مع استمرار الصراع الدموي في الصومال وتفاقم الانفلات الأمني في البلاد؛ تزداد معاناة الشعب الصومالي الذي يخوض في بحرٍ من المعاناة التي تُدمي القلوب، ويزيد من الحزن على أبناء هذا البلد العربي المسلم، أنَّ معاناة الصوماليين ليست وليدة اليوم، بل هي ممتدةٌ منذ أكثر من عقدَيْن؛ حيث إنها من أكبر المآسي الإنسانية دمويةً في التاريخ الحديث.
وفي الوقت الراهن يتعرض المواطن الصومالي إلى خطرٍ يداهم جميع أطيافه بدون استثناء؛ فالأوضاع الأمنية والسياسية والحياتية في البلاد شيء لا يُحسَد عليه، وصار نزيف الدم الصومالي نهرًا ثالثًا مرادفًا لنهرَيْ شبيلي وجوبا، ويسود قانون الغاب الذي ينصُّ على أنَّ القوي يأكل الضعيف.
ويشعر الصومالي حاليًّا بكآبة وقلق متزايدَيْن، بعد عودة وتيرة العنف في البلاد إلى التصاعد، بعد المعارك الأخيرة التي دارت بين الفصائل المعارضة والحكومة الصومالية، بقيادة شيخ شريف شيخ أحمد والفصائل التي تدعمها، والتي خلفت خسائرَ كبيرةً في الأرواح، ونزوح عشرات الآلاف من الصوماليين من منازلهم إلى المخيمات التي يلجأون إليها عادةً.
هذه الأعمال القتالية غيَّرت الكثير من الرؤى والقناعات التي يبديها الشعب بعد تنصيب شيخ شريف رئيسًا للبلاد، والتي كانت مترسخة في أذهانهم، التي كانوا يحلمون بها بعودة الأمل والأمن والاستقرار إلى البلاد، إلا أنَّ الرياح أتت عكس التوقعات، وذهبت أحلامهم أدراج الرياح.
في معسكرات اللاجئين
دفعت الحروب العنيفة الأخيرة عددًا هائلاً من الصوماليين إلى النزوح من منازلهم إلى المعسكرات المخصصة للنازحين خارج العاصمة؛ ليواجهوا أكبر كارثةً في حياتهم؛ حيث افترشوا الأرض، والتحفوا السماء فاقدين الصبر للعودة إلى ديارهم.
![]() |
|
مخيم عليش بيها.. معاناةٌ متزايدةٌ مع مقدم موسم الجفاف |
وأكدت هيئة "إلمن" لحقوق الإنسان في الصومال أنَّ أكثر من 34 ألفًا من الصوماليين نزحوا من منازلهم، وغالبية هذه العدد الهائل لجأوا إلى معسكرات اللاجئين؛ بحثًا عن ملاذ آمن من أعمال العنف التي انتشرت في المدينة خلال المعارك التي شهدتها العاصمة الصومالية.
وخلال العامَيْن الماضيَيْن 2007م، و2008م، وفي شهور الأولى للعام الحالي، بلغ عدد النازحين الصوماليين أكثر من 3 ملايين نازحٍ، موزعين على مخيماتٍ تقع خارج مقديشو، ومن أكبر هذه المخيمات "مخيم عليش بيها" و"عربسكا"، ويضمان وحدهما مئات الآلالف من الصوماليين.
أما بالنسبة للبقية منهم، فهم موزعون على مناطق ومخيماتٍ أخرى، من بينها مخيمات أُقيمت في الدول المتاخمة للحدود مع الصومال، وخصوصًا كينيا.
وتزداد معاناة النازحين بسبب الأوضاع المعيشية القاسية التي يعانون منها؛ حيث لا يوجد هناك أغذية كافية، أو الأغطية والملابس اللازمة لوقايتهم من الأحوال الجوية المتقلبة.
وإذا زرت مخيمات اللجوء ترى عيون النازحين تتجه إليك بالمسألة وطلب العون، بينما عيون الأمهات تذرف الدموع على مستقبل مجهول يواجه الأطفال.
أحمد جوليد من مخيم "عليش بيها" للاجئين، خارج مقديشو، قال لمراسل (إخوان أون لاين): "الكل تخلى عنا.. المساعدات لا تصل إلينا بانتظامٍ، وقد لا تتوافر في أحيان كثيرةٍ"، ويُضيف بمرارةٍ، وهو ينظر لابنه محمد ذي العام والنصف: "أنا غير مهم، لكن.. ماذا يفعل هؤلاء؟!".
نظرنا حولنا، فوجدنا الفقر والفاقة هي العنوان السائد في المخيم، والبؤس هو السمة الغالبة؛ حيث لا يوجد مخيم بالمعنى المألوف، بل هو عبارة عن أكداس من الخيش التي تكومت فوق بعضها البعض كيفما اتفق، في صورة خيام لا تُخفي أي شيءٍ، لا الشمس الحارقة ولا الأمطار الغزيرة.
وأثناء التجوال فيها، يجب عليك السَّير محاذرًا؛ حتى لا تقع في برك الماء الآسن العطن الرائحة الذي يملأ الفراغات بين الخيام؛ بسبب اختلاط مياه الأمطار مع المياه العادمة التي ليس لها تصريف صحي.
يقول عمر أدن: "حالة من الجنون تجتاح الجميع، ونحن لا نعرف ماذا نفعل؟!"، وأضاف: "عندما غادر الإثيوبيون البلاد، استبشرنا خيرًا بأنْ يسود الهدوء البلاد، ولكن الحرب انفجرت ألعن من ذي قبل، واضطررنا لترك منازلنا مرةً أخرى".
أمَّا أُميَّة أحمد، وهي عجوزٌ في السبعين من عمرها، وهي سنٌّ من النادر أنْ يصل إليها صومالي؛ بسبب الحرب وحالة المجاعة الفعلية التي تسود بلدًا غنيًّا بالمراعي والأنهار، فقد قالت لنا في مرارةٍ: "لقد انتهينا.. لا نستطيع العودة لديارنا، وهنا لا نجد قوت يومنا"، وتوضح وهي تبكي: "ماذا نفعل؟!.. وإلى أين نذهب؟!.. عدم الاستقرار والمعارك أخافت وكالات الإغاثة، ولم يعودوا يرسلون لنا المؤن اللازمة لكي نستمر في الحياة".
لا تعليم.. لا صحة!!
الحالة التعليمية للنازحين باتت بدورها ضعيفةً جدًّا، فلا يوجد هناك مدارس داخل المخيمات، ولا حتى الخلوات القرآنية التي اشتهر بها الصوماليون، كما أنَّ معظم المدارس النظامية تم إغلاقها بسبب المعارك، التي تدور بين الفرقاء الصوماليين.
وتقدر الإحصائيات التي أجرت خلال العامَيْن الماضيَيْن أنَّ أكثر من 90 مدرسةً نظاميةً قد تم إغلاقها، وأكثر من ألف طالبٍ تركوا المدارس والمعاهد والجامعات ليصبحوا متشردين ومتسولين في الأسواق والمقاهي؛ لأنَّ الواقع الذي يعيشونه يجبرهم على ذلك.
أما الوضع الصحي للاجئين فقد أصبح كارثةً بدوره، فنتيجة لوجود النازحين في تجمعاتٍ كثيرةٍ، ونتيجة لقلة توافر موارد المياه النقية، ونُدرة الدواء والعلاج المناسب، بدأت الأمراض في الانتشار هنا وهناك، وبسرعةٍ فائقةٍ ولافتة للنظر، ومن أكثر هذه الأمراض خطرًا هو الكوليرا، التي بدأت في التفشي حاليًّا في أوساط النازحين، وأصيب بها أكثر 10 أطفال دون الخامسة في مخيم "عربسكا" الواقع قرب مدينة أفجوي التي تبعد 30 كيلو مترًا إلى الجنوب من مقديشو.
وفي موسم الأمطار تكون الأمراض أكثر حدةً وشراسة، فمرض الكوليرا وبعض الأمراض المعدية الأخرى تنتشر بشكلٍ مخيفٍ، مع ندرة الدواء في المستشفيات والمستوصفات القريبة من المخيمات، والمحدود القدرات أصلاً.
يقول إسماعيل أفورجي من أبناء المخيم: "لا دواء.. لا تعليم.. إذن لا حياة!!"، ويضيف في صوت أضعفه الجوع والمرض: "حتى أقلام الرصاص وألواح الخشب لا نجدها.. أقراص الأسبرين أقل توافرًا من المخدرات.. أمامك الآن في هذا المخيم ينشأ جيلٌ من الأطفال الجهلة والمرضى.. ماذا تتوقع منهم في المستقبل؟!.. ويقولون علينا قراصنة!!"، ثم يقول في انفعالٍ مفاجئٍ: "ساعدونا على الحياة، ثم حاسبوا القراصنة بعد ذلك!!".
وتتجلى معاناة النازحين بصورةٍ كبيرةٍ مع بدء الليل في إسدال أستاره، ويسود الظلام الدامس كافة أرجاء المخيمات بدون استثناء، بسبب عدم وجود كهرباء تنير المخيمات؛ مما يجعل النازح يعيش في أوهام الظلام، بينما لا صوت يعلو هناك فوق أنين الجرحى النازحين الذين فقدوا كافة مستلزمات الحياة.
شباب مذبوح
الحديث عن معاناة الشعب الصومالي، تصل بنا إلى الحديث عن معاناة الشباب الصومالي بمناسبة يوم الشباب العالمي الذي وافق الجمعة 15 مايو.
وفي الصومال تزداد معدلات البطالة في أوساط الشباب الذين فقدوا كافة مستلزمات الحياة، ليصبحوا مشردين ومتسولين في الأسواق والشوارع؛ بحثًا عن رغيف الخبر وما يسدون به رمقهم.
وتشير الإحصائيات إلى أنَّ 60% من الشباب قد لا يجدون عملاً بمقابلٍ كافٍ لسد حاجاتهم الأساسية التي نسوها منذ زمنٍ بعيدٍ، كما أنَّ المشاهد ومأساة الحرب التي ليس لها بداية ولا نهاية الشباب الصومالي على الخوض في غمار العنف، فمنهم مَن حمل السلاح لجلب رزقه، ولسان حاله يردد "الغاية تبرر الوسيلة"، وآخر يجلس في الشوارع والطرقات ليعطف الناس عليه، وثالثٌ يحمل فوق أكتافه بعض الوجبات الخفيفة لبيعها بسعرٍ زهيدٍ.
(إخوان أون لاين) التقى بعض الشباب في بعض مقاهي الإنترنت، وعلامات الحزن باديةٌ على وجوههم.
يقول فارح محمد (25 عامًا): "إنَّني أذهب كل يومٍ إلى الأسواق لأجد فرصة عملٍ أستفيد منها، لكن أعود في المساء وليس في جعبتي شيءٌ من الحصاد، إلا الإرهاق والتعب، إلا أنَّه يتابع وهو متفائلٌ: "إنَّني سوف أجد عملاً ما دمتُ أنا ملتزمًا وأعود مرارًا إلى الأسواق للبحث عن عمل"، وقال: "سوف نخرج من هذه الأزمة، ونحن نتنفس الصعداء يومًا ما".
أمَّا محمد عمر (30 عامًا) فيقول: "عندي ولدَيْن صغيرَيْن، وأنا لا أستطيع أنْ أسد حاجاتهما الأساسية، ولا أقدر أنْ أدفع لهم حتى رسوم الخلوة القرآنية، فأنا أبحث كل يوم عما يأكلونه ويشربونه، وليس عندي عمل يغطي كافة احتياجات أبنائي، فنحن نعيش بين حاضرٍ مرٍّ ومستقبلٍ مجهولٍ، ولا أعرف متى تنتهي هذه المحنة إلى محنةٍ؟!"، وأضاف: "إلى الله نشتكي".
وفي السياق نفسه يقول عبد الرزاق طيري (22 عامًا): "كل صباح نغدو تحت ويلات المعارك، ولا نجد من ينقذنا من هذه المشاكل التي تزداد يومًا بعد الآخر، فنحن نلقى صعوبات جمة من أجل الحصول على العمل وتوفير منحةٍ دراسيةٍ، فأنا أبحث عن مدرسةٍ مجانيةٍ أكثر من سنتَيْن، فلم أجد من يساعدني في هذا المجال، حتى اضطرت للاستغناء عن فكرة استكمال تعليمي".
وقال إنَّ الشباب الصومالي "أصبح اليوم هو الوقود الذي تشتعل به الحروب المستمرة في البلاد"، وأكَّد أنَّه "بحاجةٍ إلى العمل، والخروج من هذا المأزق، ولا نريد مزيدًا من الدمار والخراب".
أزمة غذائية
لاجئون صوماليون يجرون بما حملوه من معونات غذائية باتت نادرة

في ظل هذه الظروف تدق الهيئات الدولية والمنظمات الإنسانية ناقوس الخطر في الصومال، ولا يكاد يمر يومٍ دون أنْ تقرع الهيئات الدولية طبول الخوف من الأزمة الغذائية الحادة والفقر المدقع اللذين يهددان حياة أكثر من 19 مليونًا من البشر على الأقل، يعيشون على المعونات الغذائية الدولية في منطقة القرن الإفريقي، غالبيتهم في الصومال وإثيوبيا.
فيوم الثلاثاء الماضي، حذَّر وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشئون الإنسانية جون هولمز من انعدام الأمن الغذائي لأكثر من 19 مليون نسمة في منطقة القرن الإفريقي؛ بسبب الجفاف والقحط، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وغياب التمويل الكافي لتقديم المساعدات؛ للأكثر تأثرًا منهم بتلك الأوضاع، ومن بين هذه الدول الصومال التي عانت من المجاعات في الآونة الأخيرة.
ولفت هولمز في مؤتمرٍ صحفيٍّ حول هذا الأمر إلى أنَّ هناك حاجةً إلى مبالغ ماليةٍ كبيرة للوفاء بهذه الاحتياجات خلال العام الجاري، وأنَّ الظروف الاقتصادية الدولية لا تُسهِّل المطالب الموجهة للمانحين الدوليين، لتوفير مبالغ إضافية، إضافةً إلى تأثيرات الأزمة الغذائية التي سادت العالم بأكمله العام الماضي.
وتشير المنظمات الدولية إلى أنَّ هناك أكثر من 180 ألف طفل يعانون من سوء التغدية في الصومال، وقد ارتفع هذا الرقم خلال الأشهر الأخيرة، وأن من بين 15% إلى 20% من سكان الصومال يعيشون في المخيمات التي أُقيم معظمها خارج مقديشو، وينتظرون المساعدات الدولية والهيئات الخيرية.
وتفاقم من الأوضاع في هذا البلد، أنَّ الأمطار لم تهطل للموسم الرابع على التوالي في بعض المناطق الصومالية، وتحديدًا في المناطق الشمالية من البلاد؛ مما وضع هذه المناطق على حافة الفقر المائي والجفاف.
وزاد من سوء الحالة الانسحاب المتزايد للعاملين في المجال الإنساني في الصومال؛ حيث أصبحوا عرضةً للعصابات التي تستهدفهم.
