أصدرت إدارة الإعلام والمعلومات في مؤسسة القدس الدولية تقرير حال القدس أثناء الفترة من يناير وحتى مارس 2009م، عرضت فيه مجموعة من المعلومات الجديدة عن واقع الحال في المدينة المقدسة المحتلة، وطبيعة السياسات الصهيونية فيها، في إطار مساعي الاحتلال لتهويد المدينة وفصلها عن محيطها، وتغيير بنيتها الطبوغرافية والبشرية.
قال التقرير إنَّ الغرض من تقديم هذه المعلومات هو محاولة استشراف المرحلة القادمة للصراع داخل وحول المدينة المقدسة بين الاحتلال الصهيوني وبين أصحاب الحق من الفلسطينيين، وتمكين أصحاب القرار والمواقع والمواقف المؤثرة من تحديد مواقفهم واتخاذ الإجراءات العملية المناسبة في هذا المجال.
وبين ما تضمنه التقرير من بنودٍ عَرْض واقع الجمعيات والمؤسسات الأهلية العاملة في القدس المحتلة، وأشار إلى أنَّ هذه الهيئات تعتبر الرئة الأهم التي يتنفس من خلالها أهل المدينة، والجهة الفاعلة الأبرز على الساحة الفلسطينيّة، وذلك في ظل انحسار أيّ دورٍ للسلطة الفلسطينية، واعتبارها قضية القدس موضوعًا مؤجّلاً لمفاوضات الحل النهائي وفقا لاتفاقيّات أوسلو الموقعة مع العدو الصهيوني.
وأضاف أيضًا أنَّ أهمية هذه الهيئات المتنامية ترجع إلى انحسار الدور الأردني، وحصره في دفع رواتب موظفي الأوقاف، وتمويل مشاريع الإعمار الصغيرة في المسجد الأقصى.
مجتمعٌ مدنيٌّ
أحد أسواق مدينة القدس
والمعلومات والإحصائيات التي ينقلها التقرير تقول إنَّ المجتمع المقدسي غنيّ بالجمعيات والمؤسسات الأهلية؛ حيث يبلغ عددها حوالي 154 جمعيةً ومؤسسة، تقدم خدماتٍ لحوالي 255 ألف مقدسيٍّ يسكنون داخل حدود بلدية المدينة، أي أنَّ هناك جمعيةً لكل ألف و700 مواطنٍ مقدسيٍّ، إلا أنَّه ليست كل هذه الجمعيات نشطة، فبعضها نشط جدًّا، ويقوم بدورٍ حيويٍّ وأساسيٍّ في القدس، وبعضها ينفِّذ أجنداتٍ خارجية يُمليها المموّلون، بينما البعض الآخر وهميٌّ لا هدف له سوى الحصول على التمويل.

وتنشط المؤسسات والجمعيات الأهلية المقدسية بشكلٍ رئيسيٍّ في مجالات التعليم والصحة ومكافحة الآفات الاجتماعية، وبدرجةٍ أقل في مجال الإسكان والترميم.
ولأنّ هذه الجمعيّات هي الجهة الأقدر على الفعل والتحرك داخل المدينة، وتعتمد بشكلٍ كاملٍ على المنح الخارجية وترتبط بها، فإنَّ من يُمسك بتمويلها ومصادر دعمها يكون الأقدر على توجيه سياساتها، وبالتالي توجيه السياسات واتجاهات النمو والتطور في الأحياء الفلسطينية في القدس، وهي حقيقةٌ تدركها تقريبًا جميع الأطراف الفاعلة في القدس.
وتنقسم الجهات الممولة للجمعيات والمؤسسات الأهلية العاملة في القدس إلى 4 جهاتٍ رئيسيةٍ، هي:
1. الاتحاد الأوروبي وكندا
الاتحاد الأوروبي المانح الأكبر في القدس
يعد الاتحاد الأوروبي المانح الأكبر في القدس، وتنشط كلٌّ من إيطاليا وإسبانيا واليونان في هذا المجال بشكلٍ خاصٍّ؛ حيث تحتوي قنصلية كلٍّ من هذه الدول في القدس علىمكتب خاص لمتابعة تمويل المشروعات والاتصال بالجمعيّات والمؤسسات المقدسية.

ويتركّز تمويل الاتحاد الأوروبي وكندا في القدس المحتلة على المشاريع المتعلقة بالرعاية الاجتماعية؛ كتحسين وضع المرأة، ورعاية الشباب والمراهقين، ومشاريع المساعدة النفسية، ومشاريع التوعية السياسية والمدنية، والمشاريع الثقافية، ومشاريع الدعم القانوني.
ويرفض الاتحاد الأوروبي وكندا تمويل أي مشروع قد ينتج عنه مواجهة مع الاحتلال أو صدام معه، فهو مثلاً يرفض تمويل المؤسسات أو مكاتب المحاماة التي ترفع قضايا ضد بلدية الاحتلال الصهيوني في المدينة، ويمول االمؤسسات والعيادات القانونيّة التي تقدم خدمات قانونية استشارية فقط.
كما يشترطان أنْ تكون المؤسسات الممولة مقبولة لدى الاحتلال من النواحي القانونية والسياسية، ويرفض تمويل المشاريع التي لا تخدم رؤيته للقدس "كمدينةٍ مدوَّلةٍ متعددة الثقافات ومفتوحةٍ للجميعٍ"، أي أنَّه يرفض تمويل المشاريع التي تهدف إلى الحفاظ على الهوية العربيّة للقدس، ومن هذا المنطلق رفض الاتحاد تبني أي مشروعٍ من مشروعات احتفالية القدس كعاصمةٍ للثقافة العربية للعام 2009م، على الرغم من أنَّها تدخل في المجالات التي يمولها عادةً في بلدانٍ أخرى.
و تحدّث مسئول المنحة الإيطالية في القدس عن هذه السياسة صراحةً، حين سأل وفدًا من الفعاليات المقدسيّة عن سبب إصرارهم على تعريب القدس قائلاً: "لماذا تُصرّون على إلباس القدس طاقية عربية؟".
2. الولايات المتحدة
تعد الولايات المتحدة أحد أهم المانحين في مدينة القدس، وإنْ كان حجم تمويلها للمشاريع أصغر من حجم التمويل الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي، ويتركز التمويل الأمريكي على مشاريع الرعاية والمساعدة الاجتماعية البحتة، كرعاية المكفوفين وذوي الاحتياجات الخاصة ومراكز صعوبات التعلم.
3. الجهات العربية والإسلامية
ويُعدُّ وجود هذه الجهات في القدس ضعيفًا حتى اليوم، ولا تبرز في هذا المجال سوى 3 جهاتٍ رئيسيةٍ، هي:
- بنك التنمية الإسلامي
بنك التنمية الإسلامي تبنى مشروعًا لإعادة إعمار وترميم البلدة القديمة
ويدير هذا البنك أموال صندوق القدس الذي أقرت قمة بيروت العربية عام 2002م، تأسيسه، ويبلغ حجمه 50 مليون دولار أمريكي، ويركز البنك اهتمامه على البلدة القديمة في القدس، وقد تبنى مشروعًا لإعادة إعمار وترميم البلدة القديمة، بكاملها بكلفةٍ تقريبية بلغت 15 مليون دولار، وذلك بالشراكة مع مؤسستَيْ "الرفاه" و"التعاون"، الذين أنجزتا مسحًا هندسيًّا كاملاً للبلدة القديمة، قُسِّمت على أساسه البلدة إلى قطاعات، وجُزِّئ مشروع الإعمار إلى 5 مراحل رئيسة، واليوم وصل هذا المشروع إلى بداية المرحلة الثالثة، وبلغت قيمة ما أُنْجِزَ من أعمالٍ حوالي 10 ملايين دولار.

- وكالة بيت مال القدس
وتتبع هذه الوكالة للجنة القدس المنبثقة عن منظمة المؤتمر الإسلامي، التي يرأسها العاهل المغربي الملك محمد السادس، ويبلغ حجم مشاريعها السنوية حوالي 8 ملايين دولار، تتركز في مجالات الإسكان والتعليم والصحة ودعم المؤسسات، ومن أبرز مشاريع الوكالة" صندوق الإقراض السكني" الذي يبلغ حجمه حوالي 3 ملايين دولار.
- تركيا
تمول تركيا من خلال قنصليتها في القدس عددًا من المشروعات في مختلف المجالات، وقد بدأت حديثًا تهتم بمشروعات الحفاظ على التراث العثماني في مدينة القدس.
4. بلديّة الاحتلال في القدس
نتيجةً لضعف الدعم العربي والإسلامي، وللضغط الاقتصادي الكبير الذي تتعرض له القدس، استطاعت بلديّة الاحتلال أنْ تستدرج بعض الجمعيات المقدسية إما عبر تمويلها مباشرةً أو عبر إعفائها من الضرائب والرسوم البلدية، وبطبيعة الحال فإنَّ الجمعيات التي تتلقى دعمًا من الاحتلال لا تعلن عن نفسها، لكن هناك كلامًا كثيرًا يدور في أوساط الجمعيات المقدسية عن وجود جمعياتٍ كهذه، خصوصًا في المجالات الاجتماعية ومجال الاستشارات القانونية.
إلا أنَّ ظاهرة تلقي الدعم من بلدية الاحتلال بدأت في الآونة الأخيرة تنتشر بشكلٍ كبيرٍ بين المؤسسات التي تُشرف على المدارس الخاصة في القدس، على الرغم من أنَّ هذه المدارس تتقاضى أقساطًا عاليةً من طلابها.
وفي المرحلة الحالية فإنَّ بلديّة الاحتلال لا تفرض على المدارس التي تتلقى الدعم شروطًا تتعلق بالمناهج أو المحتوى الدراسي أو طريقة التدريس، لكن من المتوقع أنْ تلجأ لذلك في المستقبل بعد أنْ تصبح هذه المدارس معتمدةً على معونتها بشكلٍ كبيرٍ.