أثار التَّصعيد الصهيوني الأخير شرق قطاع غزة؛ توقعات المواطنين الغزيين القاطنين بالقرب من المناطق الحدودية المتاخمة للحدود مع الكيان الصهيوني بعدوان جديد على القطاع، ودفعت هذه العملية العديد من المواطنين إلى إعلان حالة الاستنفار والترقب؛ تحسبًا لتكرارها، خاصة مع تصاعد لهجة التهديدات الصهيونية ضد القطاع، في ظل تعثر الحوار الفلسطيني وصفقة تبادُل الأسرى بين المقاومة والكيان.
ودفعت هذه التوترات السياسية والأمنية الحدودية المواطن العادي في غزة، إلى تبديل أولوياته اليومية، وبات في حالةٍ دائمةٍ من الاستعداد للتحرك فور اندلاع المعارك أو حدوث أي اجتياحٍ صهيونيٍّ مفاجئٍ.
ومنذ انتهاء العدوان الصهيوني على قطاع غزة في يناير الماضي، لم تهدأ الأمور على الحدود بين الكيان وقطاع غزة، وارتبطت هذه التوترات بالتطورات التي تطرأ على الجانب السياسيِّ، فكلما طرأت حالة سياسية جديدة على المستوى الإقليمي والدولي، وكذلك على المستويين الصهيوني والفلسطيني، يكون لقطاع غزة نصيبه من التحركات والتهديدات.
وكانت نبرة التهديدات الصهيونية تتصاعد ضد قطاع غزة، كلما ظهر على السطح أي تطورٍ إيجابيٍّ على صعيد ملف المصالحة الفلسطينية؛ حيث لا يرغب الكيان الصهيوني في رؤية مصالحة فلسطينية داخلية، ومن ثمَّ يبدأ الكيان في إثارة التوترات على الحدود مع غزة، ودفع قيادة السلطة الفلسطينية في رام الله للمزيد من القمع ضد عناصر المقاومة في الضفة الغربية المحتلة.
تأثيرات يومية
وبعيدًا عن الجانب السياسي، فإنَّ تأثيرات التهديدات الصهيونية، التي كثيرًا ما تُقتَرن بتحركاتٍ عسكريَّة من توغلاتٍ أو تحريك قطعٍ ثقيلةٍ حول وعبر الحدود بين فلسطين المحتلة في العام 1948م وقطاع غزة، طالت الحياة اليومية للمواطن الغزاوي.
المزارع طارق حسين بات يسارع في قطف محصوله الزراعي من أرضه القريبة من الحدود، خشية تعرضه لمباغتة صهيونية، ويضيف لـ(إخوان اون لاين)- وقد بدت على ملامحه علامات الخوف- أن ظروف حياته لم تعد تحتمل أية اعتداءات أخرى من قِبل قوات الاحتلال بعدما جرى مؤخرًا.
وكانت قوات الاحتلال الصهيوني قصفت الخميس منزلاً يعود لعائلة أبو عايش شرق قطاع غزة، مما أسفر عن استشهاد الفتاة هيام أبو عايش (17 عامًا)، وإصابة شقيقها حسام (24 عامًا) بشظايا قذيفة مدفعية أطلقتها الدبابات الصهيونية القريبة من منطقة جحر الديك.
وأفادت المصادر الطبية بمستشفى شهداء الأقصى بالمحافظة الوسطى أن القذيفة استهدفت منزلاً يعود لعائلة أبو عايش يقع بمنطقة جحر الديك بالوسطى.

وقال حسين: "رغم حالة الهدوء إلا أن عددًا من الآليات العسكرية الصهيونية تقوم بدورياتٍ مستمرةٍ على طول الجدار الإسمنتي الفاصل"، وأوضح أن حالة الهدوء التي تشوب الحدود في الوقت الراهن لا تقلل من احتمالات إطلاق النار أو القصف في حال نشطت حركة المواطنين في المناطق الحدودية.
وعلى ما يبدو فإن الهدوء الذي ساد المناطق الحدودية بعد الحرب الأخيرة، سيكون أثرًا بعد عين، في حال عادت قوات الاحتلال لتجدد من عدوانها، فيما سيفتقد الرعاة الذين اتخذوا من المساحات الخضراء المجرفة مكانًا لرعي أغنامهم تلك الفرصة، إذا ما تجدد عدوان الاحتلال.
ويشير المواطن محمد مصباح الذي يسكن بالقرب من معبر كارني (المنطار) شرق غزة، إلى أن بعض الدبابات والآليات العسكرية تقوم بعمليات دورية مستمرة بالقرب من السياج الحدودي، وفي بعض الأحيان تقوم بالتوغل في الأراضي الزراعية القريبة من السياج لمسافة عشرات الأمتار، ما يعزز مخاوف السكان من توسيع دائرة أعمال التوغل.
وأضاف: "يتوقع الغزيون استمرار تعزيز الآليات الصهيوني بالقرب من مناطق سكناهم؛ تمهيدًا لشن عدوان عليهم".
المواطن نصر شحادة بدوره يتوقع تصعيدًا في الاعتداءات الصهيونية، وشاهِدُه في ذلك عمليات التوغل المحدودة التي جرت خلال الأيام الماضية، وأوضح أنه يسكن وأسرته في منزل بدائي وسط أرض زراعية مجرفة بجوار منازل أسر أقربائه، مشيرًا إلى أن منازلهم تقع في مواجهة الدبابات التي يمكن أن تتوغل أو تقصف في أي وقت.
ويرى المواطن سالم حجاج (60 عامًا) الذي يسكن في منزل يقع بالقرب من السلك الحدودي، أن التحركات الصهيونية الأخيرة تعكس نية لدى الاحتلال بشن عدوان على المناطق الحدودية متمنيًا ألا تكون توقعاته في محلها.
وتأمل المواطنة ميرفت الشيخ التي تسكن بالقرب من معبر بيت حانون شمال القطاع، وهي تنظر إلى منطاد المراقبة الذي أطلقته قوات الاحتلال في سماء المنطقة، أن تكون فرصة تمديد التهدئة أكبر من العودة لقرع طبول الحرب، نظرًا لحالة الهدوء الجزئي الذي شعروا به خلال التهدئة الماضية التي سبقت الحرب، إلا أنها تستبعد ذلك نظرًا لإجراءات الاحتلال وتأهبه الواضح للعدوان.
وتسترجع ميرفت ذاكرتها إلى الاجتياح الذي شهدته أطراف بلدة بيت حانون، عندما استقرت قوات الاحتلال في منزلها وطردتهم ليحلوا ضيوفًا على منازل جيرانهم.
وتشير بيدها إلى الطريق المتاخمة لمنزلها الذي افتتحته قوات الاحتلال لدخول آلياتها باتجاه بلدة بيت حانون؛ حيث كانت مسرحًا للأحداث والقذائف التي لم ينقطع أصواتها على مدار الساعة.
وتقدر المساحات الخضراء المجرفة الممتدة من خلف المنزل إلى الحدود الفاصلة بآلاف الدونمات الزراعية التي تعود لعائلات الشوا وشراب وأبو رحمة وغيرها؛ حيث تحولت بين يومٍ وليلةٍ إلى أرضٍ قاحلةٍ بعد أن كانت مثمرة بأشجار الحمضيات من الليمون والبرتقال وغيرها.
ويقول المزارع علي موسى (29 عامًا)، ويسكن بالقرب من الحدود الشرقية لبلدة القرارة بجنوب قطاع غزة إنه بات يخشى الوصول إلى مزروعاته، نتيجة تعرض أجزاء منها للتجريف وتمركز الآليات العسكرية الصهيونية المستمر على مقربةٍ منها.
وأضاف أن قوات الاحتلال حولت حياة سكان المنطقة إلى جحيم، مشيرًا إلى أنه ما أن تنتهي تلك القوات المتوغلة من تجريف أرض زراعية في منطقة ما حتى تعود لتجرف وتدمر منطقة أخرى.
ضباب صهيوني
![]() |
|
إيهود باراك |
أما الدافع الصهيوني لاستئناف المحادثات مع مصر بشأن تهدئة جديدة فهو شعور المؤسسة الأمنية بأن من المحتمل اندلاع مواجهة جديدة خلال فترة قصيرة، على الرغم من الهدوء النسبي الذي يسود القطاع.
والتقدير السائد لدى الاحتلال هو أن القدرة على القيام بعمليةٍ عسكريةٍ أخرى على غرار عملية "الرصاص المصبوب"، محدودة للغاية، نظرًا لمعارضة الأسرة الدولية، خصوصًا الإدارة الأمريكية، ولهذا هناك عدد متزايد من المسئولين في القيادة السياسية والمؤسسة الأمنية يحث على التوصل لاتفاق تهدئة جديد.
