تزايدت في الأشهر الأخيرة الأنشطة الصهيونية الرامية إلى تكريس الاحتلال الصهيوني في المناطق الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية، وعلى رأسها القدس الشرقية المحتلة في العام 1967م، وتركِّز السياسة الصهيونية في هذا الإطار على بناء المغتصبات اليهودية وتوسيعها في الضفة والقدس المحتلتَيْن.
وكان من نتاج هذه السياسات هدم أحياءٍ بأكملها في الضفة والقدس، وتهجير سكانها الفلسطينيين، مثل حي الشيخ جراح، وحي سلوان، ووصل الأمر إلى حدِّ أنْ أصبحت سياسات "الاستيطان" الصهيوني في الضفة محمومةً؛ لدرجة أنَّ الصهاينة لجؤوا إلى أسلوبٍ جديدٍ لتوطين قطعان اليهود المغتصبين محلَّ أصحاب الأرض، وهو طرد الفلسطينيين من بيوتهم التي بنوها، وتسكين مهاجرين صهاينة محلهم في هذه المنازل.
وقد شكَّل هدم حي المغاربة الذي نسفته القوات الصهيونية- بعد انتهاء حرب يونيو عام 1967م، وبعد أن سقط القسم الشرقي من المدينة المقدسة في يد الصهاينة- أول فصول المعاناة التي تعيشها المدينة، ولا تزال منذ اثنين وأربعين عامًا.
وكانت نتيجة الهدم تلك أن تمَّ طرد نحو (1000) مواطن فلسطيني من سكان حارة المغاربة، كما دمِّرت أهم الآثار الأيوبية والمملوكية، وهكذا أصبحت حارة المغاربة- التي كانت مساحتها (116) دونمًا، وفيها (136) منزلاً، والعديد من الزوايا الدينية وأربعة مساجد ومدرسة- أثرًا بعد عين.
شكَّل هذا الأسلوب الهمجي من قِبَل السلطات الصهيونية ومن ذلك الحين مؤشرًا واضحًا على كيفية تعامل الحكومات الصهيونية مع المدينة المقدسة؛ بهدف ترسيخ الشعار الصهيوني "القدس.. عاصمة الكيان الصهيوني الموحدة والأبدية".
ومن أجل تطبيق هذا الشعار على أرض الواقع عملت الحكومات الصهيونية المتعاقبة على تضييق الخناق على سكان القدس؛ وذلك من أجل الوصول إلى هدف واحد؛ هو إجبار المواطنين الفلسطينيين على ترك منازلهم؛ بحيث تصبح القدس بشقَّيْها الغربي والشرقي مدينةً ذات طابع يهودي يشكِّل فيه الصهاينة الغالبية العظمى.
"حرفة" هدم المنازل
الصهاينة يمارسون أعمال هدم لمنازل الفلسطينيين
تعتبر عملية هدم المنازل والمنشآت السكنية في المدينة المقدسة سياسةً مفضلةً، تنتهجها القوات الصهيونية، وغالبًا ما تتذرَّع تلك القوات بحجة البناء دون الحصول على ترخيص من أجل تبرير عمليات الهدم؛ حيث بلغ عدد المنازل التي عمدت قوات الاحتلال إلى هدمها منذ احتلال المدينة حوالي (12) ألف منزل أُقيمت على أنقاضها المغتصبات والتجمعات اليهودية.

وتشير الإحصائيات الصادرة عن مؤسسة التضامن الدولي لحقوق الإنسان إلى هدم حوالي (398) منذ العام 2004م، وحتى منتصف العام الجاري، فقد شهد العام 2004م، هدم حوالي (152) منزلاً، كما شهد العام 2005م هدم (90) منزلاً، في حين هُدم (30) منزلاً خلال العام 2006م، كما تمَّ هدم (34) منزلاً خلال العام 2007م، كما تمَّ هدم (50) منزلاً خلال العام 2008م، في حين هدم (42) منزلاً ومنشأةً منذ بداية العام الجاري حتى نهاية يوليو الماضي.
وتركَّزت عمليات الهدم تلك في عدة أحياء من المدينة، وهي: حي جبل الزيتون- العيسوية- سلوان- صور باهر- العيزرية- جبل المكبر- حي الثوري- حي الطور- بيت حنينا، كما امتدت عمليات الهدم لتشمل أحياء بكاملها كحي البستان في المدينة.
وتشير إحصائية صادرة عن مركز "القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية" إلى أن عدد البيوت التي بُنِيَت في القدس دون تراخيص لا يتجاوز (6000) منزل، في حين تدَّعي قوات الاحتلال أن الرقم يكون صحيحًا إذا ما ضوعف إلى ثلاثة؛ أي (18000) منزل.
اهدم بيتك بنفسك!!
وغالبًا ما يقع المواطن الفلسطيني المقدسي في حيرة، فهو في حال تقدَّم للسلطات الصهيونية بطلب للحصول على رخصة للبناء يتمُّ رفض هذا الطلب؛ مما يضطر المواطن إلى البناء دون الحصول على ترخيص.
وبعد أن ينتهي المواطن من تشييد بيت العمر بشقِّ الأنفس، وبعد أن يكون قد وضع (تحويشة العمر) في هذا البيت؛ تأتي سلطات الاحتلال وتسلِّم صاحب البيت إخطارًا يقضي بهدم المنزل خلال فترة معينة، تكون ضيقةً في أغلب الأحيان، ولا يتسنَّى لصاحب المنزل ترحيل أثاثه.
كما يتم إشعار صاحب المنزل ببلاغ يقضي بأن يقوم هو بهدم منزله، وإلا فإنه سيكون مضطرًّا لدفع مبالغ مالية كبيرة للآليات الصهيوينة مقابل الهدم؛ مما يدفع المواطنين في الغالب إلى هدم منازلهم بأنفسهم، وهو ما حصل مع كثير من المواطنين، مثل المواطن "بشير محمد بشير" من منطقة جبل المكبر، الذي قام بهدم منزله بعد فترة وجيزة من بنائه؛ لعدم قدرته على دفع نفقات الهدم للآليات الصهيونية.
الإحلال.. سياسة جديدة
وآخر بدع الحكومة الصهيونية الجديدة بحق المواطنين المقدسيين ومنالهم تمثَّلت في إخلاء القوات الصهيونية بالقوة لبعض العائلات المقدسية من منازلهم، ثم أسكنت مكانهم عائلات من المغتصبين المتطرفين، وذلك أمام الصحفيين الذين قاموا بنقل هذه الممارسات.
فقد قامت القوات الصهيونية وقبل عدة أيام بإجبار عائلتي "الغاوي" و"حنون" على إخلاء منازلهما في حي الشيخ جراح في القدس؛ الأمر الذي أدَّى إلى تشريد نحو (70) مواطنًا من أبناء العائلتين.
مدينة المغتصبات والجدار
استمرار التوسع في بناء المغتصبات الصهيونية
عمدت الحكومات الصهيونية المتعاقبة- سواءٌ ما يوصف منها باليمنية أو اليسارية- إلى عزل مدينة القدس عن الضفة الغريبة عبر أرخبيلٍ ممتدٍّ من مغتصبات صهيونية تحيط بالمدينة، كالسوار حول المعصم، هذا عدا المعسكرات التابعة للجيش الصهيوني والشوارع الالتفافية التي تلتهم البقية الباقية من أراضي المدينة المقدسة.

كل ذلك جعل من مدينة مهبط الديانات السماوية الثلاث مدينةً تخنقها المغتصبات والجدار العازل العنصري الذي قطع أوصال الأحياء العربية عن بعضها البعض، وجعلها كالجزر المتناثرة لا وجود لأي اتصال أو تواصل فيما بينها.
وتشير التقارير إلى نية صهيونية بإقامة حزامٍ "استيطانيٍّ" حول البلدة القديمة، كان أَعلن عنه قبل أكثر من ستة أعوام وزير السياحة الصهيوني السابق بيني ألون، والذي تحدث فيه عن تشييد 17 بؤرة "استيطانية" ستقام حول المدينة المقدسة، إضافةً إلى بناء حي "استيطاني" آخر داخل أسوار البلدة القديمة في المنطقة المعروفة بـ"برج اللقلق".
ومما لا شك فيه أن إقامة كلِّ هذه المغتصبات بالإضافة إلى بناء الجدار الفاصل؛ سيكون بعد مصادرة مئات آلاف الدونمات التي سيتمُّ اقتطاعها من مساحة القدس الشرقية.
انتهاكات
استمرَّ الصهاينة في انتهاك حقوق المقدسيين الاجتماعية والاقتصادية؛ حيث تشير المعطيات الصادرة عن مركز (القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية) إلى إنه خلال الفترة الممتدة من عام 2000م، وحتى نهاية العام 2006م تلقَّى المركز ما مجموعه (3200) شكوى من مقدسيين انتُهكت حقوقهم في المجاليْن الاجتماعي والاقتصادي، بما في ذلك حقُّهم في السكن والإقامة.
وتشمل هذه الانتهاكات فقدان حقوقهم في مجال الصحة وإسقاط حق الإقامة عنهم، من خلال ما يُعرف بسياسة (سحب الهويات)؛ حيث سجَّل عام 2003م وحدة قيام وزارة الداخلية الصهيونية بسحب ما مجموعه (273) بطاقة هوية مقابل سحب (32) بطاقة هوية خلال النصف الأول من عام 2004م، في حين يزيد عدد البطاقات المسحوبة في العامين التاليين 2005 و2006م عن (220) بطاقة هوية.
وعند المقارنة ما بين القدس الغربية والقدس الشرقية نرى مدى التفرقة الصهيونية في الخدمات المقدمة بين الجهتين، بالرغم من أن المسئولية القانونية لإدارة شئون القدس الشرقية لا تزال في عهدة الحكومة الصهيونية؛ لكون القانون الدولي يعتبر القدس الشرقية منطقةً لا تزال تحت الاحتلال.
فمساحات شاسعة من أراضي القدس الغربية هي أرض خضراء تشمل الحدائق والمساحات المشجرة ورياض الأطفال والمتنزهات الترفيهية الأخرى والملاعب، وفي المقابل نرى القدس الشرقية منطقةً تفتقر إلى أدنى المقومات الخدمية الأساسية، كنظام الصرف الصحي وشبكات البنية التحتية من كهرباء ومياه وهاتف.
هذه الوقائع تكشف عن مدى العنصرية الصهيونية المخطط لها لإبقاء القدس الشرقية ملحقةً بالغربية، وجعلها خاويةً لخزان العمالة الرخيصة الذي يعمل في القطاع الخدماتي داخل الدولة العبرية، كما أن مناطق كثيرة في القدس الشرقية تحوَّلت إلى مكعب كبير للنفايات الصهيونية، مثل مناطق وادي الربابة ووادي قدوم والمناطق المحيطة في أبو ديس ومنطقتي الشياح وعناتا.
أرخص مخدِّرات في العالم
وقد لجأت الحكومة الصهيونية إلى إغراق المدينة المقدسة بمختلف أنواع الحشيش والمخدِّرات والكحول، في سياسة باتت واضحةً تستهدف تخريب عقول الشباب المقدسي؛ بحيث يصبح كلُّ همِّه هو كيفية الحصول على بعض من تلك الحبوب.
ومن أجل تحقيق ذلك عملت الحكومة الصهيونية على إنشاء شبكات كبيرة من المروِّجين للمخدرات وبأسعارٍ تعتبر الأرخص عالميًّا؛ وذلك بهدف استدراج أكبر قدرٍ ممكنٍ من الشباب والفتيات من أجل الوقوع في حبال الإدمان والسقوط الأخلاقي الذي يؤدي في أغلب الأحيان إلى السقوط الأمني، في سياسة اعتُبرت مشابهةً لحرب الأفيون.
كل هذه السياسيات الصهيونية تستهدف في المحصلة تفريغ المدينة المقدسة من سكانها الفلسطينيين؛ بحيث تكون الغلبة من حيث العدد للصهاينة المحتلين، ففي الوقت الذي تشير فيه المعطيات الديمغرافية الرسمية إلى أن عدد المقدسيين يزيد حاليًّا على (250) ألف نسمة، فإن أعداد المغتصبين في القدس الشرقية يقارب (200) ألف؛ ما يستلزم مقاربةً بين أعداد الجانبين وأحداث زيادة طفيفة في أعداد "المستوطنين"؛ ولهذا فإن من شأن كل هذه الممارسات الصهيونية تحقيق هذه الغاية.
إن جميع هذه الممارسات الصهيونية تجاه مدينة القدس وساكنيها تتطلَّب وقفةً جادَّةً تتضافر فيها جميع الأطراف الفلسطينية والعربية والإسلامية؛ من أجل تعزيز صمود المواطن المقدسي في أرضه وبيته، وإلا فإننا سنصل وبعد فترة ليست بالطويلة إلى مدينة لم يبقَ منها إلا التاريخ وذكريات البطولة والفداء!.