بعد ثلاثين يومًا من العبادة، من بينها عشرة أيامٍ من الاعتكاف، تتخلَّلت ساعات العبادة والذكر فيها وجبات الإفطار والسحور، ذات الأطعمة التي تميِّز مطبخ غرب إفريقيا الشهير، يقضي مسلمو نيجيريا عيد الفطر المبارك.
وفي مقابل مظاهر رمضان المتميزة في هذا البلد المسلم الواقع على ساحل المحيط الأطلنطي، والتي تعرف كافة ألوان التكافل والتَّفاعُل الاجتماعيَّيْن، مثل تبادُل الأسر والجيران للأطعمة- ومن أشهرها شوربة "الكوكو" المصنوعة من الذرة المضاف إليها السكر- وطقوس اليوم الرمضاني مثل الذهاب لأداء صلاة المغرب بالمساجد وتبادل الزيارات، فإنَّ المسلمين في نيجيريا يقضون العيد، وفق طابعهم الخاص أيضًا.
ومن ضمن هذا الطابع الخاص الاستعداد لآخر وجبة سحورٍ في شهر رمضان؛ حيث يتم إعداد الوجبات التقليدية، ومعظمها يضم البقوليات المضاف إليها اللحم أو المرق، وهناك وجبةٌ خاصَّةٌ تسمى بوجبة "التو"، وهي تعد من الأُرز والخضار والعصيدة، ثمَّ يتناولون اللبن والشاي، ثم تبدأ الأسر الموسرة في وداع الفقراء الذين كانت تستضيفهم بشكلٍ يوميٍّ في شهر رمضان على آخر إفطارٍ لهم قبل عيد الفطر، كما يتم وداع "فرق الإيقاظ" التي تقوم بدور المسحراتي في نيجيريا.
أما في العيد، فإنَّ النيجيريون يبدءون في الاحتفال به بتجديد كل شيءٍ في منازلهم، ويتبادلون الزيارات صبيحة أول يومٍ في العيد بعد أداء الصلاة، بينما تُقام الاحتفالات الجماعية من جانب القبائل الكبرى مثل "الجوريا" و"الأمالا" و"الأيباما"، وهم مسلمون على المذهب المالكي.
ريون يحتفلون بالعيد بارتداء أفخر أنواع ملابسهم التقليدية
وكما هي العادة في المجتمعات القبلية في مثل هذه المناسبات، فإنَّ الناس يرتدون ملابسهم التقليدية الفاخرة، ويرتدي الأطفال أحسن ملابسهم، ويقدِّم الكبار لهم أموال "العيدية" التي تسمى بـ"بركا دا سالا"، أي "هدية العيد" بلغة قبائل الهوسا التي تسكن دلتا نهر النيجر ومالي، كما تتبادل الأسر توزيع الأطعمة بين الأهالي والجوار احتفالاً بيوم العيد.

ويكون غريبًا بالنسبة لأبناء البلدان الأخرى إذا ما سمعوا تكبيرات العيد تنطلق من وسط الأدغال؛ حيث يؤدي الكثير من النيجيريين صلاة عيد الفطر وسط الأدغال، وهم يرتدون الأزياء الموحدة، ومعهم أطفالهم ونساؤهم.
وخلال العيد يُكوِّن الأطفال فرقًا تجوب بيوت الأقارب والمعارف طالبين "العيدية" وهدايا العيد، وتقام الاحتفالات الشعبية في ليالي العيد، تتزامن مع احتفالات المؤسسة الإعلامية الرسمية التي تقيم حفلات للأغنية الشعبية، كما أنَّه من بين التقاليد المتبعة في العيد في هذا البلد حرص بعض الأسر على إقامة بعض المناسبات الاجتماعية المختلفة في أيام العيد، مثل:
الزواج، والانتقال إلى منازل جديدة.
ويتناول النيجيريون في عيد الفطر أكلات شعبية، من بينها "أمالا" و"إيبا"، وهي أكلات دسمة تعتمد على طهو اللحوم والدجاج بطريقةٍ خاصة مملوءة بالبهارات.
نيجيري يحمل سجادته بعد أداء صلاة العيد
ومن بين المظاهر المميزة لعيد الفطر في نيجيريا وخلال أيام العيد يقوم أمراء وسلاطين الولايات والمدن النيجيرية المختلفة بتنظيم مواكب تضم أعوان ووزراء الأمير أو السلطان، وتصاحبها فرقٌ فنيةٌ تقوم بتسلية الأمير، وهو في طريقه إلى المسجد لأداء الصلاة.

هذه هي ملامح من صورة رمضان واحتفالات العيد في هذا البلد المسلم الكبير، نيجيريا، ولكن ما الذي نعرفه عن هذا البلد الذي يسكنه أكثر من 140 مليونًا من الأنفس، أكثر من 80% منهم من المسلمين؟!.. هذا هو ما نحاول أنْ نقدمه في هذا الإطار.
تاريخ قديم من الإسلام
بدأ الإسلام يشق طريقه إلى المناطق المعروفة الآن بنيجيريا منذ القرن السابع الميلادي عن طريق التجار العرب المسلمين، الذين يفدون إليها من الشمال الإفريقي عبر الصحراء الكبرى، وازداد انتشار الإسلام وعظم أمر المسلمين في القرن الثالث عشر الميلادي تأثرًا بنفوذ (الموحدين)، و(المرابطين) الذين أقاموا دولتهم في المغرب العربي، وكان لانتشار الإسلام في الشمال النيجيري أثره على حياة السكان الاجتماعية والثقافية، مما جعل لهم شخصية مميزة في السلوك والعادات التي انطبعت بالطابع الإسلامي بعد أن كانت أسيرة المعتقدات الوثنية.
وقامت في أماكن متعددة منها ممالك إسلامية مثل مملكة الكانم، ومملكة كاتسينا، ومملكة كانو، وقامت حركة إسلامية في القرن التاسع عشر الميلادي بقيادة عثمان بن فوديو الذي استطاع أن يؤسس دولة إسلامية في ولاية سوكوتو بالشمال الغربي لنيجيريا، كما كان له دورٌ في نشر الثقافة الإسلامية العربية الصحيحة وحارب البدع والخرافات والشرك والشعوذات والوثنية.
يتركز المسلمون في مناطق الشمال خاصةً في برنو وجيجاوا وكانو وكاتسينا وزنفرا وسوكوتو وكبي ويوبي وبوشي وكادونا وجومبي؛ حيث لا تقل النسبة في هذه الولايات عن 95%، أمَّا بالنسبة لباقي الولايات فإنَّ نسبة المسلمين في أبوجا ودلتا النيجر وأدماوا تقارب 60%، وكذلك في ولايات كوارا وأوشن وأويو وأوجن ولاجوس، بينما في الولايات الشرقية تقل نسبة المسلمين عن 10%.
ولم يتمكن الإسلام من الوصول مبكرًا إلى الأجزاء الجنوبية من نيجيريا، بسبب كثافة الغابات التي تفصل بين الشمال والجنوب، الذي بدأ يتعرض لهجمات البرتغاليين والبريطانيين في القرنين الخامس عشر والسادس عشر.
ولعبت الطرق الصوفية دورًا هامًّا وبارزًا في نشر الإسلام في الساحة النيجيرية بانتشارها الواسع في طول البلاد وعرضها، وتمثل (القادرية) أقدم طريقة صوفية أدخلها الشيخ عثمان بن فودي الفولاني في تلك البلاد.
وما زالت نيجيريا تدين حتى اليوم لهذه الحركة، التي جعلت منها أكبر دولة إسلامية في إفريقيا، وقد قام الفولاني بالتصدي لهجمة الاستعمار البريطاني الذي تكالب على مناطق الدولة الإسلامية ابتداءً من الربع الأخير للقرن التاسع عشر.
وكانت آخر مدينة فولانية تواجه البريطانيين هي (بورمي) التي قادت المعركة الأخيرة، وكانت تلك آخر المعارك، وآخر مراحل المقاومة الشديدة التي واجهها البريطانيون في غزوهم لشمال نيجيريا، وكان ذلك يوم 27/7/1903م، وكان في تلك المعركة نهاية دولة الإسلام في نيجيريا.
الجغرافيا والتركيبة السكانية
تبلغ مساحة نيجيريا قرابة المليون كيلو متر مربع وتقع جنوب الصحراء الكبرى وجنوب النيجر، لذا فشمالها يقع ضمن المناطق الصحراوية بينما تقع مناطق المطر في الجنوب، كما توجد سلسلة جبال في مناطق الشرق عند ولاية ترابا وكلابا, ويجري في نيجيريا نهران، هما نهر بنوي ونهر النيجر، ويتفرع منهما أنهار صغيرة يصل عددها إلى 15 نهرًا، وأمطارها صيفية وتختلف من مكانٍ إلى آخر، ففي أماكن الشمال تكون فترتها من 5 إلى 6 شهور، من مايو إلى سبتمبر، بينما تكون في الجنوب والشرق من 8 إلى 9 شهور، وبكمياتٍ غزيرة.
ويعيش في نيجيريا، التي تُعدُّ أكثر الدول الإفريقية سكانًا، أكثر من 250 مجموعةٍ عرقيةٍ، غير أن المجموعات العرقية التالية هي الأكثر عددًا والأقوى نفوذًا على الصعيد السياسي:
- الهوسا والفولاني Hausa and Fulani: نحو 29% من تعداد السكان.
- اليوربا Yoruba: نحو 21%.
- الإيجبوIgbo: نحو 18%.
- الإيجاو Ijaw: نحو 10%.
- الكانوري Kanuri: نحو 4%.
- الإيبيبيو Ibibio: نحو 3.5%.
- التيف Tiv: نحو 2.5%.
بينما نجد هناك 400 من القوميات الأخرى الصغيرة، وبسبب تعدد الأعراق والعرقيات نجد أن العادات والتقاليد تختلف من مكانٍ لآخر، مع كون بعض هذه القوميات من المسلمين وبعضها من المسيحيين، بينما بعضها وثني.
ومع التنوع العرقي في نيجيريا، تتعدَّد اللغات المستعملة، وتتفاوت نسبها بحسب النسب السابقة، ولكن اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية للبلاد، بينما تمثل لغة الهاوسا أو الهوسا ولغة الفولاني اللغاتت الأكثر انتشارًا في هذا البلد.
النظام السياسي والحالة الاقتصادية
نظام جمهوري فيدرالي، ودستور الدولة ينص على أنَّ نيجيريا دولة متعددة الأديان، وعدد ولايات الدولة 36 ولاية، ونسبة عدد الحكام المسلمين 49% ونسبة الحكام المسيحيين 51% من إجمالي عدد حكام الولايات، بينما تبلغ نسبة عدد الوزراء 60% من المسيحيين، و40% من المسلمين.
وفي مجلس الشيوخ 55% مسيحيون، و45% من الأعضاء مسلمون، أما في مجلس النواب، فإنَّ 60% من الأعضاء مسلمون، و40% مسيحيون.
ويقوم النظام السياسي في نيجيريا أيضًا على التعددية الحزبية، ويوجد في نيجيريا 54 حزبًا سياسيًّا، ولكن هناك حزبين هما الأكثر تأثيرًا، وهما:
1. حزب الشعب الديمقراطي الحاكم.
2. حزب كل النيجيريين الوطني، وهو أكبر الأحزاب المعارضة.
ولا يوجد في نيجريا حزب يمثل المسلمين أو تيار إسلامي، ولكن هذه الأحزاب خليطٌ من النيجيريين من قبائلٍ وقومياتٍ متعددة، من الهوسا واليوروبا والإيبو، تجمعهم المصلحة السياسية، غير أنَّ حزب كل النيجيرين الوطني يتزعمه السياسي المسلم البارز محمد بخاري مرشح الرئاسة السابق.
اقتصاديًّا نيجيريا دولة غنية بثرواتها من بترول ومعادن، بالإضافة إلى مواردها من الغابات والأنهار والمراعي الطبيعية، ويمثل البترول 90% من الدخل القومي في نيجيريا، بينما تُشكِّل الحرف الأخرى كالزراعة والتجارة والرعي والصيد باقي نسبة الدخل القومي.
التعليم والنشاط التنصيري
هناك العديد من البعثات التنصيرية في نيجيريا، 70% منها كاثوليكية تابعٌ للفاتيكان، و10% بعثات إنجليكانية تابعة لبريطانيا والولايات المتحدة، كما أنَّ هناك بعثات تنصيرية تابعة للأرثوذكس وكنائس الشرق الأوسط 5%، بالإضافة إلى مجموعاتٍ مسيحيةٍ أخرى من أنحاء العالم المختلفة.
وتأثير هذه البعثات واضح؛ حيث إن مؤسسات وشركات ومدارس وجامعات وكنائس هذه البعثات منتشرة، وكان من تأثير عمل هؤلاء- مستغلين فقر وجوع وجهل الغالبية من المسلمين في نيجيريا- أنْ تنصرت أعدادٌ كبيرةٌ من المسلمين، كذلك انتشرت المسيحية بين مجموعاتٍ من الوثنيين في جنوب وشرق البلاد وغربها.
وأبرز المجموعات التنصيرية التي لها أهمية وسيطرة وتأثير في قطاعات كثيرة من المسيحيين هناك، مؤسسة (CAN) أو الجمعية النصرانية النيجيرية.
وقد قدَّم التعليم الغربي التنصيري مع الاحتلال الإنجليزي؛ حيث اصطحب المحتل معه المدرسة والمستشفى والكنيسة والصحيفة ووسائل النقل والتصنيع، ولما كان التعليم الإسلامي العربي هو الموجود آنذاك، فإن التعليم العربي واللغة الإنجليزية تصارعتا واصطدمتا، وأصرَّ المسلمون على تعليم أنفسهم وأبنائهم التعليم الديني الإسلامي العربي رافضين المستعمر وتعليمه.
ولكن المستعمر الإنجليزي استطاع بجيوشه وجيوش المُنصِّرين التي صاحبته من قساوسة ومعلمين وأطباء وصحفيين، أن ينتشروا في أنحاء كثيرة من نيجيريا، ناشرين ديانتهم وتعليمهم وثقافتهم ولغتهم، وخلال قرنٍ من الزمان كان عدد المسيحيين في نيجيريا ينمو ويكثر، وكان خريجو المدارس والجامعات التي أنشأها المحتل بمئات الآلاف.
واليوم، وبعد قرابة قرنين من الزمان من دخول المحتل البريطاني إلى هذا البلد، كانت النتيجة أنَّ المسيحيين هم الأكثرية في الجامعات، طلاب وهيئات تدريس، وهم الأكثرية في المدارس طلابًا وهيئة تدريس أيضًا.
كما أنهم هم الأكثرية في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، وفي القطاعات الاقتصادية الأهم، مثل البنوك والمؤسسات المالية، وهم الأكثرية في السيطرة على الشركات والصناعات الكبرى.
ونسبة هيئة التدريس من المسيحيين في الجامعات 65% من الطلاب مقابل 35% من الطلاب المسلمين، ومن هيئة التدريس تبلغ نسبة المسيحيين 70%، و30% من المسلمين، وتبلغ نسبة وسائل الإعلام المقروءة من صحف ومجلات تحت سيطرة المسيحيين 80%، و20% فقط في أيدي المسلمين، ويمتلك المسيحيون 95% من القنوات التليفزيونية، و5% فقط منها في أيدي المسلمين، ويبلغ عدد الجامعات المسيحية الخاصة 15 جامعة، في مقابل 3 فقط يمتلكها المسلمون.
وقد حاولت الكثير من الجماعات المسلمة التصدي لهذا الزحف، من بينها ما ظهر في الأربعينيَّات والخمسينيَّات الماضية وهي: جماعة نصر الإسلام، وقد أسسها المرحوم أحمد بللو، وجماعة أنصار الدين، وتأسست في الجنوب على يد أبناء المسلمين من قبيلة اليوروبا، ومن بينها جماعاتٌ حديثةٌ، وأهمها:
- جمعية الطلبة المسلمين في الجامعات والمدارس الثانوية.
- جماعة المجلس الإسلامي في جنوب وغرب نيجيريا.
- جماعة تضامن المسلمين.
- جماعة التجديد الإسلامي، وانتشرت في عدة ولايات من شمال نيجيريا.
- جماعة الأمة.
- جماعة المسلمين.
- جماعة التعاون.
- جماعة إزالة البدعة وإقامة السُّنَّة، وتنتشر في شمال نيجيريا، وأسسها الشيخ أبو بكر جومي.
وتعمل هذه الجماعات على الاجتهاد في عرض الإسلام بصورةٍ جيدةٍ ومناسبةٍ للعصر، كما تجتهد في سد الثغرات والخلل، وملء الفراغ والفجوة الموجود بين المسلمين وغيرهم.
أما في جانب البعثات التعليمية التي تذهب إلى الخارج، فإنَّ أكثر المبتعثين يذهبون للبلاد الأوروبية والغربية، خاصةً بريطانيا والولايات المتحدة، ومعظمهم من أبناء الأغنياء من المسلمين وغير المسلمين ممن لهم القدرة على الإنفاق على أبنائهم، وتكون دراسات هؤلاء في الغالب دراساتٌ علميةٌ في المرحلة الجامعية وما بعد الجامعية، وتكون في مجالات الهندسة والاقتصاد والطب والإعلام والكمبيوتر، والمجالات التقنية الحديثة بشكلٍ عامٍ.
إلا أنَّ هناك شريحةً من المبتعثين الذين يسافرون من خلال المنح الدراسية إلى الدول العربية، مثل: السعودية ومصر والسودان والكويت وتونس وليبيا وماليزيا وباكستان، وهؤلاء غالبًا ما يكونون من أبناء الشريحة المتوسطة وفوق المتوسطة.
كما كان لإيران أيضًا في السنوات الخمسة عشرة الأخيرة حضورًا في مجال جذب أعدادٍ من طلاب المسلمين، وإرسالهم إلى الدراسة في إيران، وفي النهاية يعودون وقد اعتنقت غالبيتهم المذهب الشيعي.
كما لوحظ- في المقابل- في الفترة الأخيرة أنَّ الهيئات التنصيرية تتكفل بابتعاث الطلاب المسيحيين، وإرسالهم للدراسة والتأهيل، ثم العودة ليتولوا مراكز القيادة في مفاصل الدولة وأماكنها الحساسة.