"إنَّ حصيلة تجربة السنوات الماضية تؤكد أنَّنا أمام نظام هو الأسوأ عربيًّا، والأشد تطرفًا في مجال الحقوق والحريات".. هكذا وصف الصحفي التونسي عبد الله الزواري أوضاع حقوق الإنسان والحريات في بلاده في عهد الرئيس الحالي زين العابدين بن علي.

 

ولا يستطيع أحد أن يتهم الزواري بالتجني على النظام التونسي الذي يخنق يومًا بعد يوم بلدًا عربيًّا مسلمًا، كان بمثابة منارةٍ للعلوم الإسلامية، ونقطة ارتكاز لقطار الفتوحات العربية الإسلامية إلى باقي شمال إفريقيا والمغرب العربي ومن ورائه بلاد الأندلس.

 

فقد بلغت الدولة التونسية مداها في انتهاك حقوق الإنسان والحريات؛ حتى وصل الأمر إلى حدِّ تبديل هُوية البلد الدينية والقيمية والاجتماعية، عن طريق سلسلةٍ من القرارات والقوانين التي أتت على حق المواطن التونسي المسلم في العبادة، وحق المسلمة في ارتداء الحجاب، في ديسمبر الماضي صدر حُكم على 25 شخصًا من قادة وأعضاء حركات الاحتجاج الاجتماعي في البلاد بالسجن لفتراتٍ تتراوح ما بين أربعة إلى عشرة أعوامٍ بعد إدانتهم بتهم ملفقة مثل "التمرد المسلح والشغب"، إثر مظاهرات جرت في شهر يونيو الماضي؛ احتجاجًا على غلاء المعيشة وتردِّي الأوضاع الاجتماعية في البلاد!، ومن بين هؤلاء الناشط الاجتماعي عدنان حاجي المتحدث باسم الحركة الاحتجاجية، وكل من بشير العبيدي وعادل الجيارة، من قادة التحرك.

 

الانتهاكات الدكتاتورية الاستثنائية للنظام التونسي تأتي إضافة إلى ما يمارسه نظراؤه بالدول العربية؛ ففي عام 2002 قام الرئيس بن علي بتعديل الدستور لإلغاء بند منع بقاء الرئيس في السلطة أكثر من ثلاث فترات، للسماح لـ"بن علي" بالتمديد لفتراتٍ وفترات.

 

وكذلك التضييق على المدونين والصحفيين، ومنع عقد الاجتماعات العامة، وتعرض الأفراد المدنيين للضرب والتضييق،على أيدي رجال الأمن والشرطة، وأحيانًا الحظر على أنشطة منظمات حقوق الإنسان الإنسان، ومن بينها الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، ومنظمة "حرية وإنصاف" لحقوق الإنسان المحظورة" (!!) بما في ذلك تعرض نشطائها لاعتداءاتٍ بالضرب، ومصادرة جوازات سفرهم وقطع خطوط الهاتف الخاصة بهم.

 

فالمنظومة القانونية الخاصة بتنظيم الجانب الإعلامي في تونس تتصف بطابعٍ زجريٍّ محضٍ، بحسب المصطلحات التي يستخدمها القانونيون؛ حيث يتضمن قانون الصحافة التونسية المعمول به حاليًا ترسانة من الترتيبات التنفيذية تحاصر الأصوات المخالفة للنظام، ومعاقبة أصحاب الآراء المغايرة لرأي النظام أو الناقدة له.

 

وقانون الصحافة في تونس يحظر طباعة أيَّة دوريةٍ لم تحصل على تصريحٍ من وزارة الداخلية، بحسب الفصل الثالث عشر من القانون، وهذا يعني أنَّه لن يتم نشر سوى الصحف التي تتلاءم مع سياسات ومواقف النظام السياسي الحاكم أو بعض الصحف ضعيفة الانتشار التي تصدرها أحزاب المعارضة الضعيفة.

 

كما ينص الفصل الرابع عشر من قانون الصحافة التونسي على منع أيَّة مطبعةٍ من طباعةٍ أي منشور دون إظهار تصريحٍ من وزارة الداخلية لم يمض على صدوره سنةً واحدةً، أي أنَّه حتى هذا التصريح الصعب الحصول عليه، يكون مؤقتًا بمهلة عامٍ، ثم تتم إعادة النظر فيه!.

 

نفاق غربي

وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ ملف حقوق الإنسان في تونس هو أحد الملفات الشائكة ذات الطابع السياسي بامتيازٍ؛ حيث إنَّ هناك العديد من الخلفيات التي تحكمه، وتحكم السلوك الغربي والدولي في إطاره، ومن بين هذه الخلفيات:

1- صمت الغرب "المتعمد" إزاء هذه الأوضاع في تونس.

2- تركيز السلطات التونسية على الممارسات المتعلقة بالتدين، وهوية البلد الإسلامية في انتهاكاتها لحقوق الإنسان.

 

وقد فتحت تقارير بعض المؤسسات الحقوقية الدولية الموثوقة؛ ومن بينها تقرير لجنة الحريات الصحفية الدولية، ومقرها الولايات المتحدة، في مناسبة ذكرى اليوم العالمي لحرية الصحافة من أنَّ تونس هي واحدة من الدول الأكثر انتهاكًا لحقوق الصحفيين والمدونين ومستخدمي الإنترنت في العالم العربي والعالم.. فتحت هذه التقارير جدلاً بشأن حقيقة موقف الغرب الذي يتشدق باهتمامه بحقوق الإنسان وحمايته لها من الأوضاع في تونس.

 

فنشطاء حقوق الإنسان في تونس، على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والسياسية، يتهمون الغرب وتحديدًا كلٌّ من فرنسا والولايات المتحدة، بغض الطرف عن عمليات القمع والتعذيب والمحاكمات غير العادلة التي تجري في بلادهم، والتي آخرها المحاكمة الجائرة التي تتم بحق الدكتور الصادق شورو الأمين العام السابق لحركة النهضة التونسية الإسلامية؛ بتهمة تتوارثها فيما يبدو الأنظمة الديكتاتورية العربية، وهي محاولة إعادة إحياء "جماعة محظورة"، في إشارةٍ إلى حركة النهضة.

 

ومن بين هذه الاتهامات، تلك التي وجهتها المحامية الحقوقية راضية نصراوي وزوجها الناشط الشيوعي حمة حمامي، إلى إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن والحكومة التونسية على حدٍّ سواءٍ بتجاهُل الممارسات السلبية لـ"بن علي"، لتحظى بدعم تونس لمواقفها في العالم العربي والشرق الأوسط.

 

محاربة الدين

 الصورة غير متاحة

 النظام التونسي يشن حملة شرسة ضد الحجاب

   تقول الصحفية والناشطة البريطانية المسلمة، إيفون ريدلي: "كل يوم تقريبًا تتناهى إلى أسماعنا قصص مفزعة عن رجال الشرطة في تونس، وأساليبهم في نزع الحجاب عن رءوس النساء التونسيات.. بعض هؤلاء النسوة تعرضن للتحرش الجنسي، بل حتى أُلقِيْن في غياهب السجون بأمرٍ من السلطات الحاكمة، في حين أنَّهن لا ذنب لهن سوى الامتثال لفريضة دينية وهي ارتداء الحجاب".

 

وتضيف ريدلي قائلةً: "ولعل اندهاش المرء يتزايد إذا تصور في المقابل حال السائحات الغربيات واستمتاعهن، وهن عراة، بحمامات الشمس التونسية في المنتجعات الساحلية".

 

وفي حقيقة الأمر، فإنَّ ريدلي لا تبالغ بالمرة في كلامها هذا، فالقادة التونسيون، ومن بينهم وزراء في الحكومة والأمين العام لحزب التجمع الدستوري الحاكم "عبروا عن قلقهم" فيما يتعلق بانتشار مظاهر التدين في الملبس وفي سلوك المواطن التونسي، وخصوصًا ارتداء الحجاب بين النساء والفتيات، وإطلاق الرجال للحى ولبسهم للجلابيب، حتى إنهم دعوا إلى تطبيق صارم للمرسوم رقم (108) للعام 1985م، الصادر عن وزارة التعليم، والذي يحظر ارتداء الحجاب داخل المؤسسات التعليمية وأثناء دوام العمل في المباني الحكومية.

 

زين العابدين بن علي نفسه عبر أكثر من مرةٍ عن رفضه الصريح للحجاب، باعتبار أنَّه "زيٌّ مستوردٌ" وليس جزءًا من الثقافة التونسية، ولكن يبدو أنَّه لم يرَ الصور التي التقطت للتونسيات قبل توليه الحكم، والتي تظهر بوضوح كيف كانت المرأة التونسية لا تخلع الحجاب في أيِّ مكانٍ تذهب إليه.

 

لقد أصدرت الشرطة أوامرها للنساء بخلع أغطية الرأس قبل السماح لهن بدخول المدارس والجامعات أو أماكن العمل، بينما أجبرت الأخريات على خلعها أثناء سيرهن في الشوارع (!!)، وتفصيل ذلك كله مذكور في أكثر من تقريرٍ حقوقيٍّ دوليٍّ موثقٍ؛ مثل تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في ديسمبر الماضي، الذي كشف عن أنَّ بعض النسوة اعتقلن من جانب قوات الشرطة، وتم اقتيادهن، إلى مراكز الشرطة؛ حيث أُجبرن على التوقيع على تعهُّدٍ مكتوب يقضي بتوقفهن عن ارتداء الحجاب.

 

تدنيس المصحف

 الصورة غير متاحة

حتى المصحف الشريف لم يسلم من التدنيس في السجون التونسية

   ولا يقتصر الأمر على الحجاب الشرعي، فهناك سلسلة من القرارات التي أدت إلى محو الكثير من مظاهر التديُّن في المجتمع التونسي، ومن بينها تغيير الإجازة الرسمية إلى الأحد بدلاً من الجمعة، وتحجيم شعائر صلاة الجمعة، وإلغاء بعض القرارات الإدارية التي كان يتم تطبيقها في نهار رمضان، تبعًا لظروف الصائمين.

 

ومن بين الانتهاكات التي تتم في هذا الإطار أيضًا، تدنيس المصحف الشريف، بشكلٍ اعتبرته الهيئة العالمية لنصرة الإسلام أنَّه يتم بشكلٍ ممنهجٍ، خاصة في سجون البلاد؛ ففي نوفمبر الماضي أصدرت الهيئة بيانًا عن واقعة تدنيس المصحف الشريف على يد أحد حراس السجون التونسية خلال تعذيب أحد السجناء الإسلاميين.

 

واعتبرت الهيئة أن ما جرى "سلوك متعمد، يأتي في سياق حرب شاملة تشنها الحكومة التونسية بكافة دوائرها وأجهزتها ومؤسساتها على الدين الإسلامي ومقدَّساته".

 

وكانت هي تلك المرة الثالثة التي تكشف فيها منظمات حقوقية تونسية عن تدنيس المصحف الشريف؛ ففي يناير 2006م، قالت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إنَّ مدير سجن برج الرومي وأعوانه قاموا بـ"تعذيب السجين السياسي أيمن الدريدي، وركل المصحف الشريف ساعة ضربه"، وفي نوفمبر من ذات العام، كشفت الحملة الدولية من أجل حقوق الإنسان في تونس عن قيام أحد السجناء المكلفين بتوزيع الطعام على غرف السجن برمي المصحف في المرحاض، لاستفزاز سجينٍ إسلاميٍّ، بإيعاز من سلطة السجن.

 

الإيدز

ولكن ذلك كله لم يكن بلا ثمنٍ في تونس، ولم تؤدِّ سياسات بن علي إلى تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية العامة في البلاد؛ فالبطالة في تونس تصل إلى 14% من حجم قوة العمل، كما أدت سياسات محاربة التدين في هذا البلد المسلم، إلى انتشار الأمراض الاجتماعية، مثل الانحراف الأخلاقي، وظهور تيارات عبدة الشيطان، وازدياد حالات تعاطي المخدرات.

 

كما أكد أطباء تونسيون أنَّ استمرار الدولة في إبعاد الدين عن الحياة العامة، وخاصة في مناهج التعليم، أسهم في تفشي مرض (الإيدز) بين التونسيين، بسبب انتشار الزنا والدعارة، بمقابل أو من دون مقابل، وتقلص نسبة الإقبال على الزواج، بسبب ضعف الواقع الاقتصادي والاجتماعي للشباب التونسي.

 

وبحسب الأرقام الرسمية، يوجد في تونس 1009 إصابات بالإيدز، وتسجل البلاد سنويًّا زيادة حالات ما بين 50 و60 إصابةً جديدةً، غير أنَّ تقارير لمنظمة الصحة العالمية تقول إنَّ الأرقام الحقيقية لعدد الإصابات أكبر بأربع مرات مما تعلنه الجهات الرسمية، وأنَّ عدد المصابين فعليًّا يبلغ 3700 مصاب.

 

وتفيد التقارير الرسمية التونسية بأنَّه مقابل كل 3 إصابات بالإيدز بين الرجال تسجل إصابة واحدة بين النساء، وبأنَّ الممارسات الجنسية خارج إطار الحياة الزوجية هي السبب الرئيسي لإصابة 35% من الحالات، ثم يأتي بعدها تعاطي المخدرات وتبادل استعمال الحقن بنسبة 6.29%، وانتقال الفيروس من الأم إلى الطفل بنسبة 5%، في حين تظل ما نسبته 26.4% من الإصابات مجهولة الأسباب، وتعرف منطقتا الوسط الشرقي وتونس الكبرى، التي تضم محافظات تونس وبن عروس وأريانة ومنوبة، أكبر نسبة من الإصابات، بنسبة 75% من إجمالي الإصابات بالمرض.

 

بالفعل.. فالنظام التونسي بإبعاده الدين عن الحياة الاجتماعية العامة والخاصة للمواطن، بات يحفر قبر هذا البلد الجميل بيديه!.