منذ أنْ بدأت العملية السياسية في الصومال في العام الماضي 2008م تأخذ المنحى الذي أخذته في سبيل التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار ما بين الحكومة الصومالية الانتقالية السابقة والمجموعات الإسلامية المسلحة التي كانت تحارب الاحتلال الإثيوبي وأمراء الحرب في البلاد، في مقابل خروج الاحتلال، وتفاءل الجميع خيرًا بأنه قد آن أوان حدوث نوع من أنواع الاستقرار، وإحلال الأمن في ربوع هذا البلد الذي يشهد حربًا أهليةً منذ العام 1991م.
وعلى الرغم من مبادرة حركة شباب المجاهدين وبعض الفصائل الأخرى المسلحة في الصومال؛ للإعلان عن رفضها للعملية السياسية الجديدة في هذا البلد الذي مزقته الحرب، إلا أن الكثيرين لم يفقدوا نبرة التفاؤل، ودعَّم من ذلك عدد من العوامل؛ من بينها مبادرة حكومة الرئيس الصومالي الجديد شيخ شريف شيخ أحمد إلى الإعلان عن تبنيها عددًا من المطالب التي عرضتها المعارضة المسلحة، والتي تتخذ من إريتريا مقرًّا لها.
وكان من أهم هذه المطالب، هي وضع جدول زمني صارم لانسحاب قوات الاحتلال الإثيوبية من البلاد، وهو ما تمَّ فعلاً في يناير الماضي، وفق الجدول الزمني الموضوع في اتفاق جيبوتي الذي تمَّ توقيعه بين جناح جيبوتي من التحالف من أجل إعادة تحرير الصومال والحكومة الانتقالية المؤقتة برئاسة نور حسن حسين عدي، في 26 أكتوبر 2008م.
بالإضافة إلى اتخاذ التدابير اللازمة من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية في الصومال، وهو ما كان من أوائل القرارات التي اتخذها البرلمان الصومالي الجديد، فور انتخابه في ربيع العالم الحالي، وكان أنْ صادق شيخ أحمد عليه قبل أسابيع قليلة.
إلا أنَّ ذلك كله لم يكن كافيًا- للأسف الشديد- لحقن دماء الصوماليين، والقضاء نهائيًّا على مشاهد طوابير النازحين، والتي جعلت الصومال أسوأ مكان في العالم بالنسبة للمعيشة الإنسانية في غضون العقد ونصف الماضية.
الارتداد للخلف
الشيخ حسن ضاهر أويس
في أواخر أبريل الماضي، عاد ضاهر أويس زعيم جناح أسمرا من "التحالف من أجل إعادة تحرير الصومال"، وزعيم فصيل من فصائل اتحاد المحاكم الإسلامية من منفاه في إريتريا إلى الصومال، طارحًا عددًا من المواقف التي قالت إن الأمور في الصومال تتجه إلى المزيد من الاستقرار.

ففي أول ظهورٍ علنيٍّ له بعد عودته إلى مقديشو، وفي الجمعة الأول من شهر مايو أبدى الشيخ ضاهر أويس في مسجد "أبو هريرة" الواقع في سوق البقارة في العاصمة الصومالية، مجموعة من الإشارات التي توضح تغير موقفه من بعض القضايا، مثل معارضته للاغتيالات التي استهدفت قيادات بارزة في المحاكم الإسلامية، كما أكَّد أنَّ المعارضة الصومالية "لا تريد مقاتلة الحكومة الصومالية"، وقال: "علينا أنْ نحترم دم المسلمين وعرضهم".
وكانت هذه الرؤى متوافقة إلى حدٍّ كبيرٍ مع ما طرحه شيخ شريف شيخ أحمد فور توليه منصبه، وتحديدًا خلال قمة الاتحاد الإفريقي الأخيرة في أديس أبابا؛ حيث طرح شريف عدة مواقف من حزمة قضايا مهمة، ومن بينها:
- تأكيد تطبيق الشريعة الإسلامية في الصومال.
- وفي قضية ما يعرف بـ"الإرهاب" في الصومال، أكَّد شيخ شريف أن النقاش في موضوع الإسلاميين وما يسمى بظاهرة التطرف أمرٌ يحتاج إلى نقاش طويل من قِبل المختصين من علماء الشريعة، مؤكدًا أن الدين الإسلامي "وضع حرمة للآخرين"، وهو ذات المصطلح الذي استخدمه أويس بعد ذلك في خطبته للجمعة مطلع مايو الحالي.
- وفيما يخص المعارضة أوضح شيخ أحمد أنَّه يسعى إلى "إشراك الجميع" في العملية السياسية، مضيفًا أنه سيسعى إلى "التفاوض مع الجميع؛ لإنقاذ الصومال من محنته الحالية".
- وفيما يخص إثيوبيا أكد شريف أن الإثيوبيين "مستعدون للتعامل معنا بسياسة حسن الجوار والاحترام المتبادل"، وهي نقطة خلاف رئيسية بينه وبين المعارضة الصومالية؛ حيث يصر ضاهر أويس على أن إثيوبيا هي من يحرِّك الأمور من وراء الكواليس في الصومال، عن طريق من يصفهم بالعملاء.
ولكن السيناريو الذي جرى عقب ذلك كان عكس هذا الكلام؛ حيث عادت الأمور في الصومال إلى التدهور، وبسرعة، وبينما تتهم المعارضة شيخ أحمد وحكومته بالتبعية للولايات المتحدة، لا يجد أحد مبررًا- أيًّا كان- لسفك دماء المسلمين، والتسبب في تشريدهم بمئات الآلاف كما هو حاصلٌ الآن.
لعبة أمريكية
في ملابسات القبض على شيخ أحمد في شمال كينيا قبل عامين، ما يمكن أن تعود جذور الأزمة الحالية إليه، فالشيخ شريف شيخ أحمد، سلَّم نفسه للسلطات الكينية بعد ثلاثة أسابيع على هزيمة المحاكم أمام القوات الإثيوبية والصومالية.
شيخ شريف شيخ أحمد

وقتها- في مطلع العام 2007م- قالت مصادر حكومية صومالية لجريدة (الشرق الأوسط) اللندنية إن الإعلان رسميًّا عن اعتقال الشيخ شريف شيخ أحمد الذي كان الرجل الثاني في المحاكم أتى عقب مفاوضات عقدها وفد أمريكي مع الشيخ شريف برعاية كينيا؛ لضمان مشاركته في أية محادثات سلام بين الحكومة الصومالية والمحاكم الإسلامية.
وقالت المصادر إن الإدارة الأمريكية في ذلك الحين اعتقدت أن التعامل مع شريف قد يضمن استسلام بقية عناصر ميليشيا المحاكم، والاتفاق على دمجهم وإعادة تأهيلهم في القوات الحكومية الصومالية الموحدة.
وأكد مسئول شارك في هذه المفاوضات أن الشيخ شريف أبدى استعداده للدخول في العملية السياسية، مشيرًا إلى أن شريف ليس مطلوبًا من أية جهة لتورطه في أنشطة إرهابية، أو لارتباطه بتنظيم القاعدة، بخلاف الحال بالنسبة للشيخ حسن ضاهر أويس رئيس المحاكم ومسئولها الأعلى.
واعترف مسئول أمريكي في كينيا وقتها بأن واشنطن تنظر إلى شريف على أنه "رجل إصلاحي ويداه غير ملطختين بالدم أو العنف، وكشف المسئول الأمريكي، وهو من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية النقاب عن أن القوات الأمريكية ونظيرتيها الإثيوبية والصومالية المتواضعة التي كانت تطارد شريف قبل اعتقاله على الحدود مع كينيا، قد تلقت في وقت سابق تعليمات بالإبقاء على حياته.
وقد جرت المفاوضات مع شيخ أحمد في أحد الفنادق الكبرى في العاصمة الكينية، وفي مجال تقديرات المخابرات والتحليل الإستراتيجي، فإن مثل هذه المحطات لا تمر بدون وجود مسئولين من أجهزة الأمن القومي، ولا يمكن لشريف بعد ذلك أن يتجاوز كل ما تجاوزه من مشكلات، ويتحدى إخوة السلاح القدامى بدون أن يكون ذلك بناءً على جلسات مطولة واتفاقات مع مسئولي الأمن القومي الأمريكي.
بل إن محلِلين قالوا إن أبرز دليل على صحَّة هذا الكلام هو بقاء ضاهر أويس فاعلاً للآن، بل وتولي رئاسة جبهة المعارضة الرئيسية في الصومال، وهو الحزب الإسلامي، الذي تأسس من أربعة فصائل رئيسية؛ حيث حل محل الدكتور عمر إيمان في رئاسة الحزب.
بينما كان من المفترض أنه في ظل اتهامات الأمريكيين له بالإرهاب، وعلى معرفتهم لمكانه، كان من الأولى أن يتمَّ اعتقاله هو، ولكن تم الإبقاء عليه للضغط على شيخ أحمد في الوقت المناسب، وهي لعبة الأمريكيين التقليدية في دعم معارضة ما للضغط على نظام حاكم.
وقد رحبت الولايات المتحدة بانتخاب شيخ شريف، وفي التهنئة التي أرسلتها له سفارة واشنطن في نيروبي؛ وصفته واشنطن بـ"النصير القوي" لاتفاق السلام مع الحكومة الانتقالية الموقع في جيبوتي في أغسطس الماضي.
وقبل أيام من انتخابه طلب شيخ شريف ما وصفه بـ"نفوذًا إيجابيًّا" للولايات المتحدة من أجل إقرار السلام في الصومال، وقال في مقابلة مع صحيفة (الشروق) المصرية الخاصة نشرتها في عددها الأول الصادر يوم الأحد 1 فبراير 2009م: "يمكن القول إن موقف أمريكا تجاه الصومال بات صادقًا... إننا نرى أن النظرة الأمريكية للصومال الآن باتت إيجابية".
مبررات غير مقبولة
في المقابل يجب على ضاهر أويس ومجموعته ألا يلعبوا بورقة عمالة النظام الحاكم للولايات المتحدة، فعلى الرغم من تماهي شيخ شريف ومجموعة جيبوتي الموالية له مع الولايات المتحدة، فحتى إذا ما كان ذلك حاصلاً، فإن الأهداف الرئيسية التي طرحها شريف للعملية السياسية التي رعتها الأمم المتحدة في جيبوتي، قد تحققت.
ومن بين ذلك تحقيق الاستقرار في الصومال، وإخراج الإثيوبيين من البلاد، مع الوصول إلى الحد الأدنى من وجود حكومة مركزية تدير شئون البلاد، مع البدء في تطبيق تدريجي للشريعة الإسلامية في الصومال، ولكن من دون إثارة قلق ومخاوف أطراف إقليمية ودولية معادية، بما يجهض التجربة الوليدة في بدايتها.
قوات حفظ السلام الإفريقية بالصومال في حالة تأهب قصوى

ومن ضمن أركان هذه السياسة، هو بقاء القوات الإفريقية في الصومال، وعددها 8 آلاف جندي، لضمان الحد الأدنى من الأمن الداخلي، وهو خيار أفضل من وجود القوات الدولية، وهذا أمر ليس ضد الدين في شيء، ولا تعتبر قوات احتلال.
والدليل على ذلك أن نظامًا مثل نظام الرئيس السوداني عمر البشير لا أحد يستطيع المزايدة على جذوره الإسلامية، أو التشكيك في تصنيفه ضمن محور الممانعة في المنطقة؛ فضَّل خيار القوات الإفريقية على خيار القوات الدولية، التي يمكن للأمريكيين المشاركة فيه، وهو أمر مختلف، ويمكن وقتها القول إنها قوات احتلال.
ولذلك فإن علماء الصومال، ومجموعات إسلامية لا تحمل السلاح، وتعمل في مجال الدعوة والعمل الاجتماعي، مثل جبهة علماء الصومال، وجماعة الإخوان المسلمين في الصومال، أيدوا العملية السياسية، بمنطق أن حقن دماء المسلمين أهم من أي شيءٍ آخر، حتى بالمنطق الدعوي القريب، من أن دم المسلم أكبر عند الله من الدنيا وما فيها.
في المقابل، إذا ما كان شريف يتحالف مع إثيوبيا والولايات المتحدة، فهل قوى "المقاومة" الصومالية، لا تتحالف مع أحد؟! ألم تتهم الأمم المتحدة والحكومة الصومالية أسمرا رسميًّا بدعم الفصائل المعارضة بالسلاح لزعزعة استقرار الصومال.
هل إريتريا تعمل لمصلحة الصومال، أم أن الأمر كله لا يخرج عن نطاق حربها الدائمة وصراعها السرمدي مع عدوها الإثيوبي اللدود؟!، وهل ارتباطات إريتريا مع الكيان الصهيوني، بما في ذلك مستويات التنسيق الأمني والعسكري- الذي أدى إلى ضرب قوافل السلاح المتجه لغزة في شمال السودان قبل أشهر- تختلف عن ارتباطات شيخ شريف شيخ أحمد مع الولايات المتحدة؟!
كلها أسئلة واجب على مجاهدي الصومال ورفاق السلاح القدامى الإجابة عنها، قبل توجيه الاتهامات للحكومة الصومالية، على كل التحفظات المأخوذة عليها.