لا يمكن نفي الأبعاد الإقليمية والدولية لجريمة قلقيلية البشعة، والتي أودت بحياة اثنين من مجاهدي حماس على يد أجهزة دايتون الأمنية، والتي مبدئيًّا يبدو أنَّها كانت أول ثمار اللقاء الذي جمع رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس بالرئيس الأمريكي باراك أوباما في واشنطن في الأيام القليلة الماضية.
ولئن كان يصعب القول أن هناك "تعليمات مباشرة" من أوباما لمحمود عباس، تقف وراء عملية قلقيلية بعينها، فإنَّ المؤكد أن الحادثة تأتي في إطار مخطط مرسوم، ولا يمكن أن تكون ذات طابعٍ عشوائيٍّ، وإنما تأتي في إطار "توصيات عامة"؛ للتعامُل مع ملف المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، لتلافي تكرار تجربة سيطرة فصائل المقاومة على قطاع غزة في الضفة.
وتشير بعض التقديرات إلى أن أوباما ربما مارس ضغوطًا رهيبة على عباس، مقابل بعض الوعود لضرب حماس وأجنحة المقاومة في الضفة، ضمن مساعي ضمان أمن الكيان الصهيوني، وفي مقابل ذلك تحقيق حلم ووهم الدولتين، وضمان استمرار مسيرة المفاوضات لعشر سنوات أخرى من دون نتيجة، والضغط على حكومة نتنياهو لوقف بناء المغتصبات.
والأهم من ذلك استمرار تدريب وتأهيل أجهزة عباس الآن إلى جانب استمرار برامج الدعم والتمويل للسلطة التي تواجه الانهيار؛ لدفع رواتب موظفيها.
وربطت العديد من الدول الممولة في الآونة الأخيرة دعم سلطة عباس بمكافحة ما يسمى "الإرهاب"، والمقصود بذلك حركات المقاومة الإسلامية، وعلى رأسها حماس؛ لضمان أمن وسلامة الكيان.
مشروع إقليمي
قوات أمن السلطة الفلسطينية تعتقل المقاومين لإرضاء الصهاينة
وتشير بعض التقديرات الأمنية إلى أن الولايات المتحدة وإدارة الرئيس أوباما، ربما تسعى حاليًّا لتوفير الأمن والهدوء في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة على الجانب الفلسطيني، لتهيئة الأجواء بهدف ضرب المفاعل النووي الإيراني؛ حيث يجري الكيان حاليًّا أكبر مناورات عسكرية في تاريخه.

وتوفير الهدوء وتهيئة الأجواء للكيان استعدادًا للمرحلة القادمة، يتطلب بالتالي من سلطة عباس أخذ مكان جيش الاحتلال في مواجهة أجنحة المقاومة، وملاحقتها واستئصالها عن طريق اعتقال أفرادها في الضفة الغربية، والقضاء على قياداتها بتصفيتهم إذا لزم الأمر، والحيلولة دون نجاحها في توجيه ضربات للكيان، لذلك كانت جريمة قلقيلية الأخيرة، والتي قتلت خلالها أجهزة عباس بالتنسيق مع وحدة صهيونية، خاصة قائد القسام في شمال الضفة محمد السمان ومرافقه محمد ياسين في قلقيلية.
هذه التطورات تحمل في طياتها مؤشرات خطيرة، بحسب ما يرى عدد من المراقبين الذين اعتبروا أن الحوادث الأخيرة تؤكد أن هناك فصلاً جديدًا قد بدأ من المخطط الذي يقوده المنسق الأمريكي للشئون الأمنية الجنرال كيث دايتون، تشترك في تطبيقه أجهزة الاحتلال بتنسيق عالٍ وغير مسبوق مع الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية، في سبيل تصفية المطلوبين لقوات الاحتلال في الضفة لتلافي قيامهم بأي أعمال مستقبلاً ضد الاحتلال، أو تخطيطهم لبناء أي خلايا جديدة للمقاومة في مدن الضفة.
وإذا كانت هذه المهمة مناطة بتلك الأجهزة من بداية التنسيق الأمني، لا سيما بعد دخول الولايات المتحدة على الخط عبر تمويلها برنامجًا أمنيًّا لتدريب قوات السلطة عبر منسقها الأمني دايتون؛ إلا أن مستوى التعاون بين الطرفين جيش الاحتلال وأجهزة السلطة أصبح وثيقًا بشكل كبير، لا سيما بعد إعلان المنسق الأمريكي عن زيادة الدعم المالي لتلك الأجهزة؛ لتصبح أكثر فاعلية في مواجهة ما وصفه بخلايا الإرهاب، والمقصود طبعًا هي الأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة.
ويعتقد بعض المراقبين أن سلطة عباس في الضفة الغربية المحتلة تنفذ برنامجًا سريًّا اتفقت عليه مع العدو الصهيوني؛ لتطبيق برنامج حكومة نتنياهو المتطرفة.
ويرتكز البرنامج السري على أمرَيْن مهمين:
الأول: تصفية المقاومة كاملة بجميع كوادرها وعناصرها.
والثاني: الانتقال إلى التحول الاقتصادي بدعم الضفة الغربية؛ لتصبح متميزة عن قطاع غزة، ليكون هناك صورتان على الساحة الفلسطينية؛ الأولى: هي غزة المحاصرة "المنكوبة بالمقاومة", والثانية: هي الضفة المتقدمة اقتصاديًّا، والمتعاونة قيادتها مع العدو الصهيوني.
وتؤكد حادثة قلقيلية أن السلطة ستنخرط في عملية تصفية المقاومة من جذورها، وأن عباس وسلطته وأطرافًا في حركة فتح غير راغبين مطلقًا بالحوار الفلسطيني، ولا بأي وحدة فلسطينية, وهم ملتزمون التزامًا كاملاً بالشروط والإملاءات الصهيونية والأمريكية, وما الحديث عن الحوار إلا مضيعة للوقت ليس أكثر.
وما جرى حسب المتابعين هو تأكيد لتصريحات عباس قبل أيام بأنه ملتزم بخارطة الطريق، التي تقضي بـ"منع الإرهاب" كما يسمونه, وهو التزام حرفي منه بذلك، وهو يدرك أن عليه القيام بتصفية كاملة للمقاومة، قبل الانخراط في أي عملية سلمية, وأصبحت مهمته الآن لا تقتصر على التنازل والتفريط، بل تعدّت إلى أن تكون تصفية للمقاومة وبرنامجها.
أزمة فتح
![]() |
|
عباس وفياض يخضعان للضغوط الصهيونية بملاحقة المجاهدين |
حيث تحوَّلت الحركة من فصيل وطني مناضل إلى وكيل أمني للاحتلال تحت وصاية أمريكية، ليس فقط على أجهزة السلطة العسكرية في الضفة، بل وعلى مؤسساتها المدنية التي يقودها سلام فياض رئيس الوزراء المرشح من البيت الأبيض.
ومع أن ملاحقة السلطة لفصائل المقاومة في الضفة الغربية ليس جديدًا؛ سواءً من حركة حماس أو من الجهاد الإسلامي أو من أجنحة الفصيلين العسكرية، إلا أن الأمر الجديد هو تصدِّي المقاومين لتلك الأجهزة ومقاومتهم، وهو ما يؤسس لمرحلة جديدة بحسب بيان صدر عن كتائب القسام.
وكان النائب في المجلس التشريعي عن حركة حماس الدكتور يونس الأسطل قد قال إن المجاهدين في فلسطين، وبالأخص في الضفة الغربية، عندما يحاصرون لا يجوز لهم أن يستسلموا لهذا الحصار، وعليهم أن يقاوموا.
من الواضح بحسب تصريحات القسام وعدد من قادة حماس، فضلاً عن تطور الأحداث في الضفة أن حادث قلقيلية سيدفع بعناصر حماس وباقي فصائل المقاومة؛ لا سيما العسكرية منها إلى مقاومة أي عملية اعتقال من قِبل سلطة رام الله، وقد تكون هناك تداعيات قد تصل إلى الردِّ على أي سلوك عنيف للسلطة.
حوار في مهب الريح
وعلى ضوء ما حدث وما يمكن أن يحدث؛ فإن الحوار الفلسطيني الداخلي أصبح في مهب الريح، فلا يمكن لحركة حماس التي اشترطت سابقًا بالإفراج عن عناصرها، قبل الجلوس على طاولة الحوار أن تقبل بالاستمرار فيه، في ظل ذبح أبنائها على مرأى الأشهاد.
حيث دفعت الأحداث في قلقيلية المراقبين إلى التشاؤم من إمكانية تحقيق مصالحة فلسطينية بين طرفي الأزمة الفلسطينية، حماس وفتح، ورأى العديد من المراقبين أن الطرفين عادا إلى المربع الأول بتبادل الاتهامات في كلٍّ من الضفة وغزة، وتوجيه اتهامات محاولات إفشال الحوار.
وقال فازع صوافطة القيادي في حركة حماس في الضفة الغربية، بأن مواقع القرار في مؤسسات الحركة المختلفة، داخل غزة والضفة والخارج وفي السجون، تعكف الآن بجدية على دراسة تعليق المشاركة في حوار القاهرة مع حركة فتح التي يقودها محمود عباس، آخذة بعين الاعتبار مصلحة الشعب الفلسطيني في ذلك.
وأضاف صوافطة في تصريح خاص لـ(إخوان أون لاين)، بأنه لا فائدة من استمرار الحوار، في ظل الممارسات التي تضيق على أبناء الحركة في الضفة المحتلة، مشددًا على أن كل ما يحدث من اعتقالات ومضايقات كان يجب أن تتوقف منذ انطلاق الجولة الأولى للحوار.
وعبَّر القيادي في حماس عن أسفه؛ لارتفاع وتيرة الاعتداءات في الضفة المحتلة، بحق عناصر المقاومة، خاصةً أبناء حماس؛ حتى بعد جريمة اغتيال السمان وياسين في قلقيلية من قِبل أجهزة عباس، مشيرًا إلى أن تلك الأجهزة اختطفت أكثر من 38 عنصرًا من حماس.
وشدَّد صوافطة على أن ما يحدث في الضفة يعطي انطباعًا أن سلطة رام الله غير معنية بإنهاء الانقسام، وإنجاح الحوار الذي يعتبر من أهم نتائجه؛ الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين في سجون عباس.
وكانت الجولة الخامسة من الحوار بين فتح وحماس قد اختتمت في 18 مايو الماضي في القاهرة، من دون تحقيق اختراق كبير فيها.
![]() |
|
أجهزة عباس دايتون تواصل حملتها الشرسة ضد حماس بالضفة |
على الجانب الآخر؛ قال عضو المجلس الثوري لحركة فتح عبد الله أبو سمهدانة: إن ما جرى في مدينة قلقيلية يجب ألا يؤثر على سير الحوار الوطني الفلسطيني، مؤكدًا الحاجة لاستمرار الحوار لوقف مثل هذه الأحداث، مؤكدًا أهمية استمرار الحوار لتحقيق المصالحة، والوصول إلى حكومة توافق وطني، وقال: "إن علينا حتى لا نتبادل الاتهامات، الوصول إلى حكومة توافق وطني تكون مسئولةً عن الأمن في الضفة وغزة".
من جهته شدَّد عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين رباح مهنا على أن التصعيد والقتل الفلسطيني المتبادل يؤثر سلبًا على أجواء الحوار الوطني الفلسطيني، وأشار إلى أن الجبهة الشعبية في الضفة الغربية تبذل جهودًا لوقف أي تصعيد محتمل لحادث قلقيلية، باعتبار أن ما جرى "مدمر، وضد المصلحة الفلسطينية".
وأكد مهنا وجود اتصالات مكثفة بين القيادة المصرية والفصائل الفلسطينية لتطويق الأزمة، وما تبعها من سجالات إعلامية, وذلك حفاظًا على مصير الحوار الوطني الفلسطيني، وأضاف مهنا أن هناك اتصالات بين الفصائل والمصريين؛ "حيث طالبنا منهم التحرك الفوري والعاجل لاحتواء أزمة قلقيلية، وذلك تحسبًا من تمادى التوتر والتصعيد بين حركتي حماس وفتح؛ مما سيؤثر بالسلب على أجواء الحوار", مطالبًا بعقد اجتماع فوري للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية للبحث في هذه الأحداث.
كما قال الكاتب والمحلل السياسي هاني حبيب: "إن مشوار الحوار الوطني الفلسطيني ليس له علاقة مباشرة بما حدث في مدينة قلقيلية من أحداث مؤسفة بين أجهزة الرئيس عباس وكتائب القسام"، واعتبر أن جلسات الحوار المتتابعة مؤشر واضح على أن هناك عقمًا يواجه عملية الوصول إلى مصالحة فلسطينية حقيقية؛ "نظرًا لوجود أسباب خلافية جوهرية تعيق التوصل لاتفاق".
ورأى حبيب أن عملية الاغتيال في الضفة الغربية زادت من قضية الحوار تعقيدًا، مبينًا أن الأحداث المتعاقبة في الضفة وغزة توحي أنه ليس هناك من مفر من الإبقاء على الوضع الراهن واستمرار الانقسام.
وأضاف: "أعتقد أنه ليس هناك تقدم في الحوار والأحداث الجارية في الضفة وغزة لا توحي بذلك، ولا يوجد أي إرادة حقيقية لدى الطرفين بإنهاء الانقسام"، مؤكدًا أن الكفة الراجحة في الوقت الحالي فشل الحوار".
وخلص إلى أن الحوار الوطني الفلسطيني "لا مستقبل له في ضوء عدم توافر إرادة حقيقية لدى الأطراف المتحاورة؛ للتوصل إلى اتفاق حقيقي وجدي ينهي الانقسام الداخلي، ويضع حدًّا لأحداث هذا الصراع المقيت".
إلا أنَّ البعض كان له وجهة نظر أخرى في هذا الأمر؛ حيث قال الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري: إنه ما زالت هناك فرصة لنجاح الحوار الوطني "رغم فظاعة ما حدث في قلقيلية".
وأضاف المصري في تصريحات صحفية أن خطورة الأحداث تؤكِّد ضرورة إنهاء الانقسام؛ "لأننا ذاهبون إلى جهنم في حال عدم الاتفاق" على حدِّ تعبيره، ودعا المصري إلى عدم تعليق الحوار؛ لأن التعليق سيفتح الأبواب على أشياء أفظع.

