منذ المشهد الدموي الرهيب الذي روَّع العالم كله منذ أكثر من أربعة سنوات، والذي أظهر شتات جُثَّة رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والنار تشتعل فيها، ولبنان لم يعرف استقرارًا، هذا بفرض أنَّه عَرِفَ استقرارًا يومًا ما منذ ظهوره ككيان سياسيّ ذو استقلالية سواءً في نطاق الدولة العثمانية أو كدولة مستقلة في الأربعينيات الماضية.
ويخطئ مَن يظن أنَّ الأزمة الأخيرة المحيطة بالتشكيل الحكومي اللبناني، والتي دفعت إلى اعتذار رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري- زعيم تيار المستقبل ذي الغالبية النيابية- عن تكليفه بتشكيل الحكومة بعد رفض المعارضة اللبنانية وعلى رأسها حزب الله والتيار الوطني الحر بزعامة العماد ميشيل عون تشكيلته الحكومية المقترحة، هي مخاض ما بعد الانتخابات العامة الأخيرة التي جرت في لبنان في يونيو الماضي.
فبذور الأزمة الحالية في لبنان، موجودة في تربة لبنان السياسية ذات التركيبة الطائفية، وذات أكبر عدد من التدخلات الإقليمية والدولية في شئون دولة عبر العالم، فلبنان هو بلد الطائفية السياسية بامتياز، وبلد ساحرٌ متنوعٌ بكلِّ ما فيه من مشاهد لبيئة سياحية وطبيعية، وكذلك مثير بكل ما فيه من تدخلات مخابراتية وسياسية لكل دول المنطقة والعالم الفاعلة تقريبًا.
المفترض الآن في لبنان أنَّ الرئيس اللبناني العماد ميشال سليمان قد بدأ جولةً ثانيةً من المشاورات مع الكتل النيابية لتكليف شخصية سياسية جديدة بتشكيل الحكومة اللبنانية؛ حيث استقبل أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 128 نائبًا لمعرفة الشخصية الأكثر قبولاً لهم.
ومع كون تيار المستقبل وتحالف 14 آذار هو صاحب الأغلبية بـ71 مقعدًا، تكليف سعد الحريري مجددًا بتشكيل الحكومة، مع كونه الشخصية التي أجمعت عليها مختلف الشخصيات السياسية اللبنانية الكبرى في الأغلبية النيابية، وإصرارهم على إعادة ترشيحه لهذا المنصب، مع اعتذار رئيس الوزراء المنتهية ولايته فؤاد السنيورة عن قبول عرض تشكيل الحكومة، مع كونه أحد رجال الحريري الأب المخلصين.
مماحكات سياسية
سعد الحريري

ولكن في المقابل هناك العديد من الأمور التي لا تضمن سيرًا سلسًا للأوضاع في لبنان في الفترة القادمة، مع توقعات بعودة المعارضة التي يتزعمها تيار عون وحزب الله إلى الاعتصام في شوارع العاصمة اللبنانية بيروت، وعودة مشهد الخيام البيضاء الذي صبغ العاصمة اللبنانية على مدار عام ونصف تقريبًا.
فقد انضم نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني وزعيم حركة أمل، قطب الشيعة الثاني في لبنان، إلى الأطراف الرافضة لترشيح الحريري، رغم "العقلانية" التي دأب الجميع على وصف بري بها.
بالإضافة إلى ذلك فقد شاب التعثر والمماحكات السياسية المشاورات الجديدة التي بدأها الرئيس سليمان لتسمية مرشح جديد لرئاسة الوزراء.
فالنائب في كتلة التنمية والتحرير النيابية التي يتزعمها بري، علي حسن خليل قال بعد اجتماع أعضاء الكتلة مع سليمان: "نحن في كتلة التنمية والتحرير اليوم لم نسم أحدًا بتشكيل الحكومة".
وهو ذات الموقف الذي أكدته الكتلة النيابية للتيار الوطني الحر بزعامة عون؛ حيث قالت إنَّها لم تسمِّ أحدًا لتشكيل الحكومة، وبطبيعة الحال موقف كرره حزب الله؛ حيث ذكر محمد رعد رئيس كتلة الوفاء والمقاومة البرلمانية التابعة لحزب الله، أنَّ الحزب لم يزكِّي أحدًا لتشكيل الحكومة، وزاد على ذلك بالقول إنَّ لحزب الله مطالب "بتشكيل حكومة وحدة وطنية تحقق شراكة حقيقية في البلد".
الجانب الآخر من المماحكات السياسية غريب بغرابة طبيعة الشخصية التي تقف خلفه، ونعني هنا وليد جنبلاط زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي.
فوليد جنبلاط محسوب "إحصائيًّا" و"سياسيًّا" على تيار الأغلبية، أي قوى 14 آذار، الذي له 71 مقعدًا في مجلس النواب الجديد في لبنان، بينما لقوى 8 آذار 57 مقعدًا فقط، ولكن جنبلاط، كما دأب على إثارة الجدال السياسي، وكما تخلَّى فجأةً عن التحالف المدعوم من سوريا وإيران في لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري عاد وأثار- فجأةً أيضًا- إمكانية انسحابه "سياسيًّا" من تحالف الأغلبية، وهو ما يعني الإخلال بالمعادلة "الإحصائية" بين قوى المعارضة والموالاة في لبنان.
فجنبلاط في مطلع أغسطس الماضي فاجأ الجميع بتصريح قال فيه إن تحالف 14 آذار "كان بحكم الضرورة ويجب ألا يستمر"، ودعا إلى "وجوب إعادة التفكير في تشكيلة تحالف جديدة"، ثم عاد وكرر مواقفه الجدالية هذه، وقال إنه يمكن الاعتماد على إيران في تسليح الجيش اللبناني!!
وانتقال جنبلاط إلى صف القوى المدعومة من طهران ودمشق في لبنان يعني اختلال رقمَيْ "71: 57" القائم حاليًّا في مجلس النواب، وقد يعني منح حق تشكيل الحكومة إلى أحد رموز قوى الثامن من آذار، خصوصًا وأنَّ من رفضوا تسمية الحريري الابن في البرلمان اللبناني كرئيس للحكومة قاربوا الستين نائبًا.
وجه إقليمي ودولي
وفي حقيقة الأمر فإنَّ الوضع في لبنان غير غائب عن المشهد الإقليمي والدولي المحيط بهذا البلد، فهناك إدارةٌ أمريكيةٌ جديدةٌ ترغب في تغيير العديد من السياسات التي اتبعتها الإدارة الأمريكية السابقة خلال السنوات الثماني الماضية.
ومن ضمن هذه التغييرات ما طال العلاقات الأمريكية- السورية، وكذلك السياسات الأمريكية المتبعة إزاء إيران.
جون كيري
وفي هذا الإطار تواترت على العاصمة السورية دمشق مجموعةٌ من الوفود من الكونجرس الأمريكي، وكان على رأس هذه الوفود رؤساء لجان العلاقات الخارجية في مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين، ومن بينهم السيناتور جون كيري رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، ومرشح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأمريكية في العام 2004م.

وكان اللافت أنَّ هذه الزيارات كانت قد بدأت قبل قوز الديمقراطيين في انتخابات الرئاسة والكونجرس الأخيرة؛ حيث كانت نانسي بيلوسي زعيمة الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب الأمريكي قد قامت بعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي في العام 2006م، وفاز بها الديمقراطيون بزيارة إلى دمشق.
وكان الغرض من هذه الزيارات، وأيضًا من إعلان وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون عن نيتها زيارة سوريا في أكتوبر القادم، هو فتح قنوات حوار مباشِرة مع دمشق لمعالجة قضايا المنطقة، مثل التسوية الفلسطينية/ السورية/ العربية- الصهيونية، والأوضاع في العراق، مع فك الارتباط السوري مع طهران، وحزمة أخرى من المطالب الأمريكية.
ولذلك في الإطار جرى طي ملف الاتهامات الأمريكية لسوريا بالتورط في أعمال العنف في العراق، وكذلك سحب الضوء إعلاميًّا من تحت أقدام المحكمة الدولية التي تحقق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري.
كما تبنَّت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما خيار الحوار مع طهران، وأعلنت أنها سوف تستجيب لعروض طهران بالحوار المباشر حول الملفات العالقة بين الجانبَيْن، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ قيام نظام الملالي الحاكم في إيران.
ولا يعتبر الملف اللبناني غائبًا عن هذا كله، ولعل هذه الأوضاع هي التي دعت المعارضة اللبنانية إلى المزيد من "الاستئساد" باعتبار أنَّ الكفَّة الإقليمية مالت لصالحها حاليًّا.
ولعل هذا ما قرأه جنبلاط، ورأى أنَّ الدعم السياسي الأمريكي سوف يتقلَّص في الفترة القادمة لقوى الرابع عشر من آذار، وهو ما يصب في مصلحة قوى الثامن من آذار، حتى ولو لم تحصل بالطبع على دعم أمريكيّ مباشر، فأيِّ خَصْم من قدرات منافسيها السياسيين يصب في صالحها.
الأمني والعسكري
وبالتأكيد فإنَّ كل هذه الأوضاع لها ردود أفعال على الأرض، فالصواريخ التي طالت مدينة نهاريا في شمال فلسطين المحتلة عام 1948م مؤخرًا، والرد الصهيوني عليها، والاختراقات التي تقوم بها الطائرات الحربية الصهيونية للأجواء اللبنانية، وتأجيل حكومة رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو لملف الانسحاب من قرية الغجر اللبنانية التي لا تزال محتلةٌ منذ حرب الصيف في العام 2006م.. كل ذلك يشير إلى أنَّ تسخينًا ما على هذه الجبهة قد بدأ، ولكن لا أحد يعرف متى سوف ينتهي، ولا كيف سوف يتطور.
ولكن ثمة مؤشراتٌ جيدةٌ فيما يخص الوضع الأمني الداخلي في لبنان، من بينها أنَّ القوى اللبنانية المتصارعة لا تزال تحتفظ بالمسار السياسي كمتنفَّس لأزمتها، ولم ترد لفظة "الشارع" كبديل عن القنوات السياسية لعلاج الأزمة.
كما أنَّ الجيش اللبناني متماسك، ويمثل قوةً حقيقيةً في حفظ الأوضاع الأمنية في حدها الأدنى، مع تجاوزه أكثر من اختبار كما جرى في مخيم نهر البارد، وفي جنوب لبنان.
بالإضافةِ إلى هذا لم تسجِّل الحوادث في لبنان أية خروقات أمنية من أي نوع، وهو ما يُشير- كما سبق القول- إلى انحصار الأزمة في لبنان في إطارها السياسي، مع كون ذلك في مصلحة جميع أطراف الأزمة، الداخلية والإقليمية والدولية.
الوجه الاقتصادي للأزمة
ولكن تداعيات الأزمة الحالية في لبنان لم تقتصر على الحالة السياسية- وربما الأمنية-؛ حيث امتدت إلى الجانب الاقتصادي، فصندوق النقد الدولي حذَّر من مخاطر تأثيرات الحالة السياسية الحالية في لبنان على البنية الاقتصادية والمالية، وقال إنَّ الأوضاع القائمة في لبنان يمكن أنْ تؤدي إلى عدم حماسة أصحاب رءوس الأموال لإيداع أموالهم في المصارف اللبنانية.
وقال صندوق النقد الدولي في ورقة عمل عن لبنان نشرها أمس الثلاثاء، إنَّ المتغيرات الداخلية والخارجية على السواء تؤثر على الحالة الاقتصادية في لبنان، وخصوصًا القطاع المصرفي، وأشار إلى وجود ضعف كبير في لبنان في هذا المجال.
إذن هي أزمة لم تؤثِّر سلبًا على أمن لبنان في المدى المنظور، ولكنَّها على الأقل أثَّرت على لقمة العيش في هذا البلد الذي يعاني أكثر من نصف سكانه من الفقر.