لم يكن صيادو غزة أفضل حالاً من باقي أبناء الشعب الفلسطيني الذين يعانون شظف الحياة وويلات الحصار المفروض منذ 3 أعوامٍ عليهم دون أن تحرك معاناتهم الضمائر المتفرجة بصمت، كغيرهم من أبناء غزة يعيش الصيادون حصارًا ومعاناةً أخرى، ولكن هذه المرة في البحر، المتنفس الوحيد للقطاع؛ حيث يتعرضون بشكلٍ يومي لإطلاق نار واعتداءات صهيونية لم تتوقف.

 

ودفع هذا الحال العشرات منهم للتظاهر في عرض بحر غزة بدعوةٍ من الحملة الفلسطينية الدولية لفك الحصار، داعين نقابات الصيادين في العالم إلى تعزيز التضامن مع الصيادين الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال واعتداءاته.

 

وأكدت الحملة- قبيل انطلاق عشرات قوارب الصيد المحمَّلة بالمتضامنين مع شريحة الصيادين- أن الصياد الفلسطيني يتعرض يوميًّا للاعتداءات الصهيونية، مشيرةً إلى أن الانتهاكات والقيود الصهيونية ضد الصيادين تتمثل في فرض قيود جائرة على الصيادين ومنعهم من ممارسة مهنتهم وفرض مساحة لا تتجاوز ثلاثة أميال للصيد، وسط اعتداءات يومية من إطلاق نار وقصف متعمَّد واعتقال للصيادين ومصادرة لقوارب الصيد ومعدات الصيادين، فضلاً عن حالة الحصار والإغلاق التي يفرضها الاحتلال على قطاع غزة، ومنعه إدخال ما يلزم لصيانة مراكب الصيد وتطويرها.

 

وأوضحت الحملة أن الصياد الفلسطيني أصبح أمام خيارين؛ إما أن يترك عمله ويواجه غول الفقر والعوز، أو أن يواصل العمل متحملاً الظروف القاسية، ومعرِّضًا نفسه لاعتداءات ومخاطر قد يدفع حياته ثمنًا لها.

 

وأضافت: "هناك أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة صياد وألفَي عامل يعملون في مهن مرتبطة بالصيد، ومعهم قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني؛ يؤكدون ضرورة توفير حقوق الصيادين، وأن تسمح لهم قوات الاحتلال بدخول البحر كي يمارسوا مهنتهم كما نص عليها العديد من الاتفاقيات التي تسمح بدخولهم لاثني عشر ميلاً بحريًّا".

 

وطالبت الحملة الاحتلال بأن يتحمل المسئولية عن حياة الصيادين، وعما آلت إليه أوضاع الصيادين والسماح بإدخال كل ما يلزم من مستلزمات لكافة قطاعات الشعب بمن فيهم الصيادون، كما طالبت السلطة الفلسطينية بإيجاد برامج دعم عاجلة من أجل دعم الصيادين وتعزيز الصيادين والرقي بمهنتهم.

 

حضر المظاهرة البحرية ممثلون عن مؤسسات حقوق الإنسان والعشرات من المتضامنين الأجانب ومواطنون فلسطينيون يحملون اللافتات التي تندد بالممارسات الصهيونية بحق صيادي غزة.

 

ويعاني الصيادون الفلسطينيون من جرَّاء تصعيد قوات الاحتلال لممارساتها التي تنتهك حقوقهم الإنسانية، لا سيما تلك المتعلقة بتقييد حريتهم في الوصول إلى مناطق الصيد في عرض البحر، والتعرض لهم بإطلاق النار والاعتقال والإهانة والإذلال وتخريب معداتهم في عرض البحر.

 

الصياد محمد الشط "30عامًا" يصف حياة الصياديين بأنها الأسوأ، مشيرًا إلى أوضاعهم الاقتصادية والحياتية التي تسير من سيئ لأسوأ، مضيفًا: "منذ بدء الحصار ونحن نجابه "الاحتلال" بهدف الدخول إلى المناطق المسموحة للصيد إلا أنها تواجهنا بالقذائف والرصاص والاعتقال.

 

ويشير إلى أن ممارسات الاحتلال المختلفة من إطلاق النار والقذائف وملاحقة المراكب والصيادين واعتقالهم تهدف لدفعهم عن التوقف عن الصيد، معربًا عن أمله أن تضغط الدول الكبرى على الاحتلال من أجل السماح لهم بممارسة مهنتهم كي يتمكنوا من إطعام أطفالهم ومواجهة الغلاء الذي يسببه الحصار.

 

الصياد حسام قنوع لم يكن أحسن حالاً، ويصف حالته المعيشية قائلاً: "وصلنا إلى درجة يُرثى لها من جرَّاء ممارسات الاحتلال التي تحول دون تمكننا من الإبحار والصيد، مؤكدًا أنهم يتعرضون لمخاطر القتل والاعتقال وتدمير المراكب والشِباك لإصرارهم على كسب لقمة العيش التي قد تدفعهم لهجر البحر إذا استمر الحال على هذا المنوال.

 

 الصورة غير متاحة

 صياد يرفع علم بلاده على مركبه خلال احتجاج على الحصار

ويتابع: ننتظر بالعادة شهري مايو ويونيو بفارغ الصبر نظرًا لتكاثر أنواع الأسماك، وخاصةً السردين، ولكن منذ بداية مايو والزوارق الحربية لا تغادر البحر، وكلما أبحر أحدنا طلبًا  للرزق تقوم هذه الزوارق بإطلاق النار عليه، فلا يكاد يمر يوم إلا ونتعرض لإطلاق نار واعتقال من الزوارق الحربية الصهيونية التي تجوب عرض البحر ليل نهار.

 

ويشتكي الصياد عمر شملخ "41 عامًا" من نسيانه طعم السمك، وخسارة موسم الصيد الحالي بسبب فرض مسافة الثلاثة أميال، وكذلك اعتداءات الاحتلال المستمرة بحقِّ الصيادين من إطلاق نار واعتقال تجاه الصيادين وتدمير لقوارب الصيد.

 

ويضيف أن حالته تشبه تمامًا حالة ثلاثة آلاف صياد باتوا يعيشون تحت خط الفقر، مطالبًا بضرورة وجود برنامج لدعم وتعويض الصيادين أسوةً بالقطاعات الأخرى من قِبل الحكومة ومجلس الوزراء، ومعربًا عن أسفه لشعوره أن لا أحد يهتم لقضيتهم أو حتى يسلط عليها الضوء.

 

الشاب وائل السلطان (21 عامًا) من منطقة السلاطين غرب بلدة بيت لاهيا شمال القطاع قال: "إن مهنة الصيد كانت بالنسبة لنا متعة ونزهة، إضافةً لكونها مصدر رزق لنا ولعائلاتنا، لكنها الآن وفي ظل هذه الهجمة المسعورة من قِبل قوات بحرية الاحتلال أصبحت رحلةً محفوفةً بالمخاطر والموت.

 

وأضاف السلطان وهو صيّاد ويمارس عددٌ كبيرٌ من أفراد عائلته مهنةَ الصيد التي ورثوها عن أجدادهم وآبائهم منذ مئات السنين "نتعرض يوميًّا صباح مساء لإطلاق النار من قِبل قوات الاحتلال، وهو ما يؤدي في كثيرٍ من الأحيان إلى إعطاب مركباتنا وتمزيق الشباك وهو ما يحرمنا من مزاولة العمل لأسابيع، وأحيانًا لأشهر لحين تمكننا من إصلاحها، ما يشكل عامل ضغط نفسي علينا، فمن جهةٍ من أين نحصل على المال لإصلاح مركباتنا، ومن جهة أخرى لو حصلنا على المال فعائلاتنا بحاجةٍ للطعام والشراب والملبس وخلافه.

 

وتابع: إن قوات الاحتلال تمنعنا من الصيد لمسافة تتجاوز الأربعة أميال ومن يحاول أن يتجاوز تلك المساحة المسموح الصيد بها يتم إطلاق النار عليه، مشيرًا إلى أن شهري 4 و5 يعتبران موسم السردينة التي تتوافر بكثرة على مسافة سبعة أميال وأكثر، ومَن يحاول الوصول إليها يكون مصيره إما الموت أو الإصابة والاعتقال في أحسن الأحوال.

 

وأكد الصيّاد السلطان أن عمليات الملاحقات والمطاردة وإطلاق النار من قِبل قوات البحرية تتم داخل وخارج المنطقة المسموح للصيادين الصيد فيها، مشيرًا إلى أن هناك العديد من الصيادين استشهدوا وأصيبوا واعتقلوا ومنهم من عائلته.

 

وقلَّصت قوات الاحتلال المسافةَ المسموح للصيادين الفلسطينيين التحرك فيها من عشرين ميلاً بحريًّا وفق اتفاقيات أوسلو إلى أربعة أميال بحرية، لا تترك فيها زوارق البحرية الإسرائيلية ذات الإمكانيات التسليحية المتطورة هامشًا من الحركة لقوارب الصيد الفلسطينية المتهالكة من القِدَم.

 

وتنص اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في المادة (11) على تقسيم شاطئ بحر قطاع غزة الذي يبلغ طوله 42 كم إلى ثلاث مناطق (K.M.L) فالمنطقة k تمتد إلى 20 ميلاً في شمال غزة إلى 1.5 ميل اتساعًا للجنوب، والمنطقة m تمتد من 20 ميلاً في جنوب بحر غزة إلى 1 ميل اتساعًا من مياه مصر، أما المنطقة L فتمتد إلى 20 ميلاً من الشاطئ.

 

وأكد نزار عياش، نقيب الصيادين أن الخسائر المباشرة لقطاع الصيد خلال فترة الحرب تجاوزت 400 ألف دولار بسبب الأضرار التي لحقت قوارب الصيد ومعدات الصيادين، لافتًا إلى أن قيمة الخسائر غير المباشرة بلغت أكثر من 1.7 مليون دولار.

 

وأضاف عياش أن خسائر الصيادين المباشرة منذ بدء الانتفاضة تزيد عن 17 مليون دولار، في حين أن معاناة الصيادين ستزداد تفاقمًا في حال استمرت اعتداءات الاحتلال؛ حيث إن نسبة مراكب الصيد التي تعمل حاليًا عقب انتهاء الحرب وما خلفته من أضرار تُقدَّر بنحو 10% فقط من مراكب الصيد الإجمالية.

 

وكان تقرير صادر عن المبادرة المحلية لمواجهة العدوان أكد ضرورة وقف العدوان بحق شريحة الصيادين التي تبحث عن كسب العيش ومكافحة حالة الفقر التي يمر بها مئات الصيادين بسبب أعمال التضييق والعرقلة الصهيونية، وطالب بالضغط على حكومة الاحتلال لاحترام حقوق هذه الشريحة في العمل والبحث عن الرزق.