يحدث الآن في باكستان.. ثلاثة ملايين مسلم ينزحون عن ديارهم، بينهم 70 ألف امرأة حامل، فيما يشهر أكثر من 20 ألفًا من المسلمين السلاح في وجه بعضهم البعض، موزعين ما بين 15 ألفًا من جنود الجيش الباكستاني وما بين 4 إلى 5 آلاف من مقاتلي حركة طالبان باكستان.
الأزمة الراهنة في إقليم وزيرستان القبلي شمال غرب باكستان امتد نطاقها إلى أقاليم أخرى كما جرى في لاهور اليوم؛ حيث استهدف مقاتلو طالبان مقار للشرطة ولجهاز المخابرات العسكرية الباكستاني، وتلك الأزمة لا يمكن النظر لها في إطار الماضي القريب فحسب؛ حيث اندلعت في الأسبوع الأول من مايو الحالي، بعد نكوص الحكومة الباكستانية عن اتفاق تطبيق الشريعة الإسلامية الذي وقعته مع جماعة تطبيق الشريعة الإسلامية، مقابل وقف إطلاق النار في وادي سوات مع حركة طالبان باكستان.
بل إنَّ الأزمة الحالية لها بُعدان أساسيان في الزمان والظروف، الأول هو بعدٌ زمني ماض، والثاني هو بعدٌ خارجي موجود وفاعل.
وفيما يخص البعد الزمني فإنَّ جذور المشكلة القائمة حاليًا في باكستان يعود إلى عقود ثلاثة ماضية، مع الغزو السوفيتي السابق لأفغانستان المجاورة، في العام 1979م، والدور الذي لعبته الحكومات الباكستانية المتعاقبة في إعلان نفير الجهاد في أفغانستان لجميع المسلمين في أرجاء الأرض بأكملها، وكانت لحكومة الرئيس الراحل الجنرال محمد ضياء الحق، وحكومة رئيسة الوزراء الراحلة بي نظير بوتو، الأولى في أواخر الثمانينيات الدور الأكبر في هذا.
العامل الأمريكي
وهو ما يقود إلى الحديث عن العامل الثاني وهو البُعد الخارجي، وللدقة نقول البُعد الأمريكي في الأزمة. وفي الواجهة مباشرة، وقبل استعادة الماضي البعيد والقريب للأزمة، فإنَّ الدور الأمريكي في الأزمة الحاية هو السبب الرئيسي لها.
فعندما وقعت الحكومة المحلية في إقليم وزيرستان، ثم الحكومة المركزية الباكستانية في إسلام أباد على اتفاق وقف إطلاق النار مقابل تطبيق الشريعة الإسلامية، وتأسيس محاكم شرعية في الإقليم، مع حركة تطبيق الشريعة بقيادة مولانا صوفي محمد، اعترضت الولايات المتحدة فورًا، ووجهت الإنذار تلو الإنذار للحكومة الباكستانية لنقض هذا الاتفاق.
ووصلت الضغوط الأمريكية على باكستان لدرجة التهديد بوضعها على قائمة الدول الراعية للإرهاب، ووصف وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون لباكستان، بأنَّها "أكبر خطر يتهدد العالم" خلال شهادتها الأولى كوزيرة للخارجية أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي.
كما بدأت وزارة الحرب الأمريكية (البنتاجون) ودوائر الأمن القومي في وكالات الاستخبارات الأمريكية والبيت الأبيض في الترويج لما يوصف بـ"مخاوف" من استيلاء الجماعات الإسلامية التي تنضوي تحت لواء حركة طالبان باكستان بزعامة بيت الله محسود، على الترسانة النووية الباكستانية.
الآلاف فروا من جحيم المواجهات في سوات

وفي المقابل عمدت الولايات المتحدة إلى تبني سياسة "العصا والجزرة" مع الحكومة الباكستانية؛ حيث تم عقد مؤتمر للدول المانحة في اليابان في ربيع العام الحالي تعهد بتقديم 6 مليارات دولار كمعونة لباكستان، ذات الاقتصاد المريض بفعل الأزمات الداخلية، والتي اكتمل عقدها بالأزمة الاقتصادية العالمية، بجانب وعود بتقديم مبلغ 7.6 مليارات دولار أخرى كقروض من صندوق النقد الدولي.
وعلى الفور، اندلعت العمليات العسكرية الأخيرة في إقليم وزيرستان، ولكن يجب التنويه إلى أنَّ هذه المنطقة لم تعرف استقرارًا منذ الغزو الأمريكي لأفغانستان في أكتوبر من العام 2001م، وهو ما يعيدنا إلى الحديث عن العامل الأمريكي أيضًا.
فمنذ الغزو الأمريكي لهذا البلد المجاور لتخوم وزيرستان، والعمليات العسكرية متواصلة فيه، لعدد من الأسباب:
- اشتراكه في الحدود الأصعب بين باكستان وأفغانستان، عند مناطق جبال هندوكوش الرهيبة، وعلى صعوبة العمليات العسكرية فيه من جانب القوات النظامية، مقارنة مع صلاحيته لحرب العصابات، وعمليات عبور الأفراد والسلاح عبر جانبَيْ الحدود.
- كان وزيرستان ولا يزال ظهيرًا تعبويًّا بشريًّا ولوجستيًّا لحركة طالبان أفغانستان، مع كون هذه المناطق تسكنها قبائل البشتون، التي تشكل أغلبية سكان أفغانستان، مع عوامل تقارب فكري وديني أخرى.
- اشتراك وزيرستان مع أفغانستان في طبيعة المجموعات الإسلامية المسلحة العاملة فيها، فمع العامل العرقي المشترك، تحول وزيرستان إلى نقطة جذب لكل المجموعات المسلحة التي كانت تعمل في إقليم جامو وكشمير الذي تحتله الهند، وكذلك بقايا المجموعات التي كانت تدعم المجاهدين الأفغان خلال حرب السوفيت، وبعض الجماعات الإسلامية الباكستانية الأصل، مثل "لشكر طيبة" و"جيش محمد"، لتكوِّن فيما بينها ما يُعرَف باسم حركة طالبان باكستان.
وقد قامت الولايات المتحدة بالضغط من أكثر من جهة لإشعال هذا الملف، الجهة الأولى هي الضغط على الحكومة الباكستانية لمحاربة هذه المجموعات المسلحة في الداخل الباكستاني، والمشاركة في الحرب على ما يوصف بـ"الإرهاب" في أفغانستان، مع كل ما لذلك من مخاطر على الأمن القومي الباكستاني كما سوف نرى.
ففي الأيام التالية لأحداث سبتمبر من العام 2001م، وصل كلٌّ من وزير الخارجية الأمريكي آنذاك كولن باول، ومساعده ريتشاد أرميتاج، إلى باكستان حاملَيْن قائمة من سبعة مطالب، أو أوامر أمريكية بمعنى أدق.
وكما قال زاهد حسين صحفي (الواشنطن بوست) الأمريكية، ذو الأصول الباكستانية في كتابه "جبهة باكستان": "فإنَّ هذه الأوامر السبعة كان من بينها مطالبة حكومة طالبان أفغانستان في ذلك الحين بوقف دعم تنظيم القاعدة وتسليم زعيمه أسامة بن لادن وكبار معاونيه، مع وقف كامل لأيِّ دعم مالي أو عسكري أو سياسي لطالبان والتنظيمات الإسلامية المسلحة، وتحجيم وجود الإسلاميين في مؤسسات الحكم في باكستان، وخصوصًا الجيش ووكالة مخابراته الأكبر في باكستان، المعروف باسم (ISI)".
الملايين نزحوا من سوات للهروب من الحرب الطاحنة

وبطبيعة الحال لم يتم تنفيذ هذه التعليمات؛ لأنَّ الجهة التي كان منوطًا بها التنفيذ هي الجيش الباكستاني الذي كان ممتزجًا بشدة بالجماعات المطلوب منه أنْ يحاربها الآن، وهو ما كان مستحيلاً لعدد من الأسباب، ومن بينها:
- رابطة الدين والعرق بين هذه المجموعات وبين الجيش الباكستاني (مسلمون سُنَّة، وبشتون).
- نجاح مشروع "أسلمة" باكستان، بكامل مؤسساتها، ومن بينها الجيش والمخابرات، لمحاربة العدو الشيوعي الملحد الذي غزا أفغانستان، في الثمانينيات الماضية.
- وبالتالي باتت هذه المجموعات في باكستان وأفغانستان رفيقة سلاح للجيش والمخابرات الباكستانيَّيْن.
- كان لدعم طالبان في أفغانستان مصلحة قومية عظمى لدى المخابرات والجيش في باكستان؛ حيث كان المخطط أنْ تكون أفغانستان الواسعة المساحة قليلة السكان، وذاتت تجربة حرب طويلة، هي الظهير التعبوي الواسع الخلفي لباكستان أمام عدوها الرئيسي، الهند، وبالتالي، ومع وجود "ظل" الهند في الأمر، فإنَّه من المستحيل على الجيش الباكستاني التهاون.
وبالفعل كان من الطريف أنه عندما ذهب مدير المخابرات العسكرية الباكستانية للقاء الملا محمد عمر زعيم حركة طالبان أفغانستان لإقناعه بتسليم ابن لادن، أو على الأقل طرده من أفغانستان بحسب الطلب الأمريكي، فما أنْ خلا مدير المخابرات الباكستاني بالملا محمد عمر بناءً على طلب المخابرات الباكستانية، حتى قال له المسئول الباكستاني ألا ينفذ التعليمات الأمريكية!!
أما الجانب الثاني الذي أشعلت به واشنطن الأوضاع في باكستان كان إصرار إدارة الرئيس الأمريكي السابق الجمهوري المتطرف جورج بوش الابن، والديمقراطي الغامض الحالي باراك أوباما، على تنفيذ هجمات مبرمجة بواسطة طائرات من دون طيار في هذه المناطق الساخنة داخل الحدود الباكستانية؛ مما أدى لتأجيج الموقف في باكستان بسبب رفض الجيش والشعب لهذه الاعتداءات السافرة على السيادة الباكستانية، لا سيما مع سقوط مئات القتلى نتيجة هذه العمليات.
عوامل متداخلة
آلاف العائلات الباكستانية فرت بأطفالها من ويلات القتال
ولما كانت الحكومات الباكستانية المتعاقبة قد دأبت على التحالف مع الولايات المتحدة، فإنَّ العامل الأمريكي كان له الدور الأكبر في الأزمة الحالية في باكستان، بعد إصرار الحكومات الباكستانية المتعاقبة على تنفيذ تعليمات متناقضة، ما بين دعم المجاهدين في وقت الغزو السوفيتي لأفغانستان، ثم محاربة هؤلاء المجاهدين بعد أنْ تغلغل أنصارهم في مؤسسات الدولة الباكستانية.

وكان الوحيد القادر على التوفيق بين هذين الأمرَيْن، هو الرئيس السابق برويز مشرف، لكونه ذي خلفية عسكرية، وكان على اتصال وعلاقات جيدة مع الجانبَيْن، الأمريكي والمجاهدين وأنصارهم في الجيش والمخابرات.
لكن المخطط الأمريكي لم يكن ليترك مشرف لحاله، فبدأ بالضغط عليه لعزله عن طريق دعم المعارضة، التي تحكم الآن، وتصوير الأمر على أنَّه معركة للديمقراطية في باكستان- مثل العراق المحطم الآن بالضبط (!!)- مع السعي لتحطيم العمود الفقري للأمن القومي الباكستاني، وهو الجيش والمخابرات، فالجيش تم شغله في أزمة وزيرستان، وضرب ذوي القربى والدين الواحد.
أما المخابرات فقد طلبت واشنطن من الرئيس الحالي آصف علي زرداري تحجيم نفوذها ونقل تبعيتها لوزارة الداخلية (!!)، وهو ما استجاب له زرداري، مع استغلال أزمة هجمات مومباي في نوفمبر 2008م، الماضي لضرب نفوذها وهيبتها، بعد الحديث عن تورط عناصر من المخابرات في دعم مقاتلي "لشكر طيبة" الذين قاموا بالهجمات، وطلبت تسليم قيادات سابقة لها، من بينهم الجنرال الأسطوري حميد جول، لمحاكمتهم أمام الأمم المتحدة بتهم تتعلق بالإرهاب!!
وكان الغرض الأمريكي من ذلك، هو إفشال الدولة في باكستان، وبالتالي العمل على تفتيتها إلى أربعة أقاليم، هي البنجاب والسند ووزيرستان الشمالي ووزيرستان الجنوبي، مع كونها دولة مسلمة كبيرة- 170 مليون نسمة- ومسلحة بالسلاح النووي، في تكرار لسيناريو الهند في شطر باكستان شطرَيْن في الحرب التي اندلعت بينهما في مطلع السبيعينات الماضية، عندما تم استغلال الحرب الأهلية بين البشتون والبنجال لفصل بنجلاديش (باكستان الشرقية) عن باكستان الغربية، التي استمرت في حمل اسم باكستان حاليًا.
أوزار وخطايا
من جانب آخر، لا يمكن أبدًا تبرئة المجموعات المسلحة في باكستان من مسئولية خطايا ما يجري؛ حيث من المفترض أنَّها الأكثر وطنية، وهي الأكثر فهمًا للدين، والأكثر استقلالية في قرارها عن الحكومة الباكستانية، وقادرة على ضبط النفس أكثر من ذلك.
إلا أنَّ هذه المجموعات ارتكبت الخطايا الآتية:
- تحدي سلطة الدولة، عبر منع مؤسساتها الأمنية والعسكرية من الدخول في المناطق التابعة لهذه المجموعات، وهو ما يعتبر افتئاتًا سياسيًّا وفقهيًّا على سلطة الدولة وأولي الأمر.
أحد ضحايا القتال المستمر في سوات

- مخالفة ممارسات هذه المجموعات لطبيعة الحكم القبلي القائم في البلدان العربية والإسلامية التي فيها هذا النوع من الطبيعة القبلية؛ حيث في مصر وفي ليبيا وفي العراق والسعودية وغيرها، فإنَّ الدولة تحترم أعراف وقواعد ومحاكم القبائل والبدو المقيمين فيها، ولكن للدولة فيها مطلق الحرية في ممارسة سيادتها على أراضيها التي تسكنها هذه القبائل، وحرية دخول وخروج موظفي الحكومة والعناصر الأمنية والعسكرية، وغير ذلك من مظاهر ممارسة السيادة.
- استحلال إهراق دم المسلمين، وتشريدهم من ديارهم، بشكل وصل إلى مدىً مخيف، وأعداد بالآلاف من القتلى بيد المسلمين بعضهم ببعض، وملايين المشردين، مع ما لكل ذلك من ضغوط على الاقتصاد الباكستاني المدمَّر من الأصل بفعل سياسات حكومات سابقة، والأزمة المالية العالمية.
بل إنَّ البعض يتساءل في سخرية مريرة، ما الفارق بين الطرفَيْن؟!، كلاهما يقتل مسلمين، ويظاهر على إخراجهم من ديارهم.
إنَّ الأمر الوحيد الذي يمكنه علاج مشكلة باكستان هو توحيد كلمة المسلمين هناك، ودعوتهم عن طريق القوى الإسلامية العالمية المؤثرة مثل منظمة المؤتمر الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين، إلى حقن دمائهم، وعدم الالتفات إلى دعوات الفتنة، والرجوع إلى الكلمة السواء، على أساس القيم المشتركة الجامعة بين الجانبَيْن المتناحرَيْن، وليس ما يفرقهم!!