لم يكن في حسبان أحد من المراقبين للانتخابات الإيرانية أن تتخطى المتابعة الصحفية والإعلامية للحدث سوى بضع ساعات بعد الإعلان الرسمي عن النتائج، وكان الجميع يعد نفسه لتحليل النتيجة وفقًا للفائز المتوقع لتكون محصورة بين توقعين: لماذا فاز نجاد إذا كان نجاد هو الفائز؟ ولماذا فاز موسوي إذا كان موسوي هو الفائز ليسدل الستار بعد هذا التحليل المبسط عن الانتخابات الإيرانية، وليفسح المجال لحدث آخر ربما يحتل مكان الصدارة بعده.

 

إلا أن الأحداث التي شهدتها إيران قبيل وأثناء وبعد الإعلان الرسمي عن النتائج شكل مفاجأة للجميع ولم يكن مدرجًا في خطط المتابعين أو توقعات المحللين، وأصبحت إيران بعدها محط الاهتمام والتركيز الإعلامي، وتفجرت على أثر ذلك تساؤلات واسعة وتحليلات أشد اتساعًا.

 

وتساءل البعض: هل انتهت الثورة الإيرانية حتى باتت تعيش الآن أيامها الأخيرة بفعل تلك الأحداث؟ وهل يعد ما حدث انقلابًا فعليًّا على ثورة الخميني أم أنها أحداث ما تلبث أن يتم تداركها وتجاوزها؟

 

وهل هناك خلاف فعلي وحقيقي بين نجاد وموسوي أم أن كلاهما وجهان لعملة واحدة وإن كانت ثمة خلافات فما هي تلك الخلافات؟ وما هي طبيعتها؟

 

وماذا يمكن أن يحدث حال الاستقرار على تلك النتائج المعلنة: هل ستتغير السياسة الإيرانية خاصة الخارجية مع العرب والغرب أم أن السياسة النجادية ستراوح مع التصريحات النارية مكانها في الفترة الرئاسية الجديدة؟

 

بل حدا بالبعض أن يتساءل: هل من المهم أن نشغل أنفسنا في المنطقة العربية بالتغيرات التي تحدث على الساحة الإيرانية؟ أم نصم عنها الآذان ونغلق دونها المسامع؟

 

ثم أخيرًا ما هي السيناريوهات المتوقعة خلال الأيام المقبلة والمتصور أن تؤول لها الأحداث بعد أن تضع المواجهات الحالية أوزارها؟

 

ولنبدأ بسؤال ربما يراه البعض بدهيًا وربما يتصور البعض الآخر أنه من اللغو اجترار الحديث بشأنه، إلا أن كتابات وتعليقات انتشرت خلال الأيام الخوالي أكدت عدم جدوى الحديث عن خلافات في إيران بين محافظين وغير محافظين واعتبرت ذلك لغوًا ربما يدخل في عداد المنكرات التي تستوجب الحسبة.

 

والواقع أن منطقتنا العربية والإسلامية تتشكل وفقًا لمجموعة من القوى الإقليمية المؤثرة ومن أبرز هذه القوى: تركيا وإيران والسعودية ومصر إضافة إلى الكيان الصهيوني المغروس في قلب المنطقة.

 

ولا يملك أي محلل أو متابع للأحداث في المنطقة أن يتجاهل تأثير أي من تلك القوى على الأحداث أو يتجاهل تأثيرها على مستقبل العلاقات والصراع سواء اتفقت مع أي من هذه القوى أو اختلفت معها، سواء تعترف بوجود أي من هذه القوى من الأساس أم تنكره سواء اتفقت معها مذهبيًّا أو فكريًّا أو عقائديًّا أو اختلفت معها، عليك بعد هذه الدراسة وتلك المعرفة أن تتعرف على الإستراتيجيات في التعامل مع أي من تلك القوى فهو أمر مشروع ولا يلام صاحبه على فعله إلا أن ما يستوجب الاعتراض هو رفض التحليل والتعاطي مع الأحداث المؤثرة في المنطقة أو التي يظن أنها كذلك.

 

كما أن لكل من هذه الدول بما فيها الكيان الغريب عن المنطقة دورًا إقليميًّا مشهودًا لا ينكر، فمصر- رغم تراجع دورها الإقليمي بصورة بينة- ما زالت تملك القدرة على التأثير الإقليمي إن أحسنت استغلال أوراقها وذلك بفعل العمق التاريخي والثقل الحضاري والإمكانات السكانية سواء العددية أو النوعية، كما أن المملكة السعودية لها دور إقليمي مؤثر ينطلق من مكانتها الدينية باعتبارها المحضن للأماكن المقدسة، أما تركيا فلها زخم تاريخي وسكاني وحضاري يعزز دورها الإقليمي باعتبارها حلقة الوصل بين المسلمين وبين أوروبا والغرب، أما إيران فلها وزنها الإستراتيجي الذي كان مؤثرًا أيام الشاه وازداد تأثيرًا بعد الثورة خاصة مع تبني فكرة تصدير الثورة، وما تبعه من دور إقليمي فاعل، أما الكيان الصهيوني فلا شك أنه يلعب- بفعل الدعم الغربي اللا محدود والصمت العربي المستمر- دورًا إقليميًّا كبيرًا يتراوح بين العمل العسكري وبين الجهد الاستخباري وبين الدور الدبلوماسي والثقافي والاقتصادي في أحيان كثيرة.

 

وجهان لعملتين

 الصورة غير متاحة

 مير موسوي بين مؤيديه في احتجاج على نتائج الانتخابات الإيرانية

   وإذا بدأنا في الدخول إلى قلب الحدث بعد أن طوفنا قبالته لنا أن نتساءل: هل فعلاً هناك خلاف أو اختلاف بين أحمدي نجاد ومير موسوي؟ أم أنهما وجهان لعملة واحدة؟ وهل يعبر أحدهما عن الوجه المحافظ للثورة الإيرانية بينما يعبر الآخر عن الانحياز الغربي والميل للتوافق مع المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي؟

 

ولا نستطيع أن نجزم بأحد هذين القولين قبل أن نعرض لهما ولحجج كل منهما فالأول يقول أنهما وجهان لعملتين ولكل منهما وجهة هو موليها فأحدهما يولي وجهه شطر المنطقة العربية والإسلامية ويسعى لتعزيز نفوذه فيها ويحرص على استقلال قراره وتطوير قدراته العسكرية، بينما يولي الآخر وجهه شطر الغرب ويسعى للخروج من العزلة المفروضة على الشعب والدولة الإيرانية، ويستند أصحاب هذا الرأي إلى عدد من المؤشرات والأسباب:

- تبني موسوي خلال حملته الانتخابية برنامجًا يسعى لالتماس الشريحة المتغربة في المجتمع الإيراني وهو ما بدا واضحًا في ظهور مجموعات نسوية متغربة في حملته الانتخابية، إضافة إلى أنه يحظى بدعم شريحة من الناخبات اللاتي يطالبن بمزيد من المساواة بين الرجل والمرأة في إيران.

 

- اقتراب موسوي من الأجندات التي يسعى الغرب لترويجها وتقويم القوى السياسية على حسبانها ومن ذلك القوانين الخاصة بالنساء حيث وعد مير حسين موسوي بإعادة النظر في القوانين التي وصفها بـ"الجائرة" بحق النساء الإيرانيات في حال انتخابه رئيسًا. وفي خطاب ألقاه أمام 1500 امرأة، أعلن أنه "سيعيد النظر في كل القوانين التي تشكل تمييزًا بحق النساء، عبر إحالة مشاريع القوانين الملائمة على البرلمان.

 

- يحظى موسوي بتأييد شديد بين أعداد كبيرة من الشبان في المدن والذين يطالبون بمزيد من الحرية الاجتماعية.

 

- يملك مير حسين موسوي رؤية وتجربة خاصة في المجال الاقتصادي تؤهله للقيام بدور مغاير للدور الذي لعبه أحمدي نجاد في إدارة الاقتصاد في أوقات الأزمة خاصة أنه تولى قيادة هذا الملف في أحلك أوقات الأزمات الاقتصادية إبان الحرب العراقية- الإيرانية حيث فرض نظام تقنين للمواد الغذائية ورقابة متشددة على الأسعار.

 

- يركز موسوي على تراجع النمو في الاقتصاد الإيراني خلال ولاية نجاد إلى 3 بالمائة، بسبب معارضته للاستثمار الأجنبي في التنقيب عن البترول، مما أدى إلى أن تستورد إيران ما لا يقل عن 40 بالمائة من حاجتها من وقود المركبات والمعدات.

 

- يعتمد موسوي على ممارسات في المجال الاقتصادي يرى أنها خطيرة إبان فترة نجاد الأولى والتي تتمثل في ارتفاع معدل التضخم نتيجة طبع ملايين الريالات الإيرانية بلا رصيد.

 

- يرفض موسوي السياسات الاقتصادية التي نفذها نجاد خلال ولايته وتعهد بإعادة الاستقرار إلى اقتصاد هزته سياسة الإنفاق المسرف في مجالات التسليح والتي اعتمدها أحمدي نجاد والتي تسببت برؤية موسوي في ارتفاع معدل التضخم.

 

- على صعيد السياسة الخارجية، أعلن موسوي في حملته الانتخابية رغبته في تغيير صورة "التطرف" التي تلازم بلاده في الخارج، في إشارة إلى تصريحات نجاد التي يرى أنها استفزازية سواء ضد الكيان الصهيوني أو الغرب.

 

- أبدى موسوي مرونة واضحة فيما يتعلق بإدارة الملف النووي واستعداده لمناقشة الملف المثير للجدل مع الدول الكبرى الست في حال فاز في الانتخابات خاصة بعدما سببه المشروع في إحداث ثلاث عقوبات دولية وأخرى أمريكية وأوروبية مما أدى إلى هروب أكثر من 300 مليار دولار من البنوك الإيرانية إلى بنوك أجنبية وخليجية في الأعوام الأخيرة.

 

وجهان لعملة واحدة

 الصورة غير متاحة

أعمال عنف في العاصمة الإيرانية احتجاجًا على نتائج الانتخابات

   في المقابل هناك فريق آخر يرى أنه لا توجد فروق واضحة بين الشخصين وأن النزاع ربما يدخل في الأطر الشخصية والتفاصيل بعيدًا عن السياسات العامة وبعيدًا عن الولاء للثورة الأم ويعتمد هذا الرأي على عدد من المؤشرات والأسباب التي يؤيد رؤيته:

- فوفقًا لمصادر إعلامية إيرانية فإن مير حسين موسوي وهاشمي رفسنجاني صديقان للمرشد علي خامنئي، ولكن في الوقت نفسه يقودان حملة ضد محمود أحمدي نجاد تلميذ المرشد، وهو ما يعطي دلالة أن هناك مسافة ما زالت وسيطة بين المرشد والفريقين، أو بالأحرى هناك خط رجعة لكل من المتنافسين في العلاقة مع المرجعية الدينية الإيرانية.

 

- أيضًا وفقًا لمصادر صحفية إيرانية تؤكد أن مير حسين موسوي من الشخصيات الرئيسية في الثورة الإسلامية، فضلاً عن أنه صديق "مقرب جدًّا" من خامنئي وتربطهما علاقة قرابة (خامنئي هو ابن خالة والدة موسوي).

 

- ينحدر موسوي وخامنئي من قرية "خامنة" في محافظة أذربيجان الغربية.

 

- موسوي، بخلاف الكثيرين من قيادات الثورة، لم ينضم يومًا إلى أي حزب كما أنه لم يدعم منذ انتهاء ولايته رئيسًا للوزراء أي رئيس جمهورية حتى وإن كان إصلاحيًّا مما يدلل لدى أصحاب هذا الاتجاه على عدم وجود تاريخ داعم للتيار الإصلاحي لدى موسوي.

 

- يشتهر موسوي بمواقفه العلنية المعارضة لسياسات أكبر هاشمي رفسنجاني، وخصوصًا في ما يتعلق بانفتاح الأخير (النسبي) إزاء الغرب ورؤيته الاقتصادية.

 

- موسوي عمل مستشارًا لنجاد خلال سنته الرئاسية الأولى، وهو أحد المستشارين الكثر لخامنئي في الملف النووي.

 

- يذهب أصحاب هذه الرؤية بعيدًا حتى أنهم يصنفون موسوي على أنه محافظ يقوم بمحاولة لاختراق جبهة الإصلاحيين ويستندون في ذلك إلى معلومات تؤكد أن الرئيس السابق محمد خاتمي قرر الترشح للانتخابات الرئاسية الأخيرة، لكنه سرعان ما سحب ترشحه وفقًا لما صرحت به مصادر إعلامية إيرانية بعدما رفض موسوي الترشح معه لتولي منصب نائب الرئيس. وعزت المصادر الإعلامية الإيرانية هذا الأمر إلى أن المحافظين (الذين بدءوا حملة ضد الإصلاحيين منذ انتخاب نجاد رئيسًا للمرة الأولى قبل 4 أعوام) "يميلون إلى موسوي الذي يؤمن بضرورة تغيير الأمور"، و أن "موسوي الواسع الشعبية أكثر قدرة على تطبيق برنامج رئاسي مغاير". حينها، تحدث أكثر من مراقب ومتابع للشئون الإيرانية عن "ولائية" موسوي وانسجام طروحاته إلى حد كبير مع التيار المحافظ، بل ذهب البعض إلى حد اتهام موسوي بالترشح بهدف "تشتيت أصوات الإصلاحيين"، بالتنسيق مع "المحافظين المعتدلين".

 

- يرى أصحاب هذا الفريق أن موسوي ليس بعيدًا عن التيار الديني بل يقف في قلبه حتى أنهم يشيرون إلى اعتزاز موسوي في حملته الانتخابية بنسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم- وفق ما يقول- مما دفعه لاختيار اللون الأخضر في حملته الانتخابية وهو لون دال في العرف الإسلامي على شرف الانتساب إلى بيت النبوة.

 

- أعلن موسوي في حملته الانتخابية عن أن إيران "لن نتخلى عن التكنولوجيا (النووية). وأن ما سيتم التفاوض عليه هو السبيل الواجب اعتمادها لضمان عدم تحويل البرنامج النووي إلى برنامج عسكري".

 

- تولى موسوي بعد قيام الثورة في إيران منصب رئيس تحرير صحيفة (جمهوري إسلامي)
 واشتهر آنذاك بمقالاته النارية التي دافع فيها عن الثورة في وجه معارضي النظام.

 

- تولى موسوي منصب رئيس الوزراء طوال الحرب العراقية- الإيرانية قبل إلغاء المنصب نهائيًا مما يعطي دلالة على ارتباطه بالثورة وعدم منطقية الخروج عليها.

 

هل الثورة الإيرانية في خطر؟

 الصورة غير متاحة

أحد جرحى المصادمات الإيرانية إثر نتائج الانتخابات

   وبالنظر إلى حجج الفريقين لا نرى تباينًا واضحًا بين المحافظين والإصلاحيين أو بالأحرى بين سياسات نجاد وموسوي، وإن كنا لا نستطيع أن نغض الطرف عن وجود خلافات هنا أو هناك سواء على مستوى السياسات الاقتصادية أو أولويات المرحلة إلا أنه وفقًا للمعطيات التي طرحناها بين الفريقين نجد أنها لا تخرج عن تلك الخلافات التي قد تراها بين الديمقراطيين والجمهوريين في الولايات المتحدة أو بين العمال والمحافظين في بريطانيا، صحيح أن هناك فروقات بين المتنافسين في كل من هذه الدول إلا أنها لا تخرج بحال من الأحوال عن الثوابت العامة والمنطلقات الفكرية والأيديولوجية لجهاز الدولة.

 

ولكن هل يعني ذلك التقليل من الصدامات التي تحدث في الشارع والمظاهرات التي يسعى موسوي لتوسيع دائرتها وعدم الوقوف بها عند نهاية؟

 

وما نستطيع قوله للخروج من هذه الإشكالية التأكيد على:

- رغم انتماء موسوي إلى السلطة الدينية في طهران ورغم ارتباطه العضوي بالثورة إلا أنه يجد في الظرف الدولي المناهض لسياسات إيران عامة وسياسات نجاد وتصريحاته على المستوى الشخصي فرصة لإسقاط نجاد والضغط على مرشد الثورة لتعديل النتيجة أو السماح بجولة انتخابية جديدة كتلك التي فاز من خلالها نجاد قبل سنوات أربع.

 

- يراهن موسوي على إحداث توازن بين قدرته على الاستفادة من الظرف الراهن وتوظيفه لصالحه وبين الحفاظ على قوام المجتمع الإيراني وبنية الثورة الإيرانية.

 

- نجاح موسوي في الحفاظ على هذا التوازن ليس مأمونًا في حقيقة الأمر، فالمستجدات كثيرة والعوامل التي يمكن أن تتداخل في الأمر ليست قليلة، مما يدفع إلى القول بأن الرغبة في إحداث هذا التوازن ستكون مصحوبةً بنصيب وافر من المغامرة والمقامرة والمجازفة بالنظام الإيراني برمته، خاصة مع حضور العامل الخارجي بصورة كبيرة.

 

- بالرغم من نجاح الثورة الإيرانية في المرحلة السابقة في مواجهة عدد من محاولات الانقلاب وعدد من أشكال الشغب إلا أن الأوضاع الراهنة ربما تدفع إلى احتمالية خروج الأمر عن سيطرة موسوي نفسه، وبالتالي تدخل إيران في نفق مواجهات عنيفة، وربما تسمح بظهور محاولات انقلاب على غرار تلك التي حدثت عام 1980 برعاية زبيغنيو برزينسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق والتي عرفت باسم عملية "نوجة"، (اسم قاعدة جوية في همذان) إلا أن الأنباء تسربت حينها إلى الخميني عن طريق عملاء سوفييت، وسرعان ما تمكن الرئيس الإيراني الحسن بني صدر من تطويق قرابة 600 من الضباط وأعدم كثيرًا منهم.

 

- المظاهرات الأخيرة التي يدعو لها موسوي والتي تستهدف حلحلة موقف المرجعية الدينية وإعادة الانتخابات وفتح بصيص نور له للوصول لسدة الحكم، ربما لا يمكن المرور بها حتى نهاية المطاف خاصة مع وجود احتقانات أخرى في الشارع الإيراني الذي يشهد مظاهرات بين الحين والآخر وتتم مواجهتها على غرار مظاهرات الطلبة الشهيرة في 1996، و1999، و2003 والتي تهدد الثورة برمتها وتسعى إلى رفض كامل لمشروعية "ولاية الفقيه" من قبل الشباب الذين ولدوا بعد الثورة والذين يطلق عليهم "أطفال الثورة" إضافة للإضرابات العامة التي تحدث بين الحين والآخر على غرار ما حدث في إضراب عمال الطرق في أكثر من عشرين مدينة إيرانية (يسكنها 15 مليونًا) في مشهد شكل حينها تحديًا لإدارة الرئيس نجاد.

 

تحديات أمام الرئيس نجاد

 الصورة غير متاحة

إيرانية تحمل صورة نجاد خلال كلمته

   وقبل أن نتعرف على طبيعة التحديات التي تقف أمام أحمدي نجاد خلال المرحلة القادمة لنا أن نتساءل وهل ستستقر الأمور فعلا لأحمدي نجاد حتى نتعرف على التحديات التي تواجهه؟
وبعيدًا عن الخوض في السيناريوهات المتوقعة فإن الطريق الآن أمام المرجعية الدينية في إيران باتت ذات اتجاه واحد خاصة بعد خطبة المرشد خامنئي والتي أكد فيها حظر المظاهرات مع تقليل هامش المراجعات المتوقعة في نتائج الانتخابات، الأمر الذي يؤكد أن إيران ليس أمامها سوى خيارين: الأول هو المواجهات العسكرية للمظاهرات والثاني هو التوافقات السياسية مع تيار موسوي وأنصاره مع إمكانية المزج بينهما بنسب متفاوتة دون أن تكون هناك فرصة لإعادة الانتخابات والاستجابة لمطالب موسوي المعلنة بإعادة الانتخابات وإلا فقدت المرجعية الدينية مصداقيتها وتعرضت لانتكاسة لن تترك مجالاً لاستمرار الثورة برمتها.

 

وبذلك فمن المنطقي أن تؤول الأمور خلال هذه المرحلة لأحمدي نجاد لأربع سنوات قادمة إلا أن تجد في الأمر أمور، وفي هذا الاتجاه يكون من المناسب الإجابة على السؤال المطروح: ما هي التحديات أمام أحمدي نجاد؟

 

والحقيقة فإن التحديات متزايدة سواء على المستوى الداخلي أو المستوى الخارجي ومن أبرز تلك التحديات:

- إحداث مصالحة وطنية شاملة وتوافق بين قوى المجتمع بعد الانتخابات وذلك من خلال توافقات سياسية وتوزيع متوازن للسلطة بين المؤيدين والمعارضين.

 

- مواجهة المظاهرات وإزالة التوترات سواء من خلال الحسم العسكري أو التوافق السياسي.

 

- إيجاد صيغة متوازنة بين مقرراته الانتخابية وبين مقررات موسوي بحيث تكون هناك صيغة تجمع بين الأمرين في توافقية تحفظ التوازن والبقاء.

 

- إيجاد توازن في العلاقة مع الغرب خاصة فيما يتعلق بالملف النووي وإيجاد صيغة وسط بين التفاوض مع الغرب والتعامل مع مخاوفهم وبين الحفاظ على المشروع النووي الذي لا يملك هو أو موسوي الحيد عنه باعتباره مشروعًا قوميًّا يجد إجماعًا وطنيًّا من كافة الأطراف.

 

- تفعيل الاهتمام بالمجال الاقتصادي وإيجاد صيغة لرفع العقوبات وفسح المجال أمام الاستثمار الأجنبي بما لا يمس منهجيته وبرنامجه المعلن في استقلال القرار الوطني.

 

- التعامل مع الشريحة المتغربة في المجتمع الإيراني واستيعابها خاصة على المستوى النسوي أو الشباب الذي يعرف بأطفال الثورة وذلك من خلال سن قوانين مساندة للمرأة في ظل الحفاظ على الطابع المحافظ لخطته الانتخابية.

 

- الاستعانة بخبراء اقتصاديين للخروج من الأزمة الاقتصادية التي تمر بها إيران من ارتفاع نسبة الضخم وتراجع معدلات النمو في الدخل القومي وتراجع معدل الاستثمارات.

 

- المضي قدمًا في مشروع الطاقة النووية السلمية لحل أزمة الطاقة المتفاقمة في إيران والتي اضطرتها للاعتماد على الحصول على 40% من حاجتها للبترول من الخارج وذلك في ظل واقع دولي يدفع بمزيد من الصعوبات أمام تحقيق تقدم في هذا الاتجاه.

 

- التخفيف من حدة التصريحات النارية التي يوجهها للغرب بما لا يؤدي إلى التأثير على شعبيته لدى مؤيديه في الداخل.

 

سيناريوهات متوقعة

 الصورة غير متاحة

أحد المصابين في الاحتجاجات على نتائج الانتخابات الإيرانية

   بقي أن نتعرف على السيناريوهات المتوقعة خلال المرحلة القادمة في إيران على خلفية الأحداث الأخيرة والتي لم تكن مدرجة في حسابات الكثيرين إلا أنها باتت واقعًا يصعب الآن تجاوزه حتى في إطار أي تسوية سياسية أو مواجهات أمنية للأحداث حتى وإن حدث بعدها نوع من الهدوء النسبي، إلا أن المؤكد أن الانتخابات الأخيرة بدت صالحة لأن تكون محلاً للتأريخ.

 

وقبل الحديث عن السيناريوهات المتوقعة لنا أن نؤكد على مداخل هذه السيناريوهات ومحدداتها حتى نتعرف على تأثيرات كل منها، وأول هذه المحددات تأثير كل من هذه السيناريوهات على مستقبل إيران ومستقبل الثورة ومدى تأثير ذلك على الواقع العربي في المنطقة وعلى طبيعة العلاقة بين المنطقة والعربية والإسلامية من جهة والغرب من جهة أخرى، إضافةً إلى التأكيد على أن هذه السيناريوهات لا يمكن بحال من الأحوال التعامل معها جملة واحدة أو تركها جملة واحدة وليس شرطًا أن تكون مخرجات أي من هذه السيناريوهات تحقق لمحيطنا الإسلامي والعربي كل الإيجابيات وتتفادى كل السلبيات بل تلتبس مخرجات كل سيناريو بالسلبي والإيجابي.

 

وفي إطار هذه المحددات لنا أن نضع عددًا من السيناريوهات المتوقعة ومدى تأثير كل منها على واقع ومستقبل منطقتنا العربية وقضاياها الرئيسة:

السيناريو الأول: إيران موسوي أمريكية غربية

ونمضي في هذا السيناريو للحديث عن نجاح ثورة موسوي في ظل عدد من الملامح التي يمكن أن يؤول إليها هذا السيناريو:

- حدوث دعم غربي لثورة موسوي.

 

- استجابة شعبية جارفة وغير مسبوقة.

 

- عجز النخب العسكرية عن السيطرة على الوضع.

 

- عجز النخب السياسية المحافظة على التعامل السياسي مع الأزمة في ظل العجز عن استيعاب فريق الإصلاحيين ودمجهم في منظومة الثورة الإيرانية الخمينية.

 

- تشجيع إقليمي مما يسمى بدول الاعتدال العربي.

 

وفي إطار هذا السيناريو يمكن وضع عدد من النتائج المتوقعة حال تحققه:

- حل مشكلة النووي الإيراني وضمان الغرب عدم وجود مهددات للكيان الصهيوني أو لمصالحه في المنطقة.

 

- تخلي إيران عن فكرة تصدير الثورة أو المد الشيعي في المنطقة في إطار توجهات علمانية بعيدة عن التوجهات الدينية التي سيطرت على إيران في مرحلة الثورة.

 

- انضمام إيران لمعسكر التطبيع مع الكيان الصهيوني وتخليها عن حركات المقاومة الفلسطينية وربما مواجهتها أو محاربتها وتجفيف منابعها.

 

- حدوث نوع من التوافق الكبير مع الغرب حول الملفات العالقة بين الطرفين خاصة في العراق وأفغانستان.

 

- لا يوجد مانع لدى الولايات المتحدة في التعاون مع حليف قوي مثل إيران الجديدة لإيجاد صيغة لمصالح إيرانية في الخليج أو العراق وأفغانستان ربما على حساب المصالح العربية.

 

- تراجع دور حلفاء إقليمين تقليديين للولايات المتحدة ربما لا يملكون أوراق كتلك التي تملكها إيران وتقليل الولايات المتحدة من الاعتماد عليهم بصورة كبيرة وسط غياب مهددات إيرانية للسياسة الأمريكية والسياسات الغربية في المنطقة.

 

السيناريو الثاني: إيران موسوي متوازنة في علاقاتها مع الغرب والعرب

ويعتمد هذا السيناريو على فكرة نجاح ثورة موسوي ولكن بطريقة سلمية من خلال القدرة على الضغط على المرجعية الدينية لتستجيب لمطالبه وتعيد الانتخابات ويفوز موسوي مع بقاء الثورة قائمة ولكن مع وجود اتجاه شعبي جارف للتراجع عن سياسات نجاد المعادية للغرب وفي إطار هذا السيناريو يمكن وضع عدد من النتائج المتوقعة حال تحققه:

- السماح لإيران بتدشين مشروعها النووي للأغراض السلمية

 

- تخلي إيران عن فكرة تصدير الثورة أو المد الشيعي في المنطقة مع وجود محاولات لاتجاهات محافظة لتصدير الثورة من داخل المجتمع الإيراني ولكن تظل في رعاية شعبية بعيدة عن منهجية الدولة.

 

- تقديم تنازلات فيما يتعلق بالموقف من المقاومة الفلسطينية وتقليل الدعم للمقاومة بمنهجية مدروسة ودون تغيير معلن للمواقف العامة.

 

- حدوث نوع من التوافق النسبي مع الغرب حول كثير من الملفات خاصة في العراق وأفغانستان.

 

- يحدث نوع من التقارب المحسوب مع الولايات المتحدة والمفاوضات المباشرة حول كثير من القضايا ذات الصلة بين الطرفين.

 

- تراجع اعتماد الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عامة عن الاعتماد الكامل على حلفائها العرب.

 

السيناريو الثالث: إيران نجاد مستقلة ذات طموح إقليمي

أما السيناريو الثالث فيفترض نجاح حمدي نجاد في مواجهة الثورة الداخلية والقضاء عليها بتحالف كبير مع المرجعية الدينية والمؤسسة العسكرية مع حدوث توافق سياسي في الوقت نفسه يدفع إلى خروج نجاد من التجربة أقوى مما كان وفي إطار هذا السيناريو يمكن وضع عدد من النتائج المتوقعة حال تحققه:

- استمرار التوتر النسبي بين الولايات المتحدة والغرب من جهة وإيران من جهة أخرى.

 

- صعوبة التوصل إلى حل لمشكلة النووي الإيراني ومراوحة المفاوضات مكانها.

 

- استمرار فكرة تصدير الثورة أو المد الشيعي في المنطقة في إطار استمرار توجهات قيادة الثورة المحافظة على توجهاتها الدينية وطموحاتها الإقليمية.

 

- استمرار الموقف الإيرانية في رفض التطبيع مع الكيان الصهيوني ودعمها لحركات المقاومة الفلسطينية.

 

- حدوث نوع من التوافق مع الغرب حول الملفات العالقة بين الطرفين خاصة في العراق وأفغانستان وفقًا لطموحات إيران الإقليمية ووفقًا لما يحقق مصلحتها في إطار الممكن.

 

- تزيد دور الحلفاء الإقليمين التقليديين للولايات المتحدة وتكريس السلاح في منطقة الخليج والسماح بمزيد من القواعد العسكرية في دول المنطقة.

 

السيناريو الرابع: إيران نجاد مستقلة ومنكفئة على ذاتها

ويعتمد السيناريو الرابع على استمرار أحمدي نجاد في السلطة رغم المعارضة الداخلية التي يتم السيطرة عليها عسكريًّا دون حدوث توافق سياسي مع استمرار المخاوف من تجدد الاضطرابات الداخلية وفي إطار هذا السيناريو يمكن وضع عدد من النتائج المتوقعة حال تحققه:

- اضطراب السياسة الخارجية الإيرانية وعدم توازنها لتكون مليئة بالمتناقضات دون الثبات على محددات رئيسة للسياسة الخارجية.

 

- استمرار التوتر النسبي بين الولايات المتحدة والغرب من جهة وإيران من جهة أخرى مع وجود محاولات للتواصل وإيجاد حلول توائم بين الطبيعة المحافظة للنظام في الداخل وإمكانات الفعل مع الغرب في الخارج.

 

- تراجع فكرة تصدير الثورة أو المد الشيعي في المنطقة على المستوى الفعلي وإن ظلت من الناحية الإعلامية قائمة دون أن تجد زخمًا على أرض الواقع.

 

- تظل المواقف الإيرانية الرسمية من التطبيع والمقاومة قائمة على المستوى الرسمي وعلى مستوى الخطاب الإيراني العام مع البقاء على الحدود المنطقية من الدعم للمقاومة.

 

- استمرار دور الحلفاء الإقليمين التقليديين للولايات المتحدة بتوازن دون حاجة إلى تكريس السلاح في منطقة الخليج.

 

- حدوث نوع من التوافق مع الغرب حول الملفات العالقة بين الطرفين خاصة في العراق وأفغانستان وفقًا لصيغة متوازنة تحقق مصلحة الغرب والولايات المتحدة في المقام الأول ثم مصلحة إيران في المقام التالي.

 

ويبقى السؤال بعد الحديث عن هذه السيناريوهات والمحددات والتوقعات التي تتخذ من المشهد الإيراني ساحة للتغيير، ما هو الموقف العربي والإسلامي تجاه هذه المتغيرات والسيناريوهات وما هو الدور الذي تقوم به القوى الإقليمية العربية والإسلامية الأخرى لإحداث توازن مع المشهد الإيراني المؤثر في المنطقة بديلاً عن سياسة الصراخ والنقد؟!