لم يترك الحصار الصهيوني المفروض على قطاع غزة منذ ثلاث سنوات متتالية جانبًا من جوانب حياة سكانه إلا وقد أنهكه وقضى على جميع معالمه، وذلك بالتزامن مع تناقص متطلبات وسبل الحياة من مواد غذائية وصحية وطبية، شحَّت وتآكلت مع اشتداد الحصار والحرب المعلَنة على شرايين الحياة "الأنفاق" من قِبَل السلطات المصرية من جهة أخرى.
شاشات الفلترة ومستلزمات أجهزة الحاسب الأخرى كانت إحدى ضحايا الحصار؛ حيث انضمَّت هي الأخرى إلى معسكر المفقودات في غزة، فالشاب الثلاثيني أبو البراء من سكان حي الشجاعية لم يترك بابًا من أبواب محلات الكمبيوتر إلا وطرقه بحثًا عن شاشة فلتره لحاسوبه.
ويعاني أبو البراء- الذي يعمل مراسلاً لإحدى وسائل الإعلام- من ألم شديد يسكن في عينيه بسبب الإشعاعات الصادرة عن شاشة حاسوبه؛ حيث وقف على باب محال لبيع أجهزة حاسوب دون أن تنبس شفتاه بكلمة؛ بعد أن طرقت كلمات صاحب المحل مسامعه بعدم توفر شاشات واقية ونصيحته له بعدم البحث في ظل الحصار وإغلاق الأنفاق.
ويفتقد قطاع غزة المئات من المواد الأساسية والطبية والصحية اللازمة منذ ثلاث سنوات؛ بسبب الحصار الجائر المفروض في أعقاب فوز حماس بالانتخابات التشريعية الأخيرة.
وتنتشر مئات الأنفاق التي باتت تمثِّل طوق النجاة والرئة التي يتنفس منها الفلسطينيون، على الشريط الحدودي الفاصل بين الأراضي المصرية والفلسطينية جنوب قطاع غزة؛ حيث تستخدم لتهريب البضائع والمواد الغذائية والوقود وكل متطلبات الحياة التي تمنع دولة الكيان دخولها منذ فرضها الحصار على القطاع.
ويضيف أبو البراء وقد بدت لفحات المعاناة ترتسم على تقاطيع وجهه أنه سئم وملَّ من البحث عن طلبه ولم يبقَ أمامه سوى "الاستسلام" والعودة إلى الطرق التقليدية في التخفيف من حدَّة الوجع، مشيرًا إلى أن الآلام التي يعاني منها تسبَّبت إلى حدٍّ كبيرٍ في تراجع نشاطه.
قضية الإعمار
وباتت معظم قطاعات الحياة للغزيِّين تواجه خطر الانهيار في ظل صمت دولي مريب على الحصار الذي يضرب بأطنابه قطاع غزة منذ عامين دون تحرك.
![]() |
|
مطالب عديدة بفتح معبر رفح وإنهاء حصار الأشقاء في غزة |
فكثيرةٌ هي الأسر الغزية التي تضرَّرت من العدوان وهُدمت منازلها ولجأت لحلول بديلة تمكِّنها من العيش في منازلها، لكنها لم تستطِع التغلب على كل المعيقات؛ حيث ما زالت مشكلة إعمار غزة وترميم المنازل المتضررة في أعقاب الحرب الأخيرة تراوح مكانها في ظل منع قوات الاحتلال دخول أي من مواد البناء منذ منتصف العام 2007م؛ بحجة أنها تستخدم في بناء الأنفاق وتجهيزات المقاومة.
واضطر الحاج أبو سمير من سكان شرق غزة اللجوء لاستئجار منزل ليس ببعيد عن منزله الذي تضرر بشكل جزئي، إثر قصف قوات الاحتلال لمنزله في الأيام الأولى للحرب على غزة، لكنه بعد شهرين اضطر لإعادة ترميم ما تمكن من منزله والعودة إليه بعد التهاب أسعار المنازل والشقق المستأجرة.
لم يكن هناك خيار أمام أبو سمير سوى اللجوء إلى كسو الغرف المتضررة بالشوادر الزرقاء التي حصل عليها من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، وقال: "بعد انتهاء الشتاء نستطيع العيش تحت الشادر، مع أن درجة حرارة الغرفة تكون مرتفعة جدًّا، وبالكاد نحتمل الجلوس بداخلها".
الزوجة المسنَّة التي جلست على باب المنزل بحثًا عن نسمة هواء مع دخول المساء لم تُخفِ سخطها على الأوضاع الصعبة التي يعيشونها، في ظل انعدام أي فرصة للبناء وإعادة الإعمار.
وبحسب زوجته الحاجة أم سمير، فإنهم يهجرون الغرف المكسوة بالشوادر نهارًا، ويعودون إليها ليلاً بعد أن تكون انخفضت حرارتها.
وينتظر المتضررون أن تقرر قوات الاحتلال دخول مواد البناء، لا سيما بعد الحديث الأخير عن إمكانية دخولها، بشرط أن تشرف وكالة الغوث على إعادة الإعمار كما يدعي الاحتلال.
ويقول أبو عبد الله الذي تضرر منزله جزئيًّا: "بعد القصف مباشرةً وخلال الأيام الأولى تدفَّقت علينا المساعدات بشكل كبير من جميع الجمعيات، وبعد أن هدأت الأحداث لم يعد أحد ينظر إلى معاناتنا، مع أن شيئًا لم يتغير"، مطالبًا جميع الجهات المختصة بتقديم يد العون لهم لحين إعادة إعمار وترميم منازلهم.
وتسعى الحكومة الفلسطينية بغزة للتخفيف من معاناة المواطنين في إطار المتاح؛ حيث أقامت مخيمات للإيواء، ووزَّعت مساعدات مالية على المتضررين لتسيير أمورهم.
وفي هذا الإطار يشير المهندس إبراهيم رضوان وكيل وزارة الأشغال إلى أنهم عملوا على توزيع الغرف المتنقلة "الكرفانات" التي وصلتهم من تركيا بأعداد محدودة على المتضررين الذين يقطنون في مخيمات الإيواء، مشيرًا إلى أن آلية التوزيع كانت بناءً على الأولويات والأوضاع التي يعيشها المتضررون، كما تبنَّت الحكومة فكرة إنشاء منازل من الطين، وبدأت في تجارب شمال القطاع ولإحدى الجمعيات شرق غزة، وفي حال نجاحها فستعمل على تعميمها على بقية المنازل.
سوء تغذية وفقر
وأدى غياب معظم المواد الغذائية إلى تفاقم مشكلة التغذية لدى أطفال غزة الآخذة في الارتفاع بشكل مطَّرد؛ نتيجة استمرار الحصار الصهيوني المفروض.
![]() |
|
إغلاق معبر رفح زاد من معاناة أهل القطاع |
وقالت مؤسسات محلية ودولية تُعنى بشئون الطفل في الأراضي الفلسطينية: إن معظم سكان قطاع غزة الذي يعاني من الفقر والبطالة بسبب الحصار باتوا يعتمدون على مساعدات الإغاثة التي تفتقر إلى العناصر الغذائية.
وتشهد جمعية أرض الإنسان بغزة تزايدًا مستمرًّا في عدد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية وفقر الدم، وأشار بعض الأطباء في الجمعية إلى أن الوضع في قطاع غزة أصبح صعبًا جدًّا؛ بسبب قلة المواد الغذائية والتموينية.
وأضاف أحد الأطباء أن حالات سوء التغذية تجاوزت 60% خلال العام الجاري، وأشار إلى أن من بين هؤلاء الأطفال 11% دون سن الخامسة مصابون بمرض التقزم الغذائي فيما يعاني 4.1% من لين العظام، وأجرت منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي تقييمًا نوعيًّا لمستوى الأمن الغذائي في قطاع غزة لعام 2008 وأوائل عام 2009، مشيرةً إلى تزايد مستويات انعدام الأمن الغذائي بالمقارنة مع عام 2007م.
وأفاد تقرير حديث صادر عن مركز الإحصاء الفلسطيني أن القدرة على اقتناء المواد الغذائية واستهلاك الطاقة في قطاع غزة انخفضت بنسبة 10% خلال الفترة بين 2005م و2007م.
وأشار محمود ضاهر ممثل منظمة الصحة العالمية في قطاع غزة إلى أن هناك مشكلات أخرى غير سوء التغذية، وهي فقر الدم ونقص الفيتامينات، موضحًا أن نحو 50% من أطفال القطاع يعانون من فقر الدم ومن نقص فيتامين (أ) والحديد.
ورأى ضاهر أن الحل الأمثل لعلاج هذه الظواهر هو إنهاء المشكلة الاقتصادية لدى سكان القطاع والمتمثل برفع الحصار، مشيرًا إلى أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في قطاع غزة هي التي تؤثر في مجمل النواحي الصحية العامة.
وتسيطر دولة الكيان على كافة المعابر التجارية المؤدية إلى قطاع غزة، وتضَع قيودًا وعراقيل لدخول البضائع والمواد الغذائية والطبية على اعتبار أنه كيان معادٍ.
مياه مسروقة
قطاع المياه هو الآخر لم يسلَم من ويلات الحصار الذي أرهق كاهل المواطنين، وحوَّل حياتهم إلى شظف وجحيم لا يطاقان؛ فقد اضطر المواطن أبو محمد من سكان غرب مدينة غزة إلى ملء خزانات المياه على سطح منزله بمياه عذبة، من جرَّاء انقطاع المياه الذي يصل إلى مدة أربع وعشرين ساعة متواصلة.
ويقول أبو محمد وهو يحبس أنفاسه "انقطعت المياه أمس عن المخيم لمدة أربع وعشرين ساعة متواصلة، فنفدت المياه من الخزانات التي تستخدمها أسرتي لأغراض النظافة، فاضطررت لشراء مياه عذبة بثلاثين شيكلاً للتغلب على المشكلة التي وقعنا بها".
وعبر المواطن أبو محمد عن تخوفه من تفاقم أزمة المياه هذا الصيف، بعد التصريحات التي يطلقها الجانبان الفلسطيني والصهيوني من أن المنطقة ستشهد أزمة مياه ساخنة هذا الصيف، إلى جانب التسخين على الجبهة العسكرية.
ويضيف: كل عام نعاني من مشكلة المياه والتي تنقطع لساعات طويلة عن بيوتنا؛ مما يحدث أزمةً صحيةً وإنسانيةً، وأكد أن الأزمة تزداد عندما تتوفر المياه وتنقطع الكهرباء والعكس، مشيرًا إلى أن المياه التي تصله أيضًا غير صالحة وملوثة ومالحة بشكل كبير، فيلجأ إلى شراء المياه العذبة اللازمة للشرب والطبخ، في ظل الظروف الاقتصادية السيئة التي يمر بها.
وتزدهر في قطاع غزة مهنة توزيع المياه العذبة بواسطة سيارات مخصصة لذلك، بعد عدم صلاحية المياه التي تصل المنازل للشرب أو الطبخ.
ويحذر مختصون ومراقبون من أن الأراضي الفلسطينية ستشهد صيف هذا العام أزمةً خانقةً في المياه؛ بسبب سيطرة دولة الكيان على المخزون الجوفي للمياه وسرقتها للمياه القادمة إلى قطاع غزة عبر مصائد خاصة.
وقال عاهد الحرازين صاحب سيارة لتوزيع المياه: "هناك طلب كبير على شراء المياه العذبة في غزة"، مشيرًا إلى أن سعر البرميل الواحد سعة 250 لترًا عشرة شواكل.
وتسرق دولة الكيان 85% من المصادر المائية الفلسطينية الذاتية؛ حيث تقوم بسرقة المياه الجوفية ومياه الأمطار عن طريق حفر الآبار الارتوازية، وكذلك حفر شبكات امتصاص كبيرة، وذلك منذ بداية الخمسينيات حتى الآن، فسكان الضفة والقطاع لا يحصلون على سوى 15% فقط من المياه المتجددة المقدرة بنحو 600- 670 مليون متر مكعب سنويًّا.
وكان تقرير دولي صادر عن البنك الدولي أشار إلى أن تزايد نسبة التلوث في مياه غزة زاد من شدة معاناة المواطنين، وأصبح الكثير منهم مرضى بسبب تلوث المياه التي يستخدمونها في حياتهم اليومية، سواء للشرب أو إعداد الطعام.
وأكد التقرير أن نسبة المياه الصالحة للشرب في قطاع غزة قليلة جدًّا، وأفاد بأن 10% فقط من كمية المياه التي يتم تزويدها لسكان قطاع غزة تتوافق ومعايير الصحة العالمية؛ ما جعل مياه الشرب سببًا لما يقارب ربع الحالات المرضية في القطاع، وأشار إلى محاولة بعض المستثمرين أو المبادرين من القطاع الخاص إقامة محطات تحلية داخل القطاع نفسه، لكن ثمن المياه يعتبر الأعلى في هذه الحالة.
وحذَّر التقرير من خطورة وصول هذه المياه التي تلقيها غزة يوميًّا في مياه البحر إلى مواقع تحلية المياه في منطقة عسقلان؛ ما يعني وصول الأزمة إلى الكيان الصهيوني نفسه.
واتهم التقرير الكيان بتنفيذ العديد من المشاريع المخصصة لتكرير المياه الآسنة؛ حيث يفرض الكيان في كل مرة موقفه على الفلسطينيين على الرغم من وجود لجنة مياه مشتركة يفترض العمل من خلالها.

