بات واضحًا أنَّ ما تم إعلانه في بيان قمة الدوحة العربية الأخيرة بشأن عدم الإبقاء على المبادرة العربية للسلام على الطاولة إذا لم يستجب الكيان الصهيوني لها، لم يكن سوى ذر للرماد في العيون، ومحاولة مكشوفة لامتصاص غضب الشارع العربي الذي يطالب بضرورة إلغائها.

 

وثمة ما يثبت ذلك؛ حيث تتجه ما تعرف بدول محور الاعتدال العربي، لتعديل المبادرة التي مرَّ على إعلانها 8 سنوات، وتمَّ رفضها من حكومات الكيان منذ اليوم الأول لها، وتعفنت من شدة الإهمال والاحتقار الأمريكي لها.

 

وسبق أنْ ردَّ رئيس الوزراء الصهيوني أرييل شارون على المبادرة العربية بالقول: إنَّها لا تساوي قيمة المداد الذي كتبت به، وكان رده العملي عليها باجتياح الضفة الغربية، وارتكابه مجزرة مخيم جنين، وكلها مواقف جدَّدها وزير الخارجية الصهيوني أفيجدور ليبرمان رفض الكيان الصهيوني للمبادرة بسبب البند المتعلق بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، واعتماد حدود الـ67 كأساسٍ للدولة الفلسطينية المفترضة، وهو الحل الذي يرفضه الكيان من الأصل.

 

ليبرمان وصف المبادرة بأنَّها "وصفة للقضاء على إسرائيل"، ولا يمكن الموافقة على البند المتعلق بحق العودة فيها.

 

ويعتقد المراقبون أنَّ توجه دول الاعتدال لتعديل المبادرة، كان متوقعًا، وذلك استجابة للضغوط الصهيونية والأمريكية، وقبل أنْ تفكك دول الكيان مغتصبة أو حاجزًا أمنيًّا واحدًا في الضفة الغربية، فيما اعتبرت حماس هذه الخطوة بتعديل المبادرة كالنفخ في الرماد.

 

توضيحات لا تعديلات!!

 الصورة غير متاحة

القمة العربية بالدوحة

   وكانت مصادرُ عربيةٌ مطلعةٌ قد تحدثت بأنَّ زعماء ما يعرف بدول "الاعتدال" العربي، يبلورون مبادرةَ سلامٍ عربيةٍ "توضيحية وتعزيزية" للمبادرة القائمة، ستشمل توطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، وتسريع عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني، وهو ما رفضته سوريا، باعتبار أنَّه لا يعقل أنْ يتنازل العرب عن حقوقهم كلما جاءت حكومةٌ صهيونيةٌ جديدةٌ.

 

وقالت تلك المصادر إنَّ المبادرة "التوضيحية والتعزيزية" تأتي بناءً على طلبٍ أمريكيٍّ؛ لكي يعرضها الرئيس المصري حسني مبارك على الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

 

وأوضحت أنَّ العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، الذي التقى أوباما مؤخرًا في واشنطن، وعد الأخير ببلورة مبادرة سلام عربية توضيحية لبعض "النقاط الغامضة" التي تعتري المبادرة العربية للسلام التي تبنتها قمة بيروت العربية عام 2002م، بناءً على مبادرةٍ سعوديةٍ، وتستجيب المبادرة الجديدة بحسب تلك المصادر لعدد من التحفظات الأمريكية والصهيونية على المبادرة القائمة.

 

وتطالب المبادرة العربية القائمة الكيان الصهيوني بانسحابٍ كاملٍ من الأراضي التي احتلتها القوات الصهيونية في حرب يونيو من العام 1967م، وأنَّ يوافق الكيان على قيام دولةٍ فلسطينيةٍ في الضفة الغربية وقطاع غزة، عاصمتها القدس الشرقية المحتلة، وإيجاد حلٍ عادلٍ لمسألة اللاجئين الفلسطينيين، مقابل اعتراف دبلوماسيٍّ عربيٍّ كامل بالكيان الصهيوني.

 

ومن أبرز التعديلات- المتوقعة- على المبادرة القائمة توطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، والسماح لمن يريد بالانتقال للأراضي الفلسطينية التي ستقام عليها دولة فلسطينية منزوعة السلاح (في الضفة وقطاع غزة)، بعد إجراء مبادلة للأراضي بين السلطة الفلسطينية والكيان، تشمل تخلي السلطة عن أراضٍ في القدس المحتلة والضفة الغربية في مقابل أراضٍ في صحراء النَّقب.

 

وفيما يبدو أنَّه لن يُسمَح بالعودة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م (داخل الخط الأخضر) تطالب الولايات المتحدة وإدارة واشنطن بوضع جدولٍ زمنيٍّ للتطبيع العربي مع الكيان الصهيوني؛ لتشجع الأخير على اتخاذ خطوات عملية تسمح بإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح.

 

وبحسب تلك المصادر، فإنَّ المبادرة التي يجري بلورتها عربيًّا ستسمح برفع علم الكيان الصهيوني في جميع العواصم العربية، بالتوازي مع رفع العلم الفلسطيني في أحياء عربيةٍ من مدينة القدس.

 

حماس ترفض

 الصورة غير متاحة

 فوزي برهوم

   من جهتها أعربت حركة المقاومة الإسلامية حماس عن استغرابها من استمرار الحديث العربي المتواصل عن المبادرة العربية؛ رغم أنَّ الاحتلال ردَّ عليها بدباباته وطائراته، ابتداءً باجتياح الضفة الغربية في سنوات الانتفاضة الثانية، وقتله المئات، مرورًا بتهجير المقدسيين، وتوسيع الاستيطان في الضفة المحتلة، وأخيرًا المجزرة التي ارتكبت ضد المدنيين والأطفال في قطاع غزة في الحرب الأخيرة.

 

وقال الناطق باسم حماس فوزي برهوم في تصريحٍ خاصٍّ لـ(إخوان أون لاين) إنه في ظل التصريحات الصهيونية الصادرة عن ليبرمان ونتنياهو، والتي أعلنا فيها أنَّ السلام لا يأتي إلا بالحرب وليس بالمفاوضات؛ "فإنه لا جدوى من استمرار الحديث عن المبادرة العربية من أي مستوًى كان".

 

ودعا برهوم إلى تصليب الموقف العربي الرسمي وتوحيده "باستخدام كافة أوراق الضغط على الاحتلال"، واعتبر أي حديثٍ عن المبادرة العربية "كالنفخ في الرماد، ومحاولة لاستجداء العودة إلى مسار التفاوض، والتطبيع مع الاحتلال، على حساب كرامة وحرية وحقوق الشعب الفلسطيني".

 

حقوق مقدسة

ورأى الكثير من المراقبين ما ذهبت إليه حماس؛ حيث اعتبروا التوجه العربي لتعديل المبادرة، "يعني مزيدًا من الفشل والضعف العربي"، كما رأوا أنَّه لا يحق لأي حكومة، أو نظام عربي التنازل عن حق العودة، أو الموافقة على توطين اللاجئين الفلسطينيين في البلدان المقيمين فيها، أو تفسير هذا الحق بما يخالف الثوابت الفلسطينية والقرارات الشرعية الدولية، معتبرين "حق العودة لا يقل قداسة عن استعادة القدس".

 

وفي هذا الإطار رأى الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني الدكتور ناجي شراب أنَّه لا يمكن الحديث عن مبادرةٍ عربيةٍ أو بلورة سياسيةٍ لعملية سلمية، وتعديلها دون مشاركة حماس، ويعتقد شراب أنَّه لا يمكن تعديل المبادرة العربية القائمة إلا عبر مؤسسة القمة العربية، "وإلا ستفقد مصداقيتها، ولن تعود تعبِّر عن الموقف العربي".

 

وثمة مبررات واهية بشأن استمرار تمسك الدول العربية بالمبادرة؛ رغم رفض الكيان لها، كما يعتقد شراب.

 

وأشار شراب في هذا الجانب "إلى اعتقاد العرب بإمكانية تسليح الرئيس الأمريكي أوباما بالمبادرة كأداة ضغط على "إسرائيل"، وهي بهذا المبرر تتجاهل حقيقة أنَّ أوباما لا يستطيع أنْ يمارس أدنى ضغط على حكومة نتنياهو في ظل الأزمة الاقتصادية، خاصةً وأنَّ اللوبي الصهيوني قادر على وضع العراقيل بوجه خطة أوباما؛ لمواجهة الأزمة المالية والاقتصادية المستفحلة في الولايات المتحدة".

 الصورة غير متاحة

عبد الباري عطوان

 

ووافقه في هذا الرأي الكاتب والمحلل السياسي عبد الباري عطوان؛ حيث رأى في تصريحاتٍ للموقع أنَّ حكومة الرئيس أوباما "أضعف وأجبن" من أن تضغط على حكومات الكيان للقبول بالمبادرة؛ حتى وإنْ تم تعديلها، مشيرًا إلى أنَّ القضية الفلسطينية "تحتل ذيل سلم أولويات إدارة أوباما، بعد الانهيار الاقتصادي والحربين الفاشلتين في العراق وأفغانستان".

 

ويشير شراب إلى أنَّ حكومات الدول العربية تحاول إلقاء الكرة في ملعب الكيان الصهيوني أمام الرأي العام الدولي؛ "لإثبات أنَّه يتنكر لعملية السلام، رغم إصرار النظام العربي الرسمي عليها"، متسائلاً: "منذ متى تحسب "إسرائيل" الحساب لوضع الكرة في ملعبها؟، وهل نسي هؤلاء أنَّ "إسرائيل" دولة خارجة عن القانون، بل وفوق القانون، ومحمية دائمًا بالفيتو الأمريكي الجاهز في مجلس الأمن؟!".

 

وأيَّد عطوان أيضًا ما ذهب إليه شراب، مشيرًا إلى أنَّ "دولة الكيان لا تخشى العرب، ولا تتطلع للتطبيع مع أنظمتهم"، لأنَّها مهمومة بالبرنامج النووي الإيراني "الذي يشكل خطرًا وجوديًّا على أمنها وبقائها"، مضيفًا: "ولذلك فهي مستعدة لتقديم تنازلاتٍ لإيران وحلفائها إذا ضمنت تحييد هذا الخطر، أو اللجوء إلى الحرب لتوريط أمريكا والغرب معها".

 

وأكَّد عطوان أنَّه "بالتالي العرب ليسوا في وارد حسابات "إسرائيل" في المدى القصير على الأقل".

 

ويرى المحللان أنَّ تعديل المبادرة العربية وتعزيزها بإسقاط حق العودة إنما هو تكريس لمبدأ "يهودية الدولة" الصهيونية، وتسريع عملية التطبيع معها، وتابع عطوان أنَّه كلما أوغل النظام العربي في الاعتدال، كلما ازداد الكيان تغولاً وتطرفًا، وإملاءً لشروط تعجيزيةٍ، بتأييدٍ مطلقٍ من الإدارة الأمريكية، سواءً بشكلٍ علنيٍّ أو مبطنٍ".

 

وشدَّد عطوان على ضرورة إعلان العرب عن التخلي عن خيار التسوية من دون تبني أيّ خيارٍ آخر، بدلاً من التحلي بالصمت المطبق، والوقوف في موقف المتفرج.

 

وطالب عطوان الأنظمة العربية بسحب مبادرتها فورًا "احترامًا لنفسها"، بعد أن استنفدت أغراضها بالكامل، وأنْ تكفَّ شرها عن حركات المقاومة العربية في العراق وفلسطين ولبنان، وتوقف تنازلاتها للكيان.