باتت الأنفاق الممتدة على طول الشريط الحدودي الفاصل بين الأراضي المصرية والفلسطينية جنوب قطاع غزة تشكل خطرًا حقيقيًّا على حياة عشرات الشبان الفلسطينيين العاملين فيها، فلا يكاد يمر يوم على غزة المحاصرة إلا وتُفجَع بموت عدد من أولئك الذين يعملون تحت الأرض فيما يسمى "أنفاق رفح"؛ حيث يحاولون جلب البضائع والمؤن إلى سكان القطاع من الجانب المصري.

 

وأصبح من الروتيني أن يسمع الفلسطينيون كل صباح عن مصرع اثنين أو ثلاثة من أولئك الشبان الذين يحفرون قبورهم بأيديهم في الرمال المتحركة بين رفح الفلسطينية والمصرية؛ طمعًا في أجر قليل لا يتجاوز 15 دولارًا في اليوم الواحد رغم المخاطرة الجسيمة، فيما يذهب الربح الأكبر لمالك النفق وللتجار على الجانبين.

 

قبور موت

 الصورة غير متاحة

 أنفاق غزة.. شريان حياة أم موت محقق؟!

وتحولت أنفاق رفح في الآونة الأخيرة من شريان حياة إلى قبور موت، فقد ارتفع عدد الضحايا من جرَّاء انهيار الأنفاق عليهم، وكان آخر الضحايا الشاب أيمن جمال أبو سمك (24 عامًا)، فيما لا يزال البحث جاريًّا عن خمسة مفقودين آخرين في النفق المنهار أسفل الشريط الحدودي بمنطقة القصاص في محافظة رفح جنوب قطاع غزة.

 

وكانت رفح فجر اليوم على موعد جديد مع حادثة أخرى حصدت في حصيلتها الأولية قتيلاً وفقدان خمسة من العمال الذين وُجِدوا داخل نفق انهار على رؤوسهم وهم يعملون لكسب قوت أطفالهم أسفل الحدود بين قطاع غزة ومصر.

 

ودفع الحصار المفروض على قطاع غزة سكانه إلى الاعتماد على الأنفاق بشكل رئيسي لتهريب البضائع والسلع والمواد الغذائية التي لا تسمح دولة الكيان بدخولها منذ ثلاث سنوات.
وأوضح د. معاوية حسنين رئيس اللجنة العليا للإسعاف والطوارئ أن جثة أبو سمك نُقلت إلى مستشفى أبو يوسف النجار في رفح بعد أن تمكَّنت طواقم الإنقاذ من انتشالها من النفق المنهار.

 

تأتي حادثة النفق الجديدة بعد يومين على حادثة تسرُّب الوقود واشتعال النيران في نفق أسفل الحدود بين رفح ومصر؛ ما أدَّى إلى مصرع 7 عمال وإصابة 9 آخرين، حسب آخر حصيلة معلَنة من الجهات الطبية في القطاع.

 

وذكرت تلك المصادر أن جثث الضحايا انتُشِلَت محروقةً ومشوهةً؛ بسبب النيران التي اندلعت بسبب تسرُّب البنزين من أنبوب داخل نفق مجاور للنفق الذي يوجد بداخله العمال.

 

وبهذين الحادثين المأساويين يرتفع عدد ضحايا الأنفاق- حسب إحصائيات رسمية- إلى 110 قتلى ومئات الإصابات منذ بدء الحصار المفروض على قطاع غزة منذ 3 أعوام، قضى غالبيتهم في انهيارات، وتسرُّب غازات وصعقات كهربائية في تلك الأنفاق.

 

ويستخدم الغزيُّون الأنفاقَ لتهريب السلع والبضائع والوقود إلى القطاع المحاصر، والذي لا يسمح الكيان الصهيوني بدخول كافة المواد إليه وتقنين كميات الوقود؛ ما يفسح المجال لبروز تجارة ربما كانت على حساب المواطن لصالح مستثمرين يملكون الأموال، ويستغلون عوز الشباب والمتعطلين عن العمل بأزهد الأثمان، وليكونوا هم (العمال) الضحايا من جرَّاء هذه التجارة المحفوفة بالمخاطر الجسيمة.

 

ويبرز في أعقاب كل حادثة صوت منظمات حقوق الإنسان التي تطالب حركة حماس بصفتها المسيطرة على قطاع غزة من أجل وضع حدٍّ لظاهرة التهريب عبر الأنفاق، وما تحمله من مخاطر على أرواح أناس أبرياء لا ذنب لهم إلا البحث عن لقمة عيشهم وعيش أطفالهم.

 

يشار إلى أن أبو سمك كان يقيم وحيدًا في دير البلح، بعد أن تم إبعاده من قِبَل الاحتلال عن بقية أفراد عائلته التي انتقلت من القطاع إلى الضفة الغربية قبل ثماني سنوات.

 

وعمل طيلة الفترة الماضية على "عين النفق"، أي على الفتحة التي تؤدي إلى النفق، وكانت مهمته سحب البضائع، ولكن هذه المهمة لم تكن تعود بمردود مادي مماثل لمن "يخاطر" ويعمل داخل النفق، ولذلك قرَّر أيمن أن يعمل داخل النفق ليزيد من مردود عمله، وفعلاً بدأ بهذا العمل اليوم، وهو اليوم الموعود بالمأساة لهذا النفق، الذي انهار وقتل أيمن تحت رماله وكثبانه الجافة.

 

مغامرة لحياة كريمة

 الصورة غير متاحة

 انهيار الأنفاق وفقدان الشباب نذير خطر!!

كان أيمن أبو سمك قد انتقل مع عائلته قبل ثماني سنوات للسكن في الضفة الغربية، وتعرَّض هناك للاعتقال على أيدي قوات الاحتلال التي أبعدته قبل خمس سنوات إلى القطاع؛ ليقيم مع أعمامه في دير البلح بعيدًا عن بقية أفراد الأسرة.

 

وكغيره من الشبَّان في قطاع غزة، سعى أيمن ليكوِّن نفسه ويعمل، إلا أن البطالة وظروف القطاع الصعبة رمَتْه للعمل في الأنفاق، إلى جانب مئات الشبَّان الذين رهنوا حياتهم بمغامرة ربما تجلب لهم عيشًا "كريمًا"، أو تنتهي بمأساة تتكرر، وهذا كان مصير أيمن، وربما- لا قدَّر الله- يكون مصير زملائه الذين ما زالوا تحت كثبان النفق المنهار.

 

وفي وقت سابق اليوم كانت طواقم الإنقاذ قد انتشلت ثلاث جثث لكلٍّ من: يوسف معمر (20 عامًا) وطارق سمير قشطة (23 عامًا) ومحمد المغاري (36 عامًا)، وبالأمس كانت قد انتشلت جثة الشاب سامي سعيد قشطة (33 عامًا)، إضافةً إلى 5 مواطنين أصيبوا بالاختناق نتيجة الحادث، وتلقَّوا العلاج في مستشفى أبو يوسف النجار.

 

وأوضح حسنين أن الجثث وصلت إلى مستشفى أبو يوسف النجار، وعليها علامات حروق شديدة.

 

وكان خمسة آخرون أصيبوا أمس بالاختناق أثناء محاولتهم إنقاذ الشبان من جرَّاء استنشاقهم للغازات والدخان المنبعث من داخل النفق.

 

وذكر شهود عيان أن الحريق قد نجم عن تسرُّب كميات كبيرة من وقود البنزين داخل نفق ملاصق للنفق المذكور، ونتيجةً لوجود الكهرباء داخل النفق اشتعلت النيران بداخله.

 

وبحسب العاملين في مجال الأنفاق فإن حفر النفق الواحد يستغرق من أربعة شهور إلى ستة أشهر، فهو يمتدُّ من مدينة رفح الفلسطينية حتى مدينة العريش المصرية، فيما يبلغ عمق النفق من 10 أمتار إلى 20 مترًا أو أكثر؛ حتى يتمَّ الوصول إلى الطبقة الطينية التي تكون بمثابة سقف النفق، ومن ثمَّ تبدأ رحلة الانطلاق إلى الأراضي المصرية التي تمتد مسافات تصل من 300 إلى 500 متر.

 

ويقول أحد العاملين- وقد فضَّل عدم ذكر اسمه-: "أصبحنا نحفر قبورنا بأيدينا.. حفر النفق ليس سهلاً، فالنفق يمتدُّ من حدود رفح حتى داخل العريش أو حتى أبعد منها قليلاً، ويستغرق حفره ستة أشهر على الأقل، وعملية الحفر أخطر ما نقوم بها، وفي كل مرة ندخل النفق نشعر أننا نموت أو أننا على وشك الموت، ولكن لا مفرَّ ولا حيلة أمامنا في ظل إغلاق الكيان المعابر وعدم توافر عمل، فأنا بحاجة إلى عمل أعيش من ورائه أنا وعائلتي".

 

منظمات حقوقية تصرخ

 

 صهيونيان ينقِّبان عن أحد الأنفاق لهدمه

وحمَّل تجمع ضحايا الأنفاق في غزة الاحتلالَ ومن يشاركه في ضرب الأنفاق من الجهة المصرية المسئولية الكاملة على حياة العاملين في الأنفاق؛ حيث لم تتوقف طائرات الاحتلال من دكِّ الأنفاق منذ انطلاق الشرارة الأولى للحرب وحتى أيامنا هذه؛ مما أدَّى إلى انهيار شبكة الأنفاق وإضعاف الأرض وجعلها عرضةً للانهيار بكل سهولة.

 

وأشار التجمع في بيان وصل (إخوان أون لاين) إلى أن القوات المصرية المنتشرة على الحدود مع غزة ما زالت مستمرةً في إجراءاتها لإغلاق الأنفاق والتضييق على العاملين فيها بمساعدة خبراء أمريكيين، وهو ما حذرنا منه مرارًا على مدار الفترة السابقة.

 

ودعا التجمع حكومة غزة إلى تنظيم عمل الأنفاق وتشديد الرقابة عليها، وعدم السماح لمالكيها باستخدام القاصرين لتشغيل الأنفاق دون وسائل حماية، وإلزام مالكي الأنفاق بدفع دية لأهالي الضحايا.

 

وقال التجمع إنه من الأحرى أن تتخذ الحكومة قرارًا بإغلاق أي نفق ذي بنية ضعيفة ومن المتوقع سقوطه.

 

من جهته قال حزب الشعب الفلسطيني: "إن ما يجري في الأنفاق المنتشرة على طول الحدود الفلسطينية المصرية "قتلٌ منظَّمٌ"، يستنفد أرواح شبابنا"، واصفًا تلك الأنفاق "بأنفاق الموت وأنفاق تجار الدم على حساب حياة الأبرياء"، داعيًا حركة حماس إلى إعادة النظر فيما يجري بسبب الأنفاق، وأولياء الأمور لمراقبة تحركات أبنائهم وحثِّهم على الابتعاد عن هذه المهنة الخطرة التي تتسبَّب في أذيتهم وقتلهم.

 

واعتبر الحزب في بيان صحفي أن تكرار موت العاملين داخل الأنفاق لأسباب مختلفة "عملية استنزاف لأرواح الشباب، الذين أجبرهم الوضع المأساوي في قطاع غزة على هذا العمل الانتحاري من أجل توفير لقمة الخبز".

 

وطالب مركز "الميزان الفلسطيني لحقوق الإنسان" حكومةَ هنية بالتدخل لوضع حدٍّ لكارثة الأنفاق، محذِّرًا من تحولها إلى قبور موت للشباب والأبرياء.