انتهت الانتخابات الرئاسية، وفاز بها الرئيس المنتهية ولايته محمود أحمدي نجاد، وعلى الرغم من فوز نجاد في هذه الانتخابات، إلا أنه من الصعب تقدير اتجاهات سير السياسة الإيرانية والملفات المرتبطة بها إقليميًّا ودوليًّا على ذات النسق الذي كانت تسير عليه في فترة تولي نجاد الرئاسة الأولى.

 

ففي حقيقة الأمر هناك العديد من المستجدات الداخلية والخارجية التي توازت وارتبطت زمنيًّا مع هذه الانتخابات، التي صنَّفها المراقبون على أنَّها الأشرس من نوعها في تاريخ الانتخابات الرئاسية الإيرانية، والتي بدأت حلقات مسلسلها الطويل منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979م.

 

ولذلك لا يمكن القول إن المرحلة القادمة من حكم نجاد لإيران سوف تسير فيها وتيرة الأمور على ذات النسق، وخصوصًا فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية والدولية التي تتصل بها السياسة الإيرانية، فأبسط قواعد العلوم السياسية والتحليل السياسي، تقول إن السياسة ليست لعبة أو عملية من طرف واحد، بل هي عملية مزدوجة أو متعددة الأطراف، وبالتالي فإنَّ سيرتها وتطوراتها المستقبلية لا ترتبط بإرادة طرف واحد، بل بإرادة أطراف هذه اللعبة أو العملية جميعًا.

 

ولكن من جانب آخر لا يجب أنْ نركن تمامًا إلى هذا الاحتمال؛ أي احتمال حدوث تغيير في سياسات إيران- نجاد في حقبته الثانية، بناءً على متغيرات السياسة الإقليمية والدولية، مع وجود العديد من العوامل الذاتية لدى نجاد والموضوعية في النظام الإيراني نفسه.

 

نجاد.. الصَّعْب

يشير مؤيدو نجاد- ومعظمهم من الفقراء والمتدينين- إلى أنَّه رجلهم بشكل أو بآخر، مع ما يظهر به من مظهر بسيط وجهوده في مجال دعم البنية الأساسية والاهتمام بتوظيف الفقراء والشباب، وهو ما كان له إنجازات فيه خلال عمله كعمدة لبلدية العاصمة طهران، قبل توليه الرئاسة في انتخابات العام 2005م.

 الصورة غير متاحة

 نجاد يدلي بصوته في الانتخابات

 

ونجاد رئيس متعدد الخلفيات، فهو في الأصل أستاذ جامعي، وعسكري سابق، بجانب أنه سياسي؛ حيث تولى أكثر من منصب قبل وصوله للرئاسة في العام 2005م، بعد تغلبه على منافسه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية التي جرت في ذلك العام.

 

ولد نجاد في العام 1956م، لعائلة متواضعة، في مدينة جرمسار، التابعة لمحافظة سمنان، الواقعة شمال إيران، وكان والده يعمل في مجال الحدادة، و‬انتقل نجاد مع عائلته إلى العاصمة طهران؛ حيث تابع دراسته فيها، ونال شهادتي البكالوريوس سنة 1979م والماجستير سنة 1989م من جامعة العلوم والصناعة في طهران، ثم عين محاضرًا في كلية الهندسة المدنية في الجامعة نفسها.

 

وفي العام 1997م نال نجاد شهادة الدكتوراه في الهندسة والتخطيط المروري، وأشرف على عشرات الرسائل العلمية في مختلف المجالات الهندسية.

 

وفي بداية عمله في السلك الجامعي، انضم إلى صفوف نقابة الطلبة التابعة لمكتب تدعيم الوحدة المحافظ، ثم أصبح ممثلاً عن الجامعة في اللجنة المركزية للنقابة في العام 1980م.

 

وفي السنوات التي سبقت الثورة الإيرانية، شارك نجاد في العديد من المؤسسات الدينية والسياسية التابعة للملالي الذين يحكمون البلاد في الوقت الراهن، وشارك في الجهود الخاصة بتعبئة الشارع الإيراني مع الثورة، وكان أحد المتطوعين في الحرس الثوري الإيراني، والتحق بجبهات القتال في الحرب الإيرانية- العراقية في عقد الثمانينيات، ثم التحق باللواء الخاص التابع لحرس الثورة الإسلامية بصفة مهندس عسكري لاحقًا.

 

في العام 1993م عُين نجاد مستشارًا ثقافيًّا لوزير الثقافة والتعليم العالي، ثم عُيِّنَ محافظًا لأردبيل شمال غربي إيران، وحتى العام 1997م، ثم انتخبه المجلس البلدي الإسلامي للعاصمة طهران عمدةً للمدينة في مايو من العام 2003م، واصطدم بأنصار الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي وأنصاره في ذلك الحين.

 

ويعتبر محمود أحمدي نجاد أحد صقور التيار المحافظ في إيران، وهو من مدرسة عالم الدين والفيلسوف الإيراني محمد تقي مصباح اليزدي، أحد أبرز الشخصيات المقربة من المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية آية الله علي خامنئي.

 

ويتمتع أحمدي نجاد بشعبية كبيرة في إيران؛ بسبب مواقفه القومية وسياساته المستقلة داخليًّا وخارجيًّا، والتي اجتازت بإيران مشكلات عديدة فيما يخص أزمة برنامجها النووي مع الغرب والولايات المتحدة، وكذلك لمواقفه القوية من الكيان الصهيوني، أما داخليًّا فإنَّ بساطة حياته، وفقره الواضح مقارنة مع الثورة الطائلة التي يتمتع بها رافسنجاني مثَّلا دورًا كبيرًا في أنْ يُطلَق على نجاد لقب "مردُم يار" وتعني بالفارسية "صديق الشعب".

 

وعلى عكس ما يتهمه به خصومه، فإنَّه- على الرغم من الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت العالم منذ سبتمبر الماضي- قد تحسنت الخدمات في إيران، وحقق الاقتصاد القومي الإيراني تقدمًا واضحًا، وتقلصت معدلات البطالة إلى مستوى 10% فقط لأول مرة منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران.

 

كما دخلت إيران في عهد نجاد النادي الفضائي، بعد أن نجحت في إطلاق قمر صناعي ووضعه في مداره حول الأرض، وشهدت الترسانة العسكرية الإيرانية نجاحات عدة بتحديثها بأنواع مختلفة من الأسلحة محلية الصنع، وخصوصًا في مجال تطوير الصواريخ، من عائلات فجر وشهاب بأنواعها.

 

كما استمرت إيران خلال فترة رئاسة نجاد في دعم حركات المقاومة في فلسطين ولبنان، الأمر الذي كان له نتائج شديدة الإيجابية على الموقف السياسي لفصائل المقاومة اللبنانية والفلسطينية في العدوان الصهيوني على لبنان في صيف العام 2006م، وعلى غزة في ديسمبر ويناير الماضيَيْن.

 

إشكالات داخلية

يعتبر نجاد- كما سبق القول- أحد أكثر رموز التيار المحافظ ثباتًا على مواقفه، وهو ما يجعل من الممكن تصور حدوث صدام قوي بينه وبين الإصلاحيين وبعض المحافظين أيضًا من الرافضين لسياساته، وبالتالي لنا أنْ نتصور أنَّ هناك العديد من الصور المثيرة جدًّا التي ارتبطت بالانتخابات الإيرانية، خصوصًا على المستوى الداخلي الإيراني، تشير إلى حدوث العديد من التغيرات الداخلية في إيران.

 الصورة غير متاحة

طهران تشتعل بسبب أزمة نتائج الانتخابات

 

هذه التغييرات لن تسمح- وفق مراقبين- باستمرار سياسات إدارة نجاد الأولى في السير على ذات النسق الذي أدارت به الأمور في السنوات الأربع الماضية؛ حيث نجح هو في كسر القواعد التي وضعها سلفه الإصلاحي السابق محمد خاتمي طيلة السنوات الثماني التي قضاها خاتمي في الحكم في إيران في فترة النصف الثاني من التسعينيات الماضية، والشطر الأول من العقد الأول من الألفية الجديدة.

 

بدايةً هناك ملاحظة شديدة الأهمية، وهي أن نجاد فاز بالانتخابات بنسبة ضعيفة نسبيًّا غير معتادة بالنسبة للرؤساء الإيرانيين؛ حيث لم يحصل نجاد إلا على 65% من إجمالي أصوات الناخبين، على الرغم من كثافة التصويت في هذه الانتخابات، بينما اعتاد الرؤساء الإيرانيون السابقون على الفوز بأغلبية مريحة تضمن لهم تمرير سياساتهم من دون الكثير من المصاعب مع مؤسسات الحكم المختلفة في إيران، مثل مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان الإيراني)، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، ومجلس صيانة الدستور.

 

على جانبٍ آخر فإنَّ نسبة التصويت الكبيرة في هذه الانتخابات ليست في مصلحة نجاد؛ لأن الزيادة الكبيرة في مستوى الإقبال على هذه الانتخابات جاءت من جانب الإصلاحيين، الذين حاز مرشحهم الأساسي في الانتخابات مير حسين موسوي على حوالي 32% من الأصوات، وهذا معناه أنَّ بعضًا من الغالبية الصامتة في إيران يميلون إلى جاتب الخصوم السياسيين لتيار المحافظين الذي يمثل نجاد واجهتها في الوقت الراهن.

 

وهو ما يقود إلى مشكلةٍ كبرى قائمة في الحالة السياسية الإيرانية، وهي أنَّ الإصلاحيين في إيران يقودون حاليًّا ثورةً صامتةً وبطيئةً؛ ليس ضد النظام الإيراني القائم، والذي جاءت به الثورة الإسلامية في العام 1979م، ولكن ضد القوى التي باتت "تستولي" على القرار الإيراني ومراكز صنعه، فيما اصطلح على تسميته بـ"تيار المحافظين" في إيران، والذي يقوده المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران.

 

وليس أدلَّ على ذلك من عنف الاتهامات التي ساقها الإصلاحيون خلال حملاتهم الانتخابية ضد نجاد، والتي ركَّزت على خسائر إيران على الساحة الدولية، والتي فرضتها سياسات نجاد، وخصوصًا في ملف الكيان الصهيوني، والملف النووي الإيراني، بجانب تراجع الأداء الاقتصادي الإيراني، وارتفاع مستوى التضخم، على الرغم من عائدات النفط في الأشهر التي سبقت الأزمة المالية العالمية التي تفجرت في سبتمبر الماضي.

 

وخلال الانتخابات ظهرت مظاهر تحوُّل عميق في سياسات التيار الإصلاحي في إيران؛ حيث خرجت في توجهاتها عن المسار الذي رسمه لها خاتمي، والذي أدار سياسات التيار الإصلاحي في إطار ثوابت النظام الإيراني القائم، إلا أن الواقع الجديد للتيار الإصلاحي الإيراني يشير إلى أن قياداته الجديدة- ممثلةً في موسوي والمرشح الإصلاحي الإيراني الآخر في هذه الانتخابات مهدي كروبي الذي كان يتولى منصب رئيس مجلس الشورى الإسلامي في عهد خاتمي- ترغب في تغييرٍ ثوريٍّ عميقٍ في الوضع القائم في إيران.

 

وكان ذلك واضحًا في اتجاه الإصلاحيين في إيران لاستيراد أفكار "الثورات المخملية الملونة" التي اجتاحت العالم في السنوات الأخيرة بدعمٍ كاملٍ من الولايات المتحدة، فكانت ذات لونٍ برتقاليٍّ في جورجيا وبنفسجي في قيرغيزستان، وكانت خضراء في محاولة موسوي الأخيرة؛ حيث رفع أنصاره لونًا موحَّدًا لراياتهم وشعاراتهم خلال الانتخابات، وكان اللون الأخضر هو اللون المختار في هذا الإطار.

 

وقد استشعرت مؤسسات النظام الإيراني التقليدية- ومن بينها الحرس الثوري- خطورة هذا الوضع، وقدَّرت أن هذه سوف تكون بوادر لتغييرٍ عميقٍ في بنية النظام الذي أقامته طيلة العقدَيْن الماضيَيْن، ولذلك حذرت بحزمٍ وبلغةٍ لا لبس فيها من أي تجاوزٍ من جانب الإصلاحيين لثوابت النظام القائم.

 الصورة غير متاحة

أعمال عنف في العاصمة الإيرانية احتجاجًا على نتائج الانتخابات

 

ففي خبرٍ تداولته وكالات الأنباء قبل الانتخابات بيومَيْن؛ حذَّر رئيس المكتب السياسي للحرس الثوري الإيراني يد الله جواني الخصومَ السياسيين للرئيس محمود أحمدي نجاد من استخدام العنف بعد الانتخابات إذا ما خسروها أمام الرئيس الإيراني، واتهم جواني الخصوم السياسيين لنجاد بالتحضير لما أسماه بـ"الثورة المخملية" في إيران.

 

وهدَّد جواني بـ"سحق" أي محاولة لإثارة العنف بعد الانتخابات إذا خسر منافسو نجاد، مشيرًا إلى أن استخدام لون معين من جانب مرشح معين "يُظهر بداية مشروع الثورة"، وذلك في إشارةٍ إلى استخدام المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي اللون الأخضر في حملته الانتخابية.

 

وفي المؤشرات الأولية لمرحلة ما بعد الانتخابات وضح أنَّ هذا الأمر يخرج عن نطاق المخاوف؛ حيث تشهد شوارع العاصمة الإيرانية طهران حاليًّا اشتباكات بين أنصار موسوي وقوات الأمن الإيرانية، ونتج منها اعتقال 100 من أنصار موسوي.

 

وفي هذا الإطار فإنَّه يمكن القول إنَّ نظام الثورة الإسلامية في إيران بات في مرحلةٍ انتقاليةٍ صعبةٍ، خصوصًا مع ارتباط هذه الأوضاع سالفة الذكر مع العديد من التطورات الإقليمية والدولية الأخرى، ومع وضوح أنَّ مختلف الإجراءات التي تبنَّتها مؤسسات النظام الإيراني لم تفلح في تحجيم التيار الإصلاحي في هذا البلد، ومن بينها استبعاد آلاف المرشحين في الانتخابات التَّشريعية التي جرت في ربيع العام 2008م، والتي سبقتها، وأدَّت إلى هيمنة المحافظين على المجلس الوحيد المنتخب شعبيًّا من بين مؤسسات الحكم الإيرانية.

 

خطة خارجية

على المستوى الإقليمي والدولي تغيَّرت خريطة الحالة السياسية العامة التي تواجهها سياسات إيران المحافظة في المنطقة؛ ففي غضون الأشهر القليلة الماضية استطاعت حكومات بلدان الخليج العربي السيطرة على محاولات الأقليات الشيعية التي تقيم فيها للتمدد، والحصول على المزيد من المكاسب الشعبية.

 

وبوازعٍ من سياسات أمريكية وصهيونية- بما في ذلك استخدام القوة المسلحة- تمَّ تلجيم القوى السياسية التي تدعمها إيران في المشرق العربي، مثل جيش المهدي التابع للزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر في العراق، وكذلك تحجيم أنشطة فيلق القدس التابع للحرس الثوري في المنطقة الممتدة من الفرات ودجلة شمالاً وحتى سلطنة عُمان واليمن جنوبًا، وهُزِمَ حزب الله في الانتخابات اللبنانية الأخيرة، بعد أنْ تم تحجيم أنشطته العسكرية في جنوب لبنان ضد الكيان الصهيوني بعد حرب الصيف في العام 2006م.

 

وكذلك الحال على مستوى الفصائل الفلسطينية، فبحصار حركة حماس في قطاع غزة، يموت حوالي مليون ونصف المليون فلسطيني موتًا بطيئًا، وحوصرت سوريا في لبنان، وأُجبِرَت على الخروج منها بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في فبراير من العام 2005م، وصولاً إلى المشهد الراهن، فقد جدَّدت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما العقوبات المفروضة على سوريا؛ حليف إيران الأهم في الشرق الأوسط.

 

نجاد "الجديد" سوف يواجه وضعًا صعبًا في المرحلة القادمة على هذا المستوى، فالسياسة التي تتبنَّاها إدارة الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما لا تمنح إيران الفرصة إعلاميًّا أو سياسيًّا، مبرِّرًا تبنِّي سياسات هجومية في أي ملفٍّ من الملفات.

 

فأوباما تبنى لغة إعلامية ناعمة وإجراءاتٍ دفَع من خلالها إلى بدء حوارٍ مع إيران، مع وجود مصلحة أمريكية في هذا في القضايا الآتية: الأوضاع في العراق، ومستقبل الملف الأفغاني، وما يصاحبه في شأن مكافحة ما يعرف بالإرهاب، بالإضافة إلى التسوية في الشرق الأوسط، وما يرتبط بذلك في شأن أمن الكيان الصهيوني.

 

أوباما عندما دعا إلى حوارٍ مع إيران، وتبنَّى لهجةً تصالحيةً، فهو بذلك يُدين إيران مستقبلاً إذا ما تبنت لغةً هجوميةً ضد الولايات المتحدة أو تبنت سياساتٍ عدائيةً يرفضها المجتمع الدولي، خصوصًا إزاء الكيان الصهيوني أو تجاه الملف النووي الإيراني، وهو- أي أوباما- طرح فكرة الحوار مع إيران، بشكلٍ دعائيّ وعلى خلاف رغبة الكيان الصهيوني؛ بقلبٍ مفتوحٍ وهو يعلم تمامًا أنْ إيران لن تتبنَّى ذات النهج، فيبرئ ذمته بالتالي في المستقبل، ويقول إنه أثبت حسن نواياه إزاء إيران، لدرجة أنَّه عارض الكيان الصهيوني نفسه، ودعا لحوارٍ مع إيران رفضته حكومتها.

 

وبالفعل فإنَّ كل ما خرج به نجاد من رد فعلٍ على دعوات أوباما هذه هو المزيد من التحدي في الملف النووي الإيراني، مع عرض قدمه للرئيس الأمريكي أوباما بإجراء مناظرة في مقر هيئة الأمم المتحدة، بشأن القضايا الخلافية بين الجانبَيْن.

 

الكيان الصهيوني

في هذا المستوى من التحليل يبدو أنَّ هناك الكثير من الفخاخ التي تنتظر نجاد؛ حيث يراهن الصهاينة على "حماقة" تصريحاته ضدهم، لتبرير أي فعلٍ عدائيٍّ صهيونيٍّ ضد إيران، على خلفية برنامجها النووي، ودعم طهران لفصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية.

 

وفي هذا كتب المحلل الصهيوني بن كاسبيت والمعروف عنه علاقاته مع أهم المستويات السياسية والأمنية في الكيان الصهيوني، في صحيفة الـ(يديعوت أحرونوت) أمس، وصدَّرت به الصحيفة صفحتها الأولى وببنطٍ عريضٍ؛ أنَّ مصدرًا سياسيًّا صهيونيًّا- لم يكشف بن كسبيت عن هويته- قال إنَّ الكيان الصهيوني يفضل أنْ يتم انتخاب نجاد مرةً ثانيةً لرئاسة إيران.

 

وبرَّر المصدر ذلك بأن نجاد خدم المصالح الإعلامية والسياسية الصهيونية بتصريحاته "المتطرفة" ضد الكيان ودعوته أكثر من مرة إلى القضاء على الكيان، ونفيه ما يُعرف بـ"الهولوكوست" اليهودي على يد ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية؛ الأمر الذي أدَّى إلى موقفٍ دوليٍّ متشددٍ ضد طهران فيما يخص برنامجها النووي.

 

وبرَّر مصدر سياسي آخر في الكيان تأييده لفوز نجاد؛ بأن الأخير "يقول الحقيقة، ويقول ما يفكر فيه، وبالتالي فإنَّ الفرق بينه وبين الآخرين أنَّهم أكثر انفتاحًا، ولكنَّهم يفكرون بالضبط كما يفكر نجاد"، إلا أنه على العكس أثار الإعلان عن فوز نجاد بولاية ثانية في انتخابات الرئاسة الإيرانية "قلقَ" اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، فرابطة مكافحة التشهير اليهودية الأمريكية قالت في أعقاب إعلان فوز نجاد: "نحن نشعر بإحباط شديد بسبب إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد"، أما اللجنة الأمريكية اليهودية فقد عبَّرت صراحةً عن "قلق عميق إن لم يكن دهشة"- على حد تعبيرها- بفوز الرئيس الإيراني في الانتخابات.

 

وبطبيعة الحال فإن إنكار نجاد للهولوكوست وتهديداته الدائمة للكيان الصهيوني- بالإضافة إلى استمراره في سياساته في مجال تطوير برنامج بلاده النووي وصواريخها القادرة على الوصول إلى أوروبا والكيان الصهيوني- هو الدور الأول في رسم هذه المواقف منه عبر الأطلنطي.

 

ومن هنا فإنَّ المشهد السياسي الإيراني الداخلي والخارجي، يشير إلى أنَّ نجاد لن يجلس هادئًا في سنوات حكمه الأربع القادمة، ولكن كيف سيتصرَّف؟! هذا السؤال تجيب عنه خلفيات ومواقف نجاد نفسه طيلة السنوات الماضية التي قضاها في صناعة القرار الإيراني.