كان المكان يغصُّ بالحاضرين.. جنسيات عرقيات مختلفة، منهم من هو أسود البشرة أو أبيضها أو أحمرها، ومنهم من يتحدث العربية ومنهم من لا يتحدثها، ولكن.. وعلى اختلافهم هذا كان يجمعهم همٌّ واحدٌ وقضيةٌ واحدةٌ، وهي: كيف يمكن التصدي لجرائم الاحتلال الصهيوني في فلسطين، وبخاصة موضوع القدس وإجراءات الكيان الصهيوني المحمومة لتهويدها وتبديل معالم هويتها العربية والإسلامية؟!.

 

ففي الأيام القليلة الماضية وتحت شعار "القدس توحِّدنا"؛ نظَّمت "جماعة تعاون المسلمين" النيجيرية الملتقى الوطني والإسلامي لنصرة الشعب الفلسطيني، بمشاركةٍ واسعةٍ من عددٍ من الشخصيات الوطنية والإسلامية، التي مثَّلت مختلف ألوان الطيف السياسي والثقافي في نيجيريا والعالم الإسلامي، بعضهم جاء استجابةً لدعوة وجَّهتها لهم "جماعة تعاون المسلمين"، وبعضهم جاء تضامنًا منهم مع الشعب الفلسطيني في محنته التي طالت لعقودٍ، وإعلانًا من جانبهم عن الطابع الديني للقضية الفلسطينية.

 

ومن بين الهيئات والمنظمات الإسلاميَّة التي شاركت: الحملة العالمية لنصرة القدس، إلا أنها قامت بإرسال كلمة مصوَّرة لفضيلة الشيخ محمد عبد الهادي لافي مدير أوقاف محافظة رفح، وهو أحد الشخصيات الاعتبارية للحملة، والذي كان مقررًا حضوره فعاليات الملتقى، إلا أنَّه مُنِعَ من السفر في اللحظات الأخيرة قبل انعقاد المؤتمر؛ بسبب الحصار الصهيوني الغاشم على قطاع غزة.

 

"القدس توحدنا"

كان تنوُّع المشاركين وضخامة عدد المشاركين أبلغَ دليل على نجاح شعار الحملة: "القدس توحِّدنا"؛ حيث تراوح عدد المشاركين في الملتقى ما بين 1600 إلى 2000 شخص، من بينهم عددٌ من مسلمي المناطق الجنوبية في نيجيريا، بجانب إخوانهم من ولايات شمال البلاد التي تطبِّق الشريعة الإسلامية.

 

ومن نيجيريا أيضًا شاركت قيادات وأعضاء "جماعة تعاون المسلمين" من مختلف الولايات النيجيرية، وقيادات المجلس الوطني للجمعيات الشبابية الإسلامية، وجماعة الأمة (الحركة الإسلامية)، والجماعة المسلمة في جنوب نيجيريا (أو اتحاد مسلمي جنوب نيجيريا)، ومؤسسة عبد الله بن فودي، وجماعة السلف الصالح، وجمعية إصلاح الدين الإسلامي في نيجيريا، والمجلس الإسلامي لولاية أوشن وأويو، وممثلون عن جامعة الحكمة بولاية كوارا، وجمعية الطلبة المسلمين بولاية أوشن وأويو، ومجلس أهل السنة والجماعة، وجماعة وحدة المسلمين في نيجيريا، وجمعية أنوار الإسلام، وجمعية (نفت)، وجماعة قوة الإيمان الإسلامية، وجماعة المسلمين الاتحادية في ولاية أوشن وأويو.

 

ولم يكن التَّمثيل مقتصرًا على الجمعيات والأحزاب الإسلامية النيجيرية فحسب، بل كان هناك العديد من الممثلين عن الحزب الحاكم، والمعارضة وبرلمانات الولايات النيجيرية، ومن بينهم زعيم حزب "تجمع العمل" المعارض البروفيسور علام اليقين محمد الهادي لاديبو.

 

كما تمَّ تمثيل مكتب الندوة العالمية للشباب الإسلامي في نيجيريا في فعاليات الملتقى، ومثلها الشيخ الشامي نصحي الشامي مدير مكتب الندوة في هذا البلد الإسلامي.

 

 الصورة غير متاحة

النائب الأردني نضال العبادي خلال إلقائه كلمته

بينما كان من المشاركين في فعاليات الملتقى من الخارج الداعية والمحامي الشرعي الأردني نضال أمين العبادي، الذي كان عضوًا في مجلس النواب الأردني في دورة 2003/2007م، ومؤسس ومدير عام مركز "إشراق" للاستشارات والأبحاث والدراسات الأسرية والزوجية، وعضو مؤسس ومشارك في المنتدى العالمي للبرلمانيين الإسلاميين.

 

كما شارك في الملتقى الإعلامي الفلسطيني عماد العيسى أبو أحمد المدير العام لجمعية "الشبكة" الثقافية، ومقرها بيروت.

 

كما شارك بالصوت والصورة من قطاع غزة الشيخ محمد محمد عبد الهادي لافي مدير دائرة الأوقاف برفح وعضو الحملة العالمية لنصرة القدس، الذي قال في رسالته: "كنا نرغب في أنْ نشارككم مؤتمركم وملتقاكم، وكنا نرغب في أنْ نُسهم في فعاليات ملتقاكم، وأنْ ننفِّذ جزءًا من برنامجكم الذي من أجله تجلسون وتجتمعون، ولكنَّ الحصار يمنع التنقل والسفر، ومنعنا عن الوصول إليكم، وأن نحقق رغبتنا في مشاركتكم، ولكننا نأمل من الله عز وجل أن تُصْلَح الأحوال، وأنْ نصلكم وأنْ نلتقي على أرض بيت المقدس محرَّرةً بإذن الله".

 

ولم يتمكن مختلف المدعوِّين من حضور الملتقى؛ بسبب عدم استخراج تأشيرات دخول لعددٍ من الراغبين في المشاركة من الدول العربية والإسلامية؛ لأسباب عدة؛ منها عدم وجود سفاراتٍ نيجيريةٍ في بعض الدول، ورفض الوزارة الخارجية منح التأشيرة المباشرة إلا بالذهاب إلى الدول المجاورة، والذي كان صعبًا على الكثيرين في هذه البلدان، بالإضافة إلى الحصار الصهيوني لقطاع غزة الذي منع بعض الشخصيات والهيئات الفلسطينية من الذهاب.

 

فعاليات تضامنية

تمَّ افتتاح الملتقى بكلمة للشيخ داود عمران ملاسا رئيس جماعة تعاون المسلمين ورئيس الملتقى؛ دعا فيها إلى نصرة فلسطين والمسجد الأقصى بعقد مؤتمرٍ وطنيٍّ كبيرٍ، يشارك فيه جميع رؤساء الجمعيات الإسلامية من كل ولايات نيجيريا؛ لتوحيد الجهود والصفوف والعمل لدعم الشعب الفلسطيني والقدس، كما دعا إلى توحيد الصف الفلسطيني.

 الصورة غير متاحة

جانب من المشاركين

 

وحمَّل ملاسا في كلمته الكيانَ الصهيونيَّ مسئوليةَ ما يجري للشعب الفسطيني من دمار وضحايا، وطالب برفع دعوات لمحاكمة قادة الكيان في المحاكم الجنائية الدولية، من جرَّاء من اقترفوه من جرائم بحق الشعب الفلسطيني، وخصوصًا خلال العدوان الأخيرة في ديسمبر ويناير الماضيين، والتأكيد على حق الشعب الفلسطيني في المقاومة وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني حتى ينتهي الاحتلال والعدوان.

 

ودعا ملاسا الدول العربية والإسلامية، خاصةً نيجيريا، إلى وقف جميع أشكال التطبيع والعلاقات مع الكيان الصهيوني بكل أشكالها، وبتفعيل أحكام المقاطعة مع الكيان الصهيوني المحتل، ودعم جهود إعادة إعمار قطاع غزة.

 

وفي نهاية كلمته طالب ملاسا بتأسيس صندوق خاص لجمع التبرعات للشعب الفلسطيني، وتشكيل لجنة تأسيسية لتكوين وتنظيم الهيئة الوطنية لنصرة الشعب الفلسطيني، مع الدعوة إلى تنظيم مؤتمر وطني جديد لجمع الكلمات وتوحيد الجهود لدعم الشعب الفلسطيني العام المقبل، وممارسة المزيد من الأنشطة لجذب الشعب النيجيري وحكومته لدعم القضية الفلسطينية.

 

صوت فلسطين

وفي كلمته المسجَّلة طالب الشيخ اللافي العربَ والمسلمين كافةً بمؤازرة الشعب الفلسطيني في محنته الحالية، ومساعدته على نيل حريته، مؤكدًا ثبات الشعب الفلسطيني في مواجهة مختلف الإجراءات التي يقوم بها الاحتلال الصهيوني لإخلائه من أرضه، وقال لافي: "إن شعب فلسطين شعب المرابطين في القدس، وما حوله من مدن وقرى بفلسطين، ثابتون مرابطون صابرون صامدون، ومؤمنون بأنهم على أرض الرباط يؤمنون بأن الأرض التي يعيشون عليها أرضٌ إسلاميةٌ عربيةٌ مباركةٌ".

 

وحذَّر ممثل الحملة العالمية لنصرة القدس في فلسطين من مخاطر الممارسات الصهيونية على القدس وهويَّتها، داعيًا المسلمين إلى التعاون فيما بينهم حتى يتمَّ تحرير الأقصى من يد الصهاينة.

 

وخاطب الحضور قائلاً: "أيها المسلمون.. أيها المشاركون.. في هذه الآونة الحرجة من تاريخ فلسطين وبيت المقدس، وفي هذه الآونة الحرجة من واقع المسلمين؛ يقف المؤمن العاقل متدبِّرًا صفحات تاريخ بيت المقدس، وعلى وجه الخصوص حاضر القدس وواقعه، فيعتصر القلب ألمًا من معاناة القدس الشريف وواقع المؤامرات والحيل التي تحاك ضد بيت المقدس، وكافة قرى ومدن الأرض المباركة المحيطة ببيت المقدس، وخاصةً القرى والمدن الأثرية، التي يسعى الغاصب إلى تغيير معالمها وطمس هويتها".

 

وأضاف: "إننا إخوة الإسلام نقول لا يخفى عليكم ولا يخفى على واحد ممن يتابعون وسائل الإعلام أنَّ العدو الغاصب يضاعف حملته في التعديات على بيت المقدس والحفريات وانتهاك الحرمات على القدس على المسجد الأقصى وعلى أهله في هذه الآونة الحرجة، فيوجب ذلك علينا وعليكم وعلى كافة المسلمين على اختلاف مكانتهم ومنزلتهم ووظائفهم؛ أن يجعلوا نصرة بيت المقدس وأرض فلسطين من أوائل المشاريع، وأوائل الأهداف، والعمل الجادّ الدؤوب؛ لمنع تهويدها وحفظها من التدنيس ورعاية أهلها وسكانها؛ ليرسِّخوا قواعدهم على أرض بيت المقدس؛ لإظهار الطابع العربي والإسلامي فيها".

 

وختم الشيخ اللافي بالقول: "عليكم أيها الإخوة الحضور.. أيها الجمع الكريم.. أن تعملوا جهدكم ما استطعتم نصرةً لفلسطين وبيت المقدس في المحافل الإقليمية والعالمية، فتحرير فلسطين فريضةٌ شرعيةٌ، ولا يجوز التفريط في شبرٍ من أرض فلسطين، وكذلك السكوت عن نصرة أهل فلسطين وبيت المقدس كبيرة من الكبائر، وعلى المسلمين أن يتعاونوا على تحريرها ونصرتها ونصرة أهلها، فهي أمانة في أعناقكم".

 

الدورة الثقافية

وصاحب الملتقى دورةٌ تثقيفيةٌ عن فلسطين، تمَّت في مقر جماعة تعاون المسلمين بمدينة أيوو عاصمة ولاية أوشن، شارك فيها حوالي 200 شخص؛ حيث درسوا تاريخ فلسطين والحركة الصهيونية العالمية وأهدافها، وجرائم الصهاينة، ومعالم معاناة الشعب الفلسطيني، وقضايا مرتبطة، مثل الحصار والتهويد وقضية اللاجئين وحق العودة والوسائل المناسبة لدعم القضية الفلسطينية.

 الصورة غير متاحة

 المناقشات دارت حول كيفية مواجهة التهويد ودعم حق العودة

 

وقال منظمو الدورة إنها نجحت في تحقيق أهدافها في تعريف الحضور بالقضية الفلسطينية والبعد الإسلامي والإنساني لها، وتميَّزت هذه الدورة بأنها تطوَّرت وتقدَّمت عن غيرها مما عُقد سابقًا.

 

وشارك في الدورة حوالي 145 من الرجال و56 من النسوة من مندوبي الجمعيات والمدارس الإسلامية في المنطقة، وتعاون فيها حوالي 11 من المحاضرين والمثقَّفين؛ ألقوا فيها حوالي 25 من المحاضرات والدروس.

 

البيان الختامي

وفي ختام فعالياته أصدر الملتقى بيانًا ختاميًّا قرر تأسيس لجنة لتكوين الهيئة الوطنية لنصرة الشعب الفلسطيني، والدعوة إلى تنظيم مؤتمر وطني جديد بشأن فلسطين في العام 2010م، ودعوة الشعب النيجيري وحكومته لدعم القضية الفلسطينية، وتأسيس صندوق القدس لمساعدة الشعب الفلسطيني.

 

وقال البيان الختامي إن الملتقى يوجه رسالته إلى أطرافٍ عدةٍ، من بينها الشعب النيجيري وشعوب وحكومات العالم العربي والإسلامي، وإلى العالم الحر وشعوبه، وركَّز في مخاطبته على الفلسطينيين في قطاع غزة المحاصر.

 

كما أكد البيان أن القضية الفلسطينية لا تعني اللاجئين والأرض المحتلة فحسب، بل إنها تعني بجانب ذلك قضية الأسرى في السجون الصهيونية وما يجري فيها من تعذيبٍ وجرائم الحرب التي يتعرَّض لها الفلسطينيون على أيدي الصهاينة، وكذلك قضايا تدمير التراث ومنع الحقوق والحرية والجدار العازل العنصري والمغتصبات اليهودية في الضفة الغربية، بجانب قضية الحصار المضروب على قطاع غزة منذ سنواتٍ.

 

وطالب البيان بتمكين اللاجئين الفلسطينيين من العودة وتعويضهم عن أضرار الشتات في العقود الستة الماضية، وانسحاب الاحتلال الصهيوني من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، وإطلاق سراح الأسرى، ومعاقبة "المجرمين والغاصبين" الصهاينة، وإزالة الجدار العازل والمغتصبات من الضفة المحتلة، وفك الحصار وفتح المعابر في قطاع غزة، وإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة على جميع الأرض المحتلة.

 

واعتبر البيان أن ذلك فحسب هو الذي يضمن "الحل الوحيد للقضية الفلسطينية، الذي لا يمكن لأي حر في العالم أنْ يقبل غيره".