شكَّلت المملكة الأردنية الهاشمية ومنذ أن ظهرت على الخريطة السياسية مطلع القرن الماضي البوابة الرئيسية لفلسطين؛ حيث كانت تعتبر وقبل تطبيق اتفاقية سايكس- بيكو جزءً لا يتجزأ من بلاد الشام.

 

كما شارك الأردن في الحروب العربية الصهيونية عامي 1948و1967، وكانت معركة الكرامة الشهيرة عام 1969 على أرضيها وبمشاركة فاعلة من الجيش الأردني بمثابة أول انتصار عربي على الدولة العبرية؛ حيث أعطت هذه المعركة دفعةً قويةً لمنظمة التحرير التي بدأ آلاف الشبان بالانخراط في صفوفها من مختلف الدول.

 

شكَّلت الأردن بعد ذلك قاعدة رئيسية للعمل الفدائي المنطلق من الأردن باتجاه فلسطين ونفذ الفدائيون العديد من العمليات الفدائية والنوعية.

 

بقيت العلاقة بين منظمة التحرير والأردن علاقة جيدة حتى العام 1971م؛ حيث أجبرت الحكومة الأردنية منظمة التحرير على الخروج من الأردن، وذلك بعد أن بدأ دور المنظمة يكبر داخل المملكة على حساب السيادة الأردنية، حتى وُصف بأنه أصبح (دولةً داخل دولة)، هذا بالإضافة إلى الكثير من السلوكيات المشينة وعمليات الاغتيال التي نفَّذتها منظمة التحرير ضد بعض الرموز الأردنية، كل هذه العوامل وأخرى دفعت الملك حسين على إجلاء المنظمة من الأراضي الأردنية.

 

بعد هذه المرحلة التي انتهت بحرب أيلول الأسود، بدأ التيار الإسلامي يكبر شيئًا فشيئًا داخل الأراضي الفلسطينية، وتوِّج هذه التمدد بانطلاق شرارة الانتفاضة الأولى، التي أفرزت وبعد أيام من اندلاعها حركة المقاومة الإسلامية حماس.

 

ظهور حماس

مرت العلاقة الأردنية الحمساوية بعدة مراحل بين مدر وجزر، وكانت حركة حماس ترى في الأردن إحدى أهم الدول العربية؛ وذلك لقربها الجغرافي ولكبر أعداد الفلسطينيين الموجودين على أراضيها.

 

شكَّلت الانتفاضة الأولى أول ظهور لحركة حماس على الأراضي الأردنية وذلك من خلال المهرجانات التي كانت تقيمها الحركة لدعم الشعب الفلسطيني، هذا بالإضافة إلى حملات التبرعات التي كانت تسهلها الحكومة الأردنية، وبقيت العلاقة بين حركة حماس والحكومة الأردنية جيدة بل ممتازة إلى أن وقع الأردن اتفاقية "وادي عربة" مع الحكومة الصهيونية عام 1994م.

 

حرص الملك حسين، وعبر دهائه وحنكته السياسية المعروفة، على المحافظة على علاقة جيدة مع حركة حماس، وذلك بالرغم من إبرام اتفاقية "وادي عربة" مع بعض الرسائل المسربة من تحت الطاولة والتي تدعو فيها الحركة إلى تهدئة اللعب.

 

محاولة اغتيال مشعل

 الصورة غير متاحة

 خالد مشعل

استمرت العلاقة الأردنية الحمساوية على هذه الحالة الراكدة، حتى العام 1997م؛ حيث نجا رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشغل من محاولة اغتيال على الأراضي الأردنية، عندها تدخل الملك حسين، وهدَّد بتعليق اتفاقية السلام مع الدولة العبرية إن لم يتم الاعتذار وإطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين مقابل الإفراج عن رجلي الموساد اللذين حاولا اغتيال مشعل؛ الأمر الذي سجل انتصارًا سياسيًّا للأردن وحركة حماس.

 

بقيت هذه العلاقة التصالحية بين الأردن وحركة حماس في عهد الملك حسين، الذي حاول أن يمسك العصا من الوسط وأن يحافظ على توازنات اللعبة السياسية، وبعد تقلد الملك عبد الله مقاليد الحكم في الأردن عام 1999م بدأت أولى خطوات القطيعة مع حركة حماس؛ حيث أُجبر خالد مشغل وأعضاء المكتب السياسي للحركة على مغادرة الأراضي الأردنية، وهو ما اعتبره المراقبون بأنها سياسة أردنية جديدة تتقاطع مع الرؤية الأمريكية للمنطقة.

 

حماس وشرعية الصناديق

بقيت حالة القطيعة على حالها، وباءت كل محاولات التقارب بين الطرفين بالفشل، واستمر الوضع على حاله، حتى فازت حركة حماس بالانتخابات التشريعية عام 2006م؛ حيث شكَّل هذا الفوز صدمةً للعديد من الأطراف، ومن ضمنهم الأردن، الذي وُضع في موقف حرج في كيفية التعاطي مع حركة حماس المنتخبة ديمقراطيًّا.

 

دخلت الحكومة الأردنية في حالة بين الترقب والجدل الداخلي مع ارتفاع بعض الأصوات الرسمية والشعبية التي تطالب بتطبيع العلاقة مع "حماس" واستقبال محمود الزهار وزير الخارجية في الحكومة العاشرة، وقبل أيام من تلك الزيارة، حسم الأردن هذا الجدل وقرَّر القطيعة مرةً أخرى مع حماس، عبر إعلانه عن ضبط خلية تابعة لحماس تعمل داخل الأراضي الأردنية على تخزين السلاح، ورصد أهداف صهيونية؛ الأمر الذي نفته حماس جملةً وتفصيلاً، واعتبرته محاولةً للهروب من استحقاقات فوز الحركة في الانتخابات التشريعية.

 

دخلت الحكومة الأردنية مرةً أخرى في حالة قطيعة مع حماس، واستمر الأمر على حاله حتى جاءت حرب غزة نهاية العام 2008م لتعيد تحريك المياه الراكدة بين حماس والأردن، وسط ضغط شعبي قوي ومؤازر لحركة حماس.

 

 الصورة غير متاحة
 

الأردن من جانبه بدا متفهمًا لحجم الاحتقان الشعبي وسمح للجماهير بالخروج في مسيرات ضخمة وصلت حتى أبواب السفارة الصهيونية، وبدا إعلان الدعم لحركة حماس من خلال المسيرات والمظاهرات والاعتصامات وحملات التبرع أمرًا طبيعيًّا ومشهدًا مألوفًا في الأردن.

 

وبعد أن انتهت حرب غزة، وضعت الحكومة الأردنية ملف التصالح مع حماس في الثلاجة، وبقي الأمر على حاله، على الرغم من إجراء الطرفين العديد من جولات الحوار  والتي استبشر البعض بان تنتهي بمصالحة بين الطرفين، وهو ما لم يتم، الأمر الذي عزاه البعض إلى تدخل أطراف فلسطينية وعربية وأمريكية وصهيونية  لا تريد لهذا التقارب أن يتم.
بعد وفاة والد خالد مشعل أعيد ملف المصالحة بين الأردن وحماس لدائرة النقاش مجددًا؛ حيث سمح الأردن -ولأسباب إنسانية- لمشعل بدخول المملكة لوداع والده.

 

قوبل هذا السماح بترحيب شعبي أردني، وتعالت بعض الأصوات الأكاديمية التي تطالب الحكومة الأردنية إلى الاستفادة من الزيارة التي يقوم بها مشعل إلى الأردن؛ لإعادة العلاقات بين الأردن والحركة، بعد القطيعة التي دامت عشر سنوات.

 

وطالب الدكتور أحمد سعيد نوفل أستاذ العلوم السياسية في جامعة اليرموك؛ بضرورة أن يراجع الأردن موقفه من حركة حماس، كما رأى نوفل أنَّ الأردن خسر من قطع علاقاته مع حماس الكثير؛ حيث لم يستطِع المزاوجة بين الأطراف الفلسطينية كما فعلت سوريا ومصر في التواصل مع حماس والسلطة الفلسطينية، ولعب دور الوسيط، كما خسر الأردن لاعبًا مهمًّا في الساحة الشرق أوسطية.

 

ويضيف الدكتور نوفل أنَّ الأردن وحركة حماس يتفقان في نقطة مصيرية تتمثل في رفضهما مشروع الوطن البديل، الذي تتسارع وتيرة الترويج له في ظل حكومة اليمين المتطرف الصهيونية الحالية، وفي ظل فشل التوصل لحل نهائيٍ للقضية الفلسطينية؛ لذا يرى الأردن نفسه- بحسب نوفل- أمام مصير مشترك مع حركة حماس في التصدي لهذا المشروع.

 

وفي المقابل يرى بعض المراقبين أن عمان استفادت كثيرًا من تفاصيل زيارة مشعل الإنسانية، دون أن يكلفها ذلك أي ثمن سياسي من أي نوع؛ لأن الذريعة التي كانت تستخدم في الضغط على مشعل ورفاقه أصلاً، والمتمثلة في دعم سلطة رام الله وحركة فتح ومحمود عباس، لم تعد تصمد حتى داخل مؤسسات القرار التي فقدت الكثير من الثقة بالسلطة ورموزها.

 

اعتبر استقبال مشعل في الأردن إشارةً قويةً على أن لحماس رصيدًا صلبًا ومتماسكًا داخل الجمهور الأردني وفي الشارع، بالرغم من كل ما يقال ضدها في الإعلام وبين السياسيين؛ حيث أمَّ بيت العزاء آلاف الأردنيين الذين لا تربطهم أي علاقة بحماس أو بالراحل، ولا يوجد برلماني أو سياسي أو وزير سابق أو شخصية عامة تحظى باحترام الناس إلا ووُجدت في مقر العزاء.

 

والأكثر أهميةً حضور حافلات من عدة مدن ومحافظات؛ جاءت لتقدم العزاء باسم العشائر الأردنية، حتى إن عشائر محافظة الكرك أقامت مأدبةً ضخمةً في عمان من باب الواجب كان لافتةً أساسيةً.

 

واليوم وبعد طيِّ آخر صفحات العلاقة الأردنية الحمساوية عبر ما يسمَّى في علم السياسية بـ"دبلوماسية الجنائز"؛ يبدو أن عمان ما زالت في مرحلة المراوحة والتردُّد في حسم خيارتهما في كيفية التعامل مع حماس، بالرغم من كل الإشارات الإيجابية الصادرة عن الأخيرة، كرفضها لخيار الوطن البديل أو أي حل سياسي على حساب الأردن، وبالرغم من توتر العلاقة نسبيًّا بين الملك عبد الله وعباس لموافقة الأخير على بعض الأفكار التي قدِّمت له والتي تعتبر انتقاصًا للدور الأردني.