يومًا بعد يوم تتواصل جرائم الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسيطينية بقيادة رئيسها المنتهية ولايته محمود عباس في الضفة الغربية بحق كوادر ونشطاء حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وفصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى.

 

فالاعتقالات مستمرة على قدم وساق رغم كل أجواء الحوار، وملاحقة المقاومين واعتقالهم أو قتلهم كما حصل مؤخرًا في قلقيلية، لم تتوقف أيضًا، والأخطر من ذلك كله إعدام المجاهدين في أقبية التحقيق تحت سياط الجلادين الذين فقدوا كل قيمهم الدينية والوطنية والأخلاقية.

 

ولعل أحدث جرائم أجهزة سلطة عباس، إعدام المجاهد الممرض هيثم عبد الله عمرو (البالغ من العمر 30 عامًا) بدمٍ باردٍ في أحد سجون جهاز المخابرات العامة الفلسطيني بمدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، بعد أن تم تعذيبه بطريقة وحشية خلال خمسة أيام فقط من اختطافه من منزله أمام زوجته وأطفاله في بلدة دورا بقضاء الخليل.

 

ونظرًا لهول الجريمة، وللتخفيف من حدة الانتقادات الموجهة لها، فقد حاولت أجهزة عباس اختلاق الأكاذيب والتلفيقات من خلال الادعاء بأن الشهيد حاول الهرب، إلا أن مؤسسات حقوق الإنسان وآثار التعذيب التي ظهرت على جسد الشهيد بعد استلام جثمانه، تؤكد بصورة قاطعة لا لبس فيها أنه تعرض لتعذيب إجرامي أدى إلى وفاته.

 

وفي هذا الإطار يحاول (إخوان أون لاين) استشراف حقائق ما جرى، وتأثيرات هذا كله على أجواء الحوار الوطني الفلسطيني، مع بدء العد التنازلي للموعد الذي ضربته القاهرة للتوقيع على اتفاق المصالحة الوطني بين حركتَيْ حماس وفتح في يوليو القادم.

 

ملابسات

 في البداية تحدثنا إلى أبو محمد، وهو أحد أقرباء الشهيد هيثم عمرو بصورة تفصيلية عن ملابسات عملية الإعدام التي تعرض لها قريبه منذ بدايتها، فأوضح أن الشهيد كان يتمتع بصحة جيدة، وعلاقته طيبة مع الجميع، ولا يوجد له أي نشاط مناوئ للسلطة، ومع ذلك اختطفته أجهزة عباس من منزله بعد منتصف ليل 11/6/2009م، ونقلوه إلى مسالخ التعذيب والتحقيق.

 

ويفند أبو محمد رواية السلطة، قائلاً: "هم زوروا الحقائق من خلال وسائل الإعلام التابعة لهم، فسجن المخابرات الذي عُذب داخله الشهيد مكون من ثلاثة طوابق وقد سبق أن تعرضت للاعتقال بداخله، والطابق الأرضي هو الذي يحتوي على مركز التحقيق والزنازين التي يُزَجُّ فيها أبناء حماس والمقاومة، أما الطابق الثاني فهو للمعتقلين الجنائيين".

 

وقال: "عن أي شرفة يتحدثون أن الشهيد قد حاول الهرب من خلالها، وكيف يفكر هيثم بالهرب، بينما العصفور لا يستطيع الخروج من هذا السجن المحكم الإغلاق؟!".

 

تعذيب كهربائي!!

ويؤكد أبو محمد أن الممرضين في مستشفى عالية الحكومي أخبروه بأن الشهيد تعرض قبل وفاته لعمليات تعذيب شديدة تركت آثارًا واضحة في مختلف مناطق جسده؛ حيث رجح أن يكون التعذيب قد تم بواسطة أدوات كهربائية، وهو الأمر الذي كشفه عدد من المعتقلين المفرج عنهم حديثًا من سجون أجهزة عباس.

 

أما والدة الشهيد التي بدت متماسكة وصابرة ومحتسبة ابنها عند الله عز وجل، فقد اكتفت بالقول "حسبنا الله ونعم الوكيل"، "إنا لله وإنا إليه راجعون"، "لا حول ولا قوة إلا بالله".. ثم بكل إصرار وتحدٍ وشموخٍ، قالت لنا عبر الهاتف: "إن شاء الله لا نربي أولاد الشهيد إلا على الدين الإسلامي، ويطلعوا مثل أبيهم الله يرحمه".

 

 الصورة غير متاحة

"وقائي عباس" يرتكب عمليات تعذيب بشعة بحق معتقلي حماس

بدوره، تقدم الأستاذ محمد المقادمة (نقيب الممرضين في قطاع غزة) بأحر التعازي لعائلة الشهيد، لافتًا إلى أن هيثم استشهد "على أيدي أجهزة الغدر والخيانة في الضفة الغربية"؛ وطالب أن تتم محاسبة المجرمين وتقديمهم للعدالة من أجل أن ينالوا جزاءهم جراء ما اقترفته أيديهم.

 

وتعهد المقادمة بأن يتم فضح من أسماهم "المجرمين القتلة"، وقال: "ما يحدث الآن بالضفة الغربية عبارة عن مسلسل من الأعمال الإجرامية، والشهيد عمرو كان ضحية واحدة من بين سلسلة جرائم تُرتكب على أيدي أجهزة عباس دون حسيب أو رقيب".

 

حوار وطني؟!

ولا شك أن جريمة اغتيال عمرو قد ألقت بظلالها على مساعي القاهرة في شأن توجيه، إذ اعتبرت حركة حماس بالضفة الغربية- في بيان رسمي تلقى (إخوان أون لاين) نسخة منه- هذه الجريمة بأنَّها محاولة من الأجهزة الأمنية "لعرقلة الحوار الفلسطيني، وهي الهدية التي ساقتها أجهزة أمن السلطة للقاءات المصالحة بين فتح وحماس في رام الله وغزة، وجزء من ممارسات يومية تتصاعد كلما لاحت في الأفق بوادر للتقارب الفلسطيني الداخلي، ومحاولات جدية لإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة.

 

ومن ناحيته، أكد النائب البرلماني صلاح البردويل وعضو وفد حماس للحوار الوطني أن العملية الإجرامية في سجون دايتون "هي بمثابة رسالة ليست موجهةً فقط إلى حماس وإنما إلى القاهرة، راعية الحوار الوطني، وإلى الشعب الفلسطيني".

 

 الصورة غير متاحة

د. صلاح البردويل

وأضاف البردويل في تصريحات خاصة: أن "عصابات دايتون لن تقبل أبدًا أي حل للانقسام الفلسطيني، والدليل على ذلك أن وفد فتح وافق على وقف الاعتقالات وإطلاق سراح المعتقلين، إلا أن هذه العصابات ترسل رسائل متتالية بأنها لن تتوقف عن حملتها ضد أنصار حماس في الضفة الغربية".

 

وأمام الجرائم المروعة الأخيرة في قلقيلية والخليل، فإن البردويل يصب جام غضبه على أجهزة الأمن الفلسطينية قائلاً: "إن المجرمين الذين اغتالوا الشهداء بعد ما أذاقوا بعضهم كل أصناف العذاب (في إشارةٍ إلى حالة الشهيد هيثم عمرو) ليسوا ببشر، إنهم فاقدون لكل القيم، إنهم عملاء للاحتلال، هؤلاء مرضى نفسيًّا، وهم خائفون من ملاحقة الشعب لهم، لكن حتمًا لن يرحمهم شعبهم وسيحفرون أسماءهم في مزابل التاريخ".

 

جرائم متتالية

وفي معرض تعقيبها على الحادث، أبدت النائب في المجلس التشريعي عن حركة حماس في محافظة الخليل سميرة الحلايقة استغرابها الشديد من تتابع جرائم أجهزة عباس في سجون السلطة الفلسطينية، مشيرةً إلى أن جهاز المخابرات الفلسطينية يتحمل كامل المسئولية عن جريمة اغتيال الشهيد هيثم عمرو.

 

 الصورة غير متاحة

سميرة الحلايقة

وأضافت الحلايقة في اتصال هاتفي: "في الوقت الذي يُطلب منا أن نقدم أسماء المعتقلين في قوائم من أجل الإفراج عنهم، نُفاجأ باستمرار الاعتقالات وبجريمة اغتيال الشهيد في الخليل جراء التعذيب الشديد، فعن أي حوار يتحدثون؟!".

 

وتشير الحلايقة إلى أن الشهيد لم يكن الأول ولن يكون الأخير في ظل استمرار الاعتقالات في الضفة الغربية، فقد سبقه الشهيد مجد البرغوثي الذي استشهد في سجون رام الله، وادعوا في حينه بأنه مريض، ثم الشهيد محمد الحاج الذي استشهد في سجون جنين وادعوا بأنه انتحر، واليوم خرجوا علينا برواية جديدة بأن الشهيد هيثم حاول الهرب!!؟

 

احتمالية الفشل!

وفي ظل تصاعد الأمور وإصرار فريق سلطة عباس على توتير الأجواء قبل كل جولة حوار، فإن مساعي القاهرة بلمِّ شمل الفلسطينيين قد تبوء بالفشل إذا ما استمرت الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي يقودها، ويشرف على تدريبها وإعدادها الجنرال الأمريكي كيث دايتون بممارساتها الحالية ضد حركة حماس وعناصر فصائل المقاومة الأخرى في الضفة الغربية.

 

ووفق آخر إحصائية لحركة حماس فإن أجهزة عباس ما تزال حتى اللحظة تختطف في سجونها أكثر من 750 ناشطًا من الحركة، والغريب في الأمر أن أجهزة السلطة لم تتوقف عن هجماتها المسعورة طوال العامين الماضيين ضد حركة حماس؛ لكنها تزيد من وتيرة هذه الهجمة في كل مرة يكون فيها قادة حماس وفتح على مشارف الاتفاق، الأمر الذي يثير تساؤلات كثيرة عن الأهداف الحقيقية لهذه الأجهزة التي تعمل لصالح أجندة بلا شك غير وطنية!

 

وتبدو حماس متيقظة لنوايا هذه الأجهزة؛ مما دفعها للتحذير في بيانها عن واقعة شهيد الخليل الأخيرة من "مساعي الأجهزة الأمنية الواضحة لتخريب أجواء التوافق من خلال تصعيد حملات الاعتقال والاستدعاء واعتقال الشخصيات السياسية والأكاديمية والاعتبارية والأسرى المحررين والنساء وزوجات الأسرى".

 

وتؤكد الحركة أن أي حوار لن يتمخض عنه وقف كل هذه الحملات على أبنائها وأنصارها في الضفة الغربية، إنما سيكون مضيعة للوقت، معتبرة أن استمرار جرائم الاغتيال والاختطاف سيكون له انعكاساته الكبيرة في تقدم الحوار أو نجاحه، ويجعل التوصل إلى إبرام اتفاق أمرًا بعيد المنال.

 

وهنا لا بد من طرح سؤال كبير.. هل تنجح جهود الوساطة المصرية في الضغط على سلطة عباس وأجهزته الأمنية في وضع حد لهذه الممارسات القمعية في الضفة الغربية بحق حركة حماس!؟.. فمن خلال الإجابة على هذا السؤال سيتحدد مصير الحوار الوطني الفلسطيني، إما النجاح أو الفشل.