تصريح شديد الدلالة والأهمية صدر عن وزير الخارجية في الحكومة الصومالية الجديدة محمد عبد الله عمر، والذي قال فيه: إنَّ الزعيم المعارض الشيخ حسن ضاهر أويس "يلعب دورًا مهمًّا في إعادة الأمن إلى الصومال"، ذلك البلد الذي صار له ما يقرب من نحو عقدين يخوض حربًا أهليةً أدت إلى انتشار الفوضى الأمنية والسياسية في البلاد.

 

وجسد هذا التطور المفاجئ الذي تلا عودة أويس إلى البلاد بأيامٍ قليلةٍ؛ أحد غرائب السياسة الصومالية في السنوات الأخيرة.

 

فمع عودة أويس إلى الصومال تصور الجميع أنَّ ذلك الأمر إنما هو نذيرٌ بالمزيد من التدهور في الحالة الأمنية، وتعطيلٍ مباشرٍ لمسارات العملية السياسية في البلاد، بعد المعارضة غير المتوارية التي أبداها ضاهر أويس للعملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة في الصومال، والتي استضافتها جيبوتي المجاورة على مدار السنوات القريبة الماضية، والتي تمخضت عن وصول شيخ شريف شيخ أحمد إلى سدة الرئاسة في الصومال، وتشكيله لحكومةٍ ذات طابعٍ ليبراليٍّ برئاسة عمر عبد الرشيد شارماركي.

 

فأويس عارض بشدة الانضمام إلى العملية السياسية؛ بينما لا تزال قوات الاتحاد الإفريقي مرابطة في الصومال، ووصفها- وبعض الأحزاب الإسلامية الأخرى التي لا تزال تحمل السلاح وتعارض حكم مجموعة جيبوتي من الاتحاد من أجل تحرير الصومال للبلاد- بأنَّها صنيعة الغرب، وأنَّها أتت لتنفيذ أجندة أمريكية في منطقة القرن الإفريقي.

 

 الصورة غير متاحة

آلاف الصوماليين من مؤيدي ضاهر أويس

ومع ذلك فإنَّ الوضع يبدو وكأنَّه يتجه إلى العكس، فعلى الرغم من تزايد أعمال العنف في الصومال في الآونة الأخيرة، واستهدافها لقوات الاتحاد الإفريقي ومقارٍ رسميةٍ؛ من بينها مقر البرلمان الصومالي في العاصمة مقديشيو؛ إلا أنَّ الغموض الذي أحاط بأنشطة أويس بعد عودته إلى الصومال، أشار إلى أنَّ هناك الكثير من الأمور التي تجري في الخلفيات، ولم يتم الإعلان عنها بعد، وإنْ كان تصريح الوزير الصومالي الأخير يشير إلى بعضٍ من ملامحها.

 

أويس الذي كان واعظًا أمس الجمعة في مسجد "أبو هريرة" الواقع في سوق البكارة في العاصمة الصومالية، وهي مركزٌ مهمٌ للفصائل الإسلامية المسلحة في الصومال، أبدى خلال خطبته مجموعةً من الإشارات التي توضح تغيُّر موقفه من بعض القضايا.

 

فعلى الرغم من أنَّه أعاد تأكيد موقفه الرافض لوجود قوات الاتحاد الإفريقي في الصومال، واتهاماته للغرب بأنَّه لا يريد إقامة دولة تحكمها الشريعة في البلاد؛ إلا أنَّه:

- عارض الاغتيالات المدبرة التي يُستهدف فيها بعضٌ من القياديين البارزين في المحاكم الإسلامية، والتي أودت بحياة أكثر من 5 قادة على الأقل في صفوف الإسلاميين، ولم تتضح بعدُ الجهاتُ التى تنفذ "هذه المؤامرات" التي ظهرت في الساحة بعد رحيل قوات الاحتلال الإثيوبية من الصومال في يناير المنصرم.

 

- وذكر أويس أنَّ فصائل أسمرة "لا تريد مقاتلة الحكومة الصومالية"، وقال: "لا نرغب في أنْ نخوض حربًا ضد إخواننا الذين سلكوا طريقًا آخر غير الطريق المتفق عليه معنا.. نحن نتجنب دائمًا أنْ تشتعل الحروب فيما بيننا".

 

وخلال خطبته قال أويس: "علينا أنْ نحترم دم المسلمين وعرضهم، ومن أجل ذلك أخذنا السلاح لمقاتلة الغزاة الذي يريدون طمس المعالم الإسلامية والهوية الصومالية، ولا نريد أنْ نعتدي على أحد من الصوماليين".

 

خلفياتٌ معقدةٌ

 الصورة غير متاحة

 شيخ شريف شيخ أحمد

عند انتخاب شيخ شريف شيخ أحمد رئيسًا جديدًا للبلاد، كان ذلك القرار الذي تبناه البرلمان الصومالي فجر يوم 31 يناير 2009م قرارًا مفاجئًا للكثيرين، بالرغم من أنَّ كل التطورات والشواهد في الصومال كانت تشير إلى أنَّ طرفًا إسلاميًّا "ما" هو الذي سوف يتولى الحكم في البلاد في العام 2009م.

 

فعلى الأقل؛ وباستثناء إثيوبيا؛ لم تتبق قوةٌ فاعلةٌ على الأرض سواءً على المستوى السياسي أو المستوى العسكري، سوى الفصائل والقوى الإسلامية، وكان لاتفاق جيبوتي- الذي توصل إليه ما يعرف بجناح جيبوتي من تحالف إعادة تحرير الصومال، وهو الجناح الذي يتزعمه شريف في أغسطس 2008م الماضي- دور كبير في تحريك الإثيوبيين للخروج من البلاد، وبالتالي أصبح البلد مفتوحًا أمام سيطرة أيٍّ من الأطراف الإسلامية الفاعلة، سواء تلك التي تتبنى العمل المسلح أو تنتهج النهج السلمي.

 

وعلى الرغم من وجود العديد من المؤشرات التي كانت تقول بأنَّ الإسلاميين عائدون بقوةٍ إلى الصومال في مطلع العام 2009م؛ إلا أنَّه كان أمرًا مستغربًا في واقع الحال؛ حيث إنَّ المتابع للشأن الصومالي منذ سيطرة المحاكم الإسلامية في العام 2006م، على هذا البلد العربي المسلم الذي مزقته حربٌ أهليةٌ استمرت على مدى أكثر من 18 عامًا، منذ الإطاحة بنظام الرَّئيس الصُّومالي محمد سياد بري في العام 1997م، كان سيدرك من واقع الغزو الإثيوبي للبلاد، والجهود التي قامت بها الولايات المتحدة بمختلف ما تيسَّر لها من أدوات عملٍ شملت المخابرات والعسكر والسِّياسة والتَّمويل لدعم أمراء الحرب وخصوم المحاكم الإسلامية، أنَّ الإسلاميين لن تقوم لهم قائمةٌ مرَّة أخرى في الصومال.

 

وحتى من قبل سيطرة المحاكم الإسلامية على الصومال؛ فإنَّ الولايات المتحدة عندما تبيَّن لها أنَّ الصومال سوف يصبح في ظلِّ حالة عدم الاستقرار والفوضى القائمة فيه واحدًا من أسوأ مناطق العالم على المستوى الأمني، وقد يكون موئلاً لجماعاتٍ إسلامية مسلحة تعادي الولايات المتحدة، وخصوصًا تنظيم القاعدة، وجماعاتٍ أخرى تعمل في تجارة البشر والمخدرات، بدأت في دعم عمليةٍ سياسيةٍ هشةٍ ترعاها الأمم المتحدة وجيبوتي؛ بحيث يمكن إقامة أي هيكلٍ من هياكل السلطة لحكم البلاد.

 

ولذلك ضغطت باتجاه عقد مؤتمر "عرتا" في جيبوتي في الفترة ما بين مايو ويونيو من العام 2000م، والذي أفرز عمليةً سياسيةً هشةً، أدَّت لانتخاب عبدي قاسم صلاد حسن رئيسًا للبلاد في 26 أغسطس من ذات العام، ولم يستمر في الحكم طويلاً، بسبب المعارضة الشديدة التي لقيها من زعماء الحرب الصُّوماليين الذين حاصروه في جيب صغيرٍ من العاصمة مقديشيو حتى انتهت فترة ولايته في أغسطس عام 2003م.

 

واستمرت الأوضاع الأمنية والسياسية في التدهور في الصومال على يد أمراء الحرب الذين دعمتهم إثيوبيا والولايات المتحدة، حتى سيطرت المحاكم الإسلامية بزعامة كلٍّ من شريف وأويس على البلاد في العام 2006م، وقامت بتحقيق بعض الاستقرار في أنحاء البلاد، حتى دخلت القوات الإثيوبية الصومال أواخر عام 2006م؛ لدعم الحكومة الانتقاليَّة في مواجهة اتحاد المحاكم الإسلامية.

 

ونجحت القوات الغازية في هزيمة قوات المحاكم، التي كانت تسيطر على أجزاء واسعةٍ من وسط البلد وجنوبه، وهرب شريف إلى أحراش جنوب الصومال، ثم إلى كينيا؛ حيث اعتقل في 23 يناير 2007م.

 

وفي مطلع نوفمبر الماضي عاد شيخ شريف شيخ أحمد إلى الصومال للمرة الأولى منذ عامَيْن؛ لإطلاع الزعماء المحليين وقادة الفصائل المسلحة التي كانت تحارب الوجود الإثيوبي في الصومال على اتفاق السلام الذي وقعه في جيبوتي مع الحكومة الصوماليَّة المؤقتة برئاسة نور حسن حسين عدي في 26 أكتوبر 2008م، والتي قضت بانسحاب القوات الإثيوبيَّة من الصُّومال، وذلك بعد الجولة الثَّالثة من المفاوضات غير المباشرة بين الجانبَيْن، والتي بدأت الجولة الأولى منها في مايو 2008م.

 

 الصورة غير متاحة

الأوضاع الأمنية المتوترة لا زالت المسيطرة على الصومال

وتمحور الاتفاق حول وقف إطلاق النار الذي من المفترض أنْ يكون ساري المفعول منذ 5 نوفمبر الماضي، على أنْ تقوم القوات الإثيوبيَّة ابتداءً من 21 نوفمبر ببدء المرحلة الأولى من الانسحاب من مواقعها في مدينتَيْ مقديشيو وبلدوين (330 كم شمال غرب مقديشيو قرب الحدود الصومالية الإثيوبية)، وسوف يتسلَّم 10 آلاف من أفراد الشرطة من الحكومة والتحالف مسئوليَّة الأمن، كما ستحل قوات الاتحاد الإفريقي الموجودة حاليًا في الصُّومال (3500 فرد من أوغندا وبوروندي) المواقع التي تنسحب منها القوات الإثيوبية.

 

بالإضافة إلى تشكيل حكومة وحدةٍ وطنيةٍ وجيشٍ وطنيٍّ مُوحَّدٍ، بجانب إطلاق عمليةٍ شاملةٍ للمصالحة القبلية والسياسية في البلاد، إلا أنَّ الكثير من الفصائل عارضت الاتفاق.

 

ويقول المحلل السياسي الصومالي علي حلني: إنَّ الفصائل الرافضة للعملية السياسية، وعلى رأسهم حركة شباب المجاهدين، التي تسيطر على مدينة بيداوة الإستراتيجية ومناطق أخرى، مستغلين تأخُّر وصول قوات حفظ السلام الإفريقية، ترغب في فرض أمر واقع جديد في مقابل اجتماع الحكومة والبرلمان في جيبوتي مع فصائل المعارضة الراغبة في الاندماج بالعملية السياسية، من أجل إتمام اتفاق المصالحة، وتقاسم السلطة في البلاد.

 

تحولات المواقف

 الصورة غير متاحة

الشيخ ضاهر أويس يخطب في أنصاره

وبحسب مراقبين فإنَّ تبدلات المواقف لدى أويس وبعض الأطراف الصومالية الأخرى يعود إلى 3 عوامل رئيسية:

1- إتمام الإثيوبيين لانسحابهم من الصومال بالفعل.

2- موافقة البرلمان الصومالي على تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد.

وهو ما نزع أهم ذريعتين من أيدي الرافضين للعملية السياسية في الصومال، أما العامل الثالث فهو الدور الذي لعبته هيئة العلماء الصومالية أو رابطة علماء الصومال، التي تضم الكثيرين من رموز الدين والدعوة في الصومال، ومن بينهم رموز إخوانية- من جماعة الإصلاح الصومالية (الإخوان المسلمين) ولعبت دورها في تهدئة الأوضاع بين الفرقاء الصوماليين، ولا سيما وأنَّ غالبيتهم ذوو اتجاهاتٍ وأصولٍ إسلاميةٍ، حتى ولو اختلفوا سياسيًّا.

 

ولذلك كان لتأييد جبهة العلماء لشيخ شريف وخططه لإحلال الاستقرار في الصومال دور كبير في ترسيخ أسس العملية السياسية السلمية في البلاد.

 

ولكن يبقى تساؤل عن مستقبل الأوضاع في ظل غموض مواقف حركة شباب المجاهدين والحزب الإسلامي، وباقي المكون الرافض للحكم الجديد في الصومال، مثل الجبهة الإسلاميَّة الصُّوماليَّة، الجناح المسلح لحركة الاعتصام بالكتاب والسنة، وقوَّات رأس كامبوني، ومعسكر عمر الفاروق، التي شكلت فيما بينها جبهةً مُوحَّدةً لمقاتلة قوات الاتحاد الإفريقي، التي يعدونها حليفًا للقوات الإثيوبية.