عجزت مستشفيات غزة المحاصرة عن تقديم العلاج اللازم للطفل "فراس أسعد" الذي فارق الحياة وهو في الثانية من عمره بعد رحلة طويلة مع المرض والمعاناة، وذلك على الرغم من أن أطباء في غزة بذلوا كل ما يمكن من أجل المساعدة في شفاء وإنقاذ حياة "فراس"، الذي اضطر لقضاء أوقات على سرير المستشفى أكثر بكثير من تلك التي أمضاها بين حضن والديه.

 

وتُعد معاناة أهل "فراس"؛ الوحيد لدى أبويه أسعد وآمال؛ واحدة من ضمن مآسي الحصار المستمر على القطاع، و"فراس"؛ الذي ولد وفي قلبه عيب خلقي؛ هو الوحيد لدى أبويه أسعد وآمال، إلا أنه اضطر لقضاء أوقات على سرير المستشفى أكثر بكثير من تلك التي أمضاها بين حضن والديه.

 

معاناة وعقبات لا تنتهي

 الصورة غير متاحة

مستشفيات غزة تكتظ بالمرضى

وبسبب إغلاق المعابر لم تتمكن عائلة "فراس" من نقله للعلاج في الخارج، فيما اضطرت المستشفى في غزة إلى بذل جهود لعلاجه في إحدى مستشفيات "الكيان" التي وافقت في النهاية على تقديم العلاج للطفل "فراس".

 

إلا أن الأب أسعد عانى من عقبات لا تنتهي، لإنجاز أوراق التصريح لـ"فراس" ووالدته التي ستصحبه في رحلة العلاج إلى "الكيان الصهيوني".

 

وبعد معاناة وانتظار طويلين وسباق محموم مع الزمن وصل الأب إلى مبتغاه، وأصبحت كل الأوراق بين يديه، وجهزت آمال حقيبتها للمغادرة مع طفلها إلى معبر إيريز "الصهيوني".

 

هذا وبينما كان والدا "فراس" في طريقهما إلى المستشفى لاصطحابه في سيارة إسعاف، ونقله إلى المستشفى "الصهيوني" تلقيا اتصالاً هاتفيًّا قتل فيهما الأمل؛ حيث تم إخبارهما بأنه لا داعي للعجلة، فروح "فراس" فارقت جسده الصغير الذي لم يستطع أن يقاوم المرض وإجراءات الحصار.

 

قصة "فراس" هي واحدة من آلاف قصص الابتزاز السادية التي يتعرض لها المرضى الفلسطينيون الذين يعانون من الأمراض المزمنة على أيدي عناصر "الشاباك"؛ حيث أصبحت حديث الشارع في قطاع غزة؛ لكثرة المحاولات التي يبذلها هؤلاء من أجل إسقاط أكبر عدد من هؤلاء المرضى في شباكهم.

 

فبينما كانت في سيارة الإسعاف التي تقلها باتجاه المعبر الحدودي "إيرز" الذي يربط بين قطاع غزة بالأراضي الفلسطينية 48 حرصت المواطنة أم محمد (49 عامًا) على الاتصال بأبنائها وزوجها لطمأنتهم وإبلاغهم بأنها في طريقها للقدس، لإجراء عملية جراحية واستئصال المرض الذي يعكر صفو حياتها.

 

أم محمد التي تقطن حي الشجاعية شرق غزة وتخوض صراعًا مع الموت تعاني من مرض السرطان الذي تسلل إلى جسدها منذ عدة أشهر؛ حيت تحتاج  لإجراء عملية جراحية عاجلة لاستئصال المرض، وهو ماتفتقر إليه مستشفيات قطاع غزة لعدم توفر الأجهزة الطبية والإمكانيات البشرية في ظل الحصار الصهيوني المفروض منذ ثلاث سنوات.

 

 وتُعد أم محمد هي واحدة من مئات المرضى الذين يرقدون أسرى على أسِرَّة المستشفيات منذ أشهر دون التمكن من السفر للعلاج، ويعانون فصولاً من المأساة بسبب الحصار المفروض وإغلاق المعابر المتواصل.

 

 الصورة غير متاحة

فلسطينيون أمام معبر إيريز في محاولة للخروج من غزة

أخيرًا، وبعد طول انتظار وترقب، تمكنت من الحصول على موافقة وتصريح للخروج إلى إحدى المستشفيات الصهيونية  للعلاج، ووسط دعاء الأقارب والأبناء لها بالشفاء والعودة بسلام أتمت استعداداتها للسفر باتجاه القدس لإجراء الجراحة، وما أن وصلت معبر إيرز حتى هم أحد الجنود الصهاينة للصعود داخل سيارة الإسعاف التي تقلها طالبًا إياها بالتوجه إلى إحدى الصالات في الطابق الأرضي، والانتظار حتى يتم استدعائها.

 

مرت ساعتان وثلاث ساعات، حتى طلب منها أحد الجنود مرافقته إلى إحدى الغرف في الطابق؛ حيث كان في انتظارها ضباط جهاز المخابرات "الشاباك" الذي أبلغها  بشكل قاطع أن السماح لها بالتوجه للعلاج  مشروط بموافقتها على التعاون مع المخابرات، وتزويدها بمعلومات عن حماس وباقي فصائل المقاومة، ومكان تواجد الجندي الصهيوني المختطف "شاليط".

 

أم محمد التي رفضت العرض الصهيوني على الفور، وقابلته بلفت نظر الضابط أن مايقوم به سلوك غير أخلاقي وإنساني صرخت في وجه الضابط مؤكدة أنها تفضل الموت على الخيانة حيث قررت العودة دون العلاج، فأطلق الضابط قهقهة مدوية، وطلب منها العودة حيث أتت، بعد أن وجه لها سيلاً من الشتائم والسباب.

 

وقالت أم محمد لـ(إخوان أن لاين)؛ بينما كانت تعلو ملامح المرض والإرهاق وجهها وهي ترقد على سريرها في مشفى الشفاء: "هدد بالاعتداء علي و تصويري إجباريًّا في مشاهد غير أخلاقية ونشر الصور على الإنترنت لفضحي؛ لكنني رفضت طلبه بالخيانة والتعامل، وفضلت الموت على خيانة شعبي".

 

عادت أم محمد  التي كانت تحلم بأن تعود إلى بيتها متعافية بكرمها وشرفها؛ لكنها مازالت مهمومة خائرة القوى؛ حيث تمكث داخل مستشفى الشفاء تصارع بين الحياة والموت وتنتظر "رحمة ربنا".

 

وتبدأ قصص الابتزاز والمساومة عندما يتقدم المريض الفلسطيني بطلب لدائرة التنسيق المدني الصهيوني الفلسطيني للحصول على تصريح يسمح للمريض بالسفر من غزة إلى إحدى مستشفيات الضفة الغربية أو الكيان الصهيوني لإجراء عملية، و بعد جهود مضنية، يحصل المريض على هذا التصريح، ويتوجه إلى معبر "إيريز"، وهناك يحدث مع معظم هؤلاء المرضى ما حدث مع أم محمد.

 

"إذَن أخبريني مَن مِن عائلتك يتبع لحماس، ومن للجهاد الإسلامي؟ سأسمح لكِ بالمرور للمستشفى" كانت هذه إحدى العبارات التي ساوم من خلالها أحد الضباط المريضة القاصرة "إيمان" (15 عامًا) كشروط لإتمام علاجها في إحدى مستشفيات الكيان.

 

إيمان التي تقطن مدينة غزة، وتمكث حاليًا في مستشفى الشفاء لم تكن أفضل حالاً من أم محمد؛ حيث كادت أن تكون إحدى ضحايا الإسقاط، فهي مصابة بمرض سرطان الكبد، وسبق لها أن مرت بعدد من جلسات العلاج الكيماوي في أحد المستشفيات الصهيونية، وكان من المفترض أن تمر بجلسة علاج رابعة مماثلة في المستشفى، وتوجهت إلى معبر "إيريز"، لتتعرض لنفس المساومة، فترفض وتعود إلى غزة متمنية الموت على تقديم أي معلومات للشاباك.

 

وتشير "إيمان" إلى أن حلمها بالشفاء والعلاج انتهى برفضها تقديم أي معلومات للضابط الصهيوني؛ مشيرةً إلى أنه طالبها بتقديم معلومات عن أماكن تواجد قادة حماس، ومراكز التصنيع، وكيفية العثور على الجندي الصهيوني شاليط.

 

وأضافت: "قلت: ليس لدي أي معلومات، وليس لدينا في العائلة أعضاء في التنظيمين".

 

وتابعت بامتعاض: "في الساعة الخامسة مساء؛ وبينما كنت على أحر من الجمر للدخول، قال المحقق: يكفي خذوها وأعيدوها إلى غزة".

 الصورة غير متاحة

مستشفيات غزة تعج بالمصابين ضحايا العدوان الصهيوني

 

جمال سلايمة (29 عامًا) شاب يقطن في مدينة غزة وقد أصيب بتهتك في شبكية العين، ونظرًا لعدم وجود التجهيزات والإمكانيات اللازمة لمعالجة حالته في غزة، فقد قرر الأطباء تحويله للعلاج في إحدى المستشفيات الفلسطينية المتخصصة في مدينة القدس، وعند المعبر تعرض سلايمة لنفس العرض فرفض، وعاد إلى بيته، لكن عائلته لم تسلم بهذا الواقع، ودفعت مبلغاً من المال، وقامت بتهريبه عبر أحد الأنفاق لكي يعالج في مصر، وعاد بعد أن تماثل للشفاء.

 

سيدة رفضت الكشف عن اسمها، تبلغ من العمر 34 عامًا، أصيبت بالسرطان، وتقرر إجراء عملية جراحية لها في أحد مستشفيات الكيان، وعندما وصلت معبر "إيريز" كان في انتظارها محقق "الشاباك" الذي حاول ابتزازها، فرجعت دون أن تجري العملية، ومنذ ذلك الوقت ووضعها الصحي يزداد سوءًا.

 

وكانت مؤسسات حقوقية صهيونية أعلنت في وقت سابق أنها وثقت أكثر من ثلاثين حالة لمرضى في قطاع غزة "كانوا في حاجة إلى علاج في الكيان؛ لكنهم أعيدوا عند الحدود عندما رفضوا تقديم معلومات بشأن المقاومة الفلسطينية الفلسطينيين، ومن بينهم مرضى بالسرطان وأمراض القلب الذين يحتاجون إلى علاج غير متوفر في القطاع.

 

وذكر وزير الصحة بغزة "باسم نعيم" أن الاحتلال الصهيوني يقوم بابتزاز المرضى الفلسطينيين للحصول على معلومات عن رجال المقاومة مقابل علاجهم في مشافيها، منوهًا إلى أن المرضى أثناء دخول معبر بيت حانون "إيرز" للعلاج في مشافي العدو يتم الضغط عليهم والتحقيق معهم بهدف التعاون.

 

وتشير مؤسسات حقوق الإنسان إلى أن جهاز الأمن الصهيوني العام "الشاباك" يواصل سياسة ابتزاز المرضى الفلسطينيين كشرط لخروجهم من قطاع غزة لتلقي العلاج، وتقول هذه المؤسسات إن هناك ارتفاعًا في عدد الفلسطينيين الذين يُستدعون للاستجواب ممن قدموا طلبات للخروج من قطاع غزة للعلاج.

 

ويؤكد تقرير حقوقي أن الشاباك يحقق أيضًا مع مرضى قُصَّر، ويقوم بالتقاط صور للمرضى رغمًا عنهم، وحبسهم لساعات طويلة خلال الاستجواب، ويشكو الفلسطينيون الذين مروا بتلك التجربة من قساوة المحققين، وفظاظتهم، واستخدامهم الشتائم والإهانات خلال استجواب المرضى.

 

ويؤكد التقرير أن كلَّ مَن لا يتعاون مع المحققين يعاد إلى قطاع غزة، ويتم منعه من المرور من معبر إيريز لتلقي العلاج في مستشفيات فلسطينية أو صهيونية، وحسب التقرير بين شهري يناير/ كانون الأول 2008 ومارس/ آذار 2009 استدعِيَ 438 مريضًا إلى معبر إيريز للاستجواب في غرف التحقيق التابعة للشاباك للنظر في طلباتهم، ويقول التقرير إن عدد المستجوبين ارتفع بشكل كبير، وهو في حالة تصاعد.

 

ويؤكد التقرير أن في شهر يناير 2009 فقط تم استدعاء 17% من ذوي الطلبات، وتقول مديرة منظمة أطباء لحقوق الإنسان "هاداس زيو": "حينما يسمح لجسم سري ذي ميول معروفة لوسائل مشكوك في أمرها بالعمل دون رقابة ونقد فالنتيجة هي جريمة بنيوية"، وتضيف: "إن صمت المحكمة العليا والمستشار القضائي للحكومة وآخرين تجعلهم جميعًا شركاء في الاضطهاد".

 الصورة غير متاحة

شعار جهاز الشاباك الصهيوني

 

ويعلل الشاباك الصهيوني ممارساته بدواعٍ أمنية، ويدعي أن التحقيقات تهدف إلى معرفة الخطورة المترتبة على دخول المريض إلى الكيان الصهيوني، ويزعم الشاباك أن مقدمي طلبات المرور للعلاج يخضعون لفحص وتقدير مدى الخطورة التي يشكلونها، ونفوا أن يكون الاستجواب بهدف جمع المعلومات.

 

 أحد قادة الجهاز الأمني التابع لكتائب القسام الجهاز العسكري لحماس حذَّر المرضى الفلسطينيين من الاستسلام والرضوخ لمطالب المحققين الصهاينة أو تقديم أي معلومات من شأنها أن تساعد على إسقاطهم في براثن العمالة.

 

وطالب أبو أنس القيادي القسامي المرضى بالثبات والصمود في وجه المحققين الصهاينة في حال تعرضهم للابتزاز، كما دعا الشباب لعدم التعامل مع أي اتصال مجهول المصدر أو أي اتصال من شركة "أورانج" الصهيونية للهواتف النقالة.

 

وأكد أبو أنس أنه من خلال التحقيقات التي جرت مع عملاء تم تجنيدهم من قِبل "الشاباك" تبين أن عناصر "الشاباك" يقومون غالبًا بإغراء المرضى ومساومتهم  وإجراء اتصالات عشوائية مع بعض الشباب الفلسطيني، وإذا ما تعاطى الشاب بشكل إيجابي يقومون بإغواء الشباب بالمال، وطالب الأهالي بضرورة مراقبة أبنائهم وأجهزة الاتصالات "كي لا يكونوا فريسةً سهلةً لرجال المخابرات الذين يستغلون حاجة أبناء شعبنا نظرًا للحصار الظالم".

 

وأكد المسئول أن 80% من العملاء يكون إسقاطهم نتيجة حاجتهم للمال، مبيِّنًا أن البطالة والفقر الناتجين عن الحصار هما عنصران أساسيان للسقوط في فخ العمالة للكيان الصهيوني.