأكد أن توزيع الطرود الغذائية بات نادرًا في ظل منع قوات الاحتلال لدخول المواد الأساسية التي توزعها الجمعيات على الفقراء والمحتاجين الذين يزداد عددهم يومًا بعد يوم، على أثر فقدهم لمصدر دخلهم بسبب الحصار الذي أدَّى لشحِّ جميع المواد التي تتطلبها المصانع والقطاعات المختلفة التي كانت تضم أيادي عاملة كثيرة، هذا بالإضافة إلى إقدام قوات الاحتلال على تدمير وقصف المنشآت الصناعية والورش التي كانت مصدرًا لدخل عشرات المواطنين.

 

ويسعى المجمع الإسلامي قدر الإمكان إلى تغطية بعض احتياجات سكان قطاع غزة والمحتاجين، خاصةً من خلال جمع التبرعات الداخلية والحملات الإعلامية لجمع المساعدات والأموال الإغاثية.

 

ويقول شبانة إن المساعدات تأتيهم من جميع المسلمين، فهم يعتمدون على أفراد لا دول؛ فيساعدهم رجال الأعمال والمحسنون سواء كانوا في الداخل أو الخارج، مضيفًا: "نحن نعمل انطلاقًا من عقيدتنا، ولخدمة أبناء شعبنا، فعملنا قربى لله؛ لذلك لن يتوقف أبدًا، فعمل الخير باقٍ إلى قيام الساعة، ولن ينقطع محبو الخير والمتبرعون، فبالرغم من الحصار فنحن باقون لخدمة شعبنا.

 

وأطلق المجمع مؤخرًا مشروع القسائم الشرائية بديلاً عن المواد الغذائية غير المتوفرة في قطاع غزة؛ بسبب الحصار، موضحًا أن المجمع على اتصالات متواصلة مع العديد من الجمعيات والمؤسسات في الخارج؛ لتقديم العون وبعض المساعدات واختراق الحصار، مضيفًا: "مسيرتنا متواصلة رغم أنف المحاصرين".

 

ولم تسلم جمعيات الإغاثة خارج غزة من الحصار الذي يضرب بأطنابه كافة مناحي الحياة للغزيين؛ حيث لم تتمكن هي الأخرى من تقديم خدماتها ومساعداتها والمساهمة في التخفيف من معاناة العشرات من الأسر المستورة، والتي تعاني الفقر المدقع في غزة.

 

وفقد  أكثر من 3000 يتيم في غزة قوت يومه ولقمة عيشه؛ بسبب عجز الجمعية الإسلامية داخل الخط الأخضر "فلسطين 48" المرخصة صهيونيًّا من توصيل كفالاتهم المالية؛ بسبب الحصار المشدد، ورفض البنوك التعامل معها واستقبال التحويلات.

 

وتقول عبير أبو مساعد ممثلة الجمعية في غزة: إن الأيتام في غزة حُرموا من حقوقهم، ولم يتلقوا كفالاتهم منذ 6 أشهر مضت بسبب رفض البنوك تحويلها، مضيفةً أنهم باتوا يعيشون في وضع مأساوي.

 

وتوضح أن جمعيتها تحاول جاهدةً التخفيف من معاناةِ هؤلاء المساكين من خلال تقديم بعض المساعدات العينية؛ حيث نجحت الجمعية مؤخرًا في توزيع أكثر من 15000 طرد غذائي على أسر الأيتام والفقراء.

 

وتشير إلى أن رئيس وأعضاء الجمعية يعملون جاهدين لتحويل الكفالات بالطرق القانونية إلى غزة.

 

جمعية قرطبة الخيرية شمال غزة لم تكن أحسن حالاً من سابقاتها؛ حيث تعاني كغيرها من الحصار المفروض عليها، وقلة الدعم، وتجميد للأرصدة؛ مما أثَّر على دورها وخدماتها في ظل الفقر المدقع الذي يُعاني منه المواطنون، وخاصةً في قطاع غزة.

 

ويقول المدير التنفيذي للجمعية رامز تمراز: إن الحصار الجائر حرم جمعيته من التمويل الخارجي والمساعدات العينية، مشيرًا إلى أنهم عملوا كخليةِ نحلٍ متواصلة مع الإدارة والمجتمع المدني؛ لتقديم الخدمات والمساعدات للشعب الفلسطيني، وتحدي الحصار المفروض منذ ثلاثة أعوام.

 

ويوضح أن الجمعية استطاعت تحدي الحصار بالتواصل اليومي مع أعضاء مجلس إدارتها والموظفين لتقديم الدعم الذاتي للأسر الفقيرة والمحتاجة، وتجاوز أزمة التحويلات الخارجية.

 

يُشار إلى أن جمعية قرطبة تأسست بمبادرة فردية من بعض الشباب شمال غزة؛ نظرًا لاحتياجات المجتمع والعديد من الأسر الفقيرة والمحتاجة للعمل الخيري والتنموي.

 

وأكد أن عددَ المستفيدين من خدمات الجمعية تجاوز 3450؛ موزعين بين الأسر الفقيرة والعاطلين عن العمل، مشيرًا إلى أن الجمعية نفذت أكثر من 12 مشروعًا إغاثيًّا؛ شمل توزيع المساعدات النقدية ضمن برنامج كفالة أسرة لأخرى بـ 100 دولار، إلى جانب الطرود الغذائية، واللحوم، وبعض البرامج التنموية والترفيهية، والدعم النفسي لكافة شرائح المجتمع الغزي.

 

وكشف تقرير إحصائي فلسطيني اليوم عن ارتفاع نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر في قطاع غزة إلى 85% من جرَّاء الحصار المفروض، وأشار التقرير الذي أصدرته اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار إلى أن مستوى البطالة سجل ارتفاعًا ليصل إلى 65%.

 

وذكر التقرير أن مستوى دخل المواطن في غزة انخفض ليصل إلى ما دون 650 دولارًا أمريكيًّا سنويًّا ودولارين يوميًّا، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تراجع قدرة المواطنين الغزيين على تلبيةِ احتياجاتهم الإنسانية الأساسية.