أطبق الليل بجفونه الحالكة السواد على مَنْ تبقى مِن عائلة "حويج"، التي تعرضت لمجزرة بشعة إبان الحرب الصهيونية الأخيرة على قطاع غزة في ديسمبر ويناير الماضيين؛ بعد أنْ استهدفت طائرات الموت منزلهم المتواضع، الذي كان يؤوي 14 فردًا من العائلة في الساعات الأولى من الغارات الجوية؛ لتصبح ذكريات العائلة مجرد أضغاث أحلام، هوت إلى حفرة سحيقة، خلفها قصف طائرات الـ(إف- 16) الأمريكية الصنع.
المنزل كان يقع بالقرب من موقعٍ للشرطة الفلسطينية في حي التفاح شرق مدينة غزة، ولم تمهله صواريخ الموت فرصة للنجاة، لتخطف رب الأسرة وعائلها الوحيد جابر حويج (53 عامًا)، وثلاثة من أبنائه، وتبدأ أولى حلقات المعاناة برتوشٍ قاتمةٍ.
فمنذ تلك اللحظة تبكي العائلة فراق أحبتها، وزادت مسئوليتها بعد غياب رب الأسرة؛ ليحمل عنه أبناؤه محمود وجبر المتبقيان من العدوان أوزارًا شديدةً أثقلت كاهلهم؛ فبعد أنْ انقشعت غيمة الحرب السوداء، فتح أحد الجيران مسكنه للعائلة المشردة التي أمضت ما يزيد عن شهرٍ تقطن في غرفةٍ واحدةٍ؛ بعد أنْ أصبحوا بلا مأوى.
وعلى الرغم من مرور أربعة شهور على انتهاء الحرب الضروس، إلا أنَّ رياحها الساخنة تلفح وجوه المتضررين وأسر الشهداء، وتعصف بحياتهم المريرة التي خيم عليها حصار مضنٍ، عجز المجتمع الدولي والعالم العربي عن زحزحته قيد أنملة، فحملت قسماتهم علامات البؤس والفاقة، وسكن في عيونهم بصيص أمل خافت في العودة إلى بيوتهم؛ لإسدال الستار على نهاية معاناة سوداء، رسمتها الحرب الغاشمة على جدران بيوتهم المدمرة.
وبدأ الشقيقان بالبحث عن شقة سكنية تؤوي عشرة أفراد؛ بعد أنْ شرعت الحكومة الفلسطينية في غزة بصرف تعويضات لعوائل الشهداء والأسر المتضررة.
وقد أدت الحرب الصهيونية المجنونة على قطاع غزة إلى استشهاد ما يزيد على 1500 فلسطيني، من بينهم 313 طفلاً، و116 امرأة، وإصابة حوالي 5400 آخرين، وتدمير 4 آلاف منزلٍ تدميرًا كليًّا، و16 ألفًا تدميرًا جزئيًّا، بما أدى إلى تشريد نحو خمسة آلاف أسرة بالقطاع، هدمت منازلها، وفقدت أثاثها بشكلٍ كاملٍ وتحتاج إلى مأوىً بديلٍ.
![]() |
|
فلسطينيات يعلن تضامنهن مع حكومة هنية |
وأوضحت حكومة هنية في تقرير موسَّع لها صدر عن المكتب الإعلامي للأمانة العامة لمجلس الوزراء الفلسطيني في قطاع غزة عن العدوان الصهيوني أنَّ المشروع استفاد منه حوالي 13847 مواطنًا من أصحاب المنازل المدمرة بشكلٍ كليٍّ أو جزئيٍّ وعائلات الشهداء والمصابين، موزَّعين على كافة محافظات قطاع غزة.
أوضاعٌ صعبةٌ
إلا أنَّه بالرغم من ذلك، فإنَّ ظروف الحصار أقوى من الجميع، ولا تعتبر عائلة الحويج نموذجًا فرديًّا، بل إنَّ حالها هو ذات حال الآلاف من أبناء قطاع غزة المُحاصَر.
محمود الحويج البالغ من العمر 22 عامًا، يبحث عن شقةٍ سكنيةٍ، ويصف تلك العملية بأنها تشبه العثور على "إبرة في كومة قش"، فقطاع غزة شهد أزمة في الشقق السكنية التي أصبح إيجارها ضعف ما كان عليه سابقًا.
وأسدلت الحرب الشعواء واقعًا أليمًا على أسر الشهداء، التي فقدت من يعولها، وأصبح حالهم جميعًا مماثلاً لحال عائلة حويج، التي عجزت عن لملمة جراحها، والعيش حياة كريمة كباقي الأسر الغزية.
وبعد جهدٍ طويلٍ استأجر الشقيقان محمود وجبر، نصف شقة سكنية، دفع الجشع مالكها إلى قسم الشقة إلى نصفين، وقام بتأجير كل واحدة منهما بمبلغ 150 دولارًا شهريًّا، فاضطرا إلى استئجارها بدلاً من المكوث في غرفةٍ واحدةٍ "كعلبة السردين".
وينأى مسكن العائلة الجديد عن مستوى الرفاهية المطلوب، فغرفه شبه خاوية تقريبًا، عدا عن بعض "الفرشات الإسفنجية" التي قدمتها لهم الجمعيات الخيرية، أما مطبخ العائلة فيفتقر إلى أواني الطهو والصحون، فقد دُثِّرت جميع مقتنياتهم تحت الركام، فمن يرى ما يضمه المطبخ من بعض الأدوات المنزلية القليلة على أرففه الخاوية يعتقد أنَّ الشقة تعود "لرجلٍ عازبٍ".
وتخلو الشقة من الأثاث والأسرَّة والأدوات الكهربائية، باستثناء تلفاز توسط صالون المنزل يعتمدون عليه لمتابعة أخبار المتضررين التي سكت الحديث عنها، كما أنَّ ملابس عائلته لا تجد دولابًا يضمها وعبئت في علبٍ كرتونيةٍ.
ويقول محمود بامتعاض: "ربما ينتهي هذا الكابوس، ويصدق المتبرعون فيما قطعوه على أنفسهم من عهود للبدء في عملية الإعمار".
فصول المعاناة التي تعيشها العائلة تجسد واقعًا مريرًا، كما يقول شقيقه الأكبر جبر (25 عامًا)، الذي يبحث عن عملٍ منذ أكثر من عامَيْن دون أنْ يحالفه الحظ، ويخشى أنْ يهدر ما تقاضوه من أموال على نفقات البيت التي لا تنتهي، وأجرة المنزل قبل العودة إلى منزلٍ جديدٍ عوضًا عن منزلهم المدمر.
وصفعت الحرب القاسية فرحة جبر بالزواج؛ بعد تدمير منزل أسرته، وعزف عن التفكير ولو لحظة في تلك الأمنية التي طالما كانت حلم والديه، متسائلاً إلى متى سيبقى هذا حالنا نعيش على حفنة من المساعدات الإغاثة لا تسمن ولا تغني من جوع، وما سيئول إليه حالنا إذا تأخر مشروع الإعمار، ونفدت أموالنا، فتلك الأزمة تفرخ يوميًّا مشاكل جمة في حياتنا السيئة.
80% على المعونات
غزاويون ينتطرون استلام مساعدات غذائية من الأونروا

وفي ظل الازدياد الكبير لشريحة الفقراء، والمحتاجين؛ بعد الحرب المسعورة تقلصت المساعدات الإغاثية التي تقدمها وكالة الغوث والتشغيل (الأونروا) ووزارة الشئون الاجتماعية، وأصبح نحو 80% من سكان قطاع غزة يعيشون تحت خط الفقر، بحسب الإحصائيات المسجلة عن مراكز حقوقية.
وسئم حويج من كثرة الجمعيات الخيرية التي تطالبهم بتصوير مستندات عديدة، ولا تقوم بزيارتهم والتعرف على معاناتهم، فبعضها يقدم مساعدة مالية لا تتعدى الـ200 شيكل نهاية الشهر لكفالة شقيقه اليتيم الذي لا يتجاوز الثلاثة أعوام، في حين أنَّ الغالبية العظمى منها لا تقدم لهم شيئًا يذكر.
ولا يختلف الحال كثيرًا بالنسبة للمواطن خضر صبيح (48 عامًا)، من حي الدرج بمدينة غزة، الذي نقل بصره في أرجاء غرفة الجلوس، وبالتحديد إلى حاسوب فلذة كبده البكر أحمد، الذي استشهد مع ابن خاله محمود المشهراوي بصاروخٍِ أطلقته طائرة استطلاع صهيونية إبان العدوان على القطاع.
وأطال صبيح نظره إلى الشهادات الفخرية المعلقة على الجدران، التي حاز عليها ابنه الشهيد في حفظ القرآن الكريم، وشغفه ببرامج التصميم والمونتاج الإليكتروني.
يقول صبيح بنبراتٍ يعتصرها الألم على فراق ولده: "طيف أحمد لا يزال ماثلاً أمامي في كل طريق سلكها.. إلى المسجد، أو المدرسة، ويزداد حنيني إليه مع اقتراب موعد الامتحانات النهائية لطلبة الثانوية العامة، ورؤية أصدقائه الذين يجتمعون للدراسة بجوار منزلي، فقد كان حلمه أنْ ينهي دراسته الجامعية، ويؤازرني في تحمل أعباء الحياة القاتمة، ويكون سندًا في غيابي".
الشهيد أحمد صبيح في أجواء الدراسة قبل الحرب
وزادت همومه بعد رحيل أحمد الذي كان يقوم بجميع متطلبات المنزل من شراء، وصيانة للأدوات الكهربائية، ليترك فراغًا يعجز أخوه الصغير أسامة ذو الخمس سنوات عن ملئه، وأداء المهام التي كان يقوم بها أحمد، لكنه يفتح ذكريات عطرة من حياة الشهيد، مستذكرًا مداعباته اللطيفة، وشراء الحلويات له، فيلهمه لسانه لقراءة الفاتحة على روح شقيقه في كل يوم.

أما والدته الصابرة ففي عيونها يخيم حزن أبدي لا يرغب في الرحيل، تحاول جاهدة النسيان، لكن جراحها النازفة لم تندمل بعد، فرؤية كتبه الدراسية على مكتبه الخشبي، وبصماته التي تركها على حاسوبه تفتح عليها أحزانًا قديمةً تأبى على المضي بعيدًا عن طريقها، ويشفع من هول مصيبتها قدوم زملائه؛ لمساعدة زوجها باستمرار.
ويقول الوالد بأسى ولوعة: "نزحت في الحرب إلى بيت أقاربي؛ لأنَّ الاحتلال هدد بقصف منزل جاري، وانتهت الحرب لأعود بدون أحمد".
خيام!!
وربما يشعر بحجم المعاناة من تقطعت بهم السبل، ولم يجدوا إلا الخيام مأوى لهم، فالمواطن جمال السلطان (30 عامًا)، من حي السلطان شمال بيت لاهيا، لجأ إلى مخيمات الإيواء؛ بعد أنْ هدمت الجرافات الصهيونية عش الزوجية الذي لم يمضِ على بنائه أكثر من ثمانية شهور.
فلسطيني يلملم خيمة تهاوت أمام الرياح التي تضرب غزة
وانتهى به المطاف ليستقر في خيمة قماش في مخيم الإيواء للمشردين تفتقر لأدنى مقومات الحياة، فهي لا تقي عنه حر الصيف المقبل، ومع ضيق الحال، حولها إلى غرفة نوم وضيافة ومطبخ في آنٍ واحدٍ.

ويخيم الصمت على السلطان الذي ينتظر مولوده البكر بعد أربعة شهور؛ في ظل ظروف قاهرة يعيشها في المخيم، وينتابه شعور بالحنق والألم عندما يتخيل أنَّ طفله سيفتح عينيه على هذا الواقع المرير، ودمار يوحي بحياة أليمة، ويرنو بذاكرته إلى ما قبل الحرب التي قتلت فرحته، مستذكرًا غرفة طفله الجميلة التي زينها بالألعاب، ويستفيق من أحلامه على جبال الركام المحيطة بخيمته التي عصفت بأحلامه.
وبكلمات متقطعة يشيح بيده إلى مسكنه البدائي، ويقول: "خططت مع زوجتي أنْ نعوض أبناءنا عن كل لحظة حرمان عشناها، إلا أنَّ الاحتلال أبى إلا أنْ يحول أحلامنا إلى سراب، ومع كل إشراقة صباح يجلس مع زوجته قبالة الخيمة يفكران بما سيصنعان في المستقبل القريب؛ بعد ما ضاع كل شيء هباءً منثورًا.
