في العشر الأواخر من رمضان تزدهر تجارتا الدنيا والآخرة، فكما تمتلئ المساجد بالمصلين، تزدحم الأسواق بالمواطنين، وتعجُّ بحركة تجارية نشطة، فلا تغلق المحلات التجارية أبوابها، لا بالليل ولا بالنهار، في مصطلح أصبح متداولاً بين تجار الضفة الغربية.. إنها (جمعة عيد).

 

صناعات وحرف ارتبط ظهورها ورواجها بحلول عيد الفطر، وأصبحت حكرًا على هذا الموسم؛ حيث يرى الكثير من المواطنين، وخاصةً الشبان، منهم فرصةً سانحةً للكسب والتغلب على البطالة.

 

وتعتبر تجارة نخيل القبور واحدةً من هذه الحرف، فمع قرب حلول عيد الفطر تكتسي مقابر مدينة نابلس ثوبها الأخضر، وتنزع عنها ثوبها القديم الأصفر بعد أن تزينت بعسفات النخيل.

 

فعندما تهمُّ بالدخول إلى إحدى مقابر المدينة يستوقفك الباعة الأطفال المنتشرون على مداخل المقابر لإقناعك بالشراء، ولكن في حقيقة الأمر يقف خلف هؤلاء الأطفال تجار كبار، اشتهروا بين المواطنين بتجار نخيل القبور؛ حيث أصبحت هذه الحرفة مهنة من لا مهنة له، والتي تدرُّ دخلاً جيدًا، إذا ما قورنت بالوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه الفلسطينيين.

 

تجولنا في المقبرة الشرقية إحدى مقابر مدينة نابلس، والتقينا بالسيد "أبو عبد الله" (أحد تجار النخيل)، وسألناه عن مصدر هذا النخل فأجاب: "نأتي بهذا النخيل من منطقة الأغوار القريبة من مدينة أريحا التي تشتهر بكثرة النخيل".

 

وعن سعر عسفة النخل أجاب أبو عبد الله: "يتفاوت سعر جريدة النخل الواحدة، وذلك حسب طولها ونوعيتها، إلا أن متوسط سعرها يقارب دولارًا ونصف الدولار تقريبًا".

 

ويشير المواطن "أبو محمود" الذي بدا مشغولاً بوضع العسفات على قبر والده إلى أنه اشترى ثمانية عسفات من النخل، ثمن الواحدة 7 شياكل لوضعها على قبر والدته، وبذلك يصبح مجموع ما دفعته (56) شيكلاً (16,5 دولارًا تقريبًا)، وللقارئ أن يتخيل حجم هذه التجارة ومقدار ما ينفقه المواطنون على شراء النخيل.

 

ورد ومعمول

 الصورة غير متاحة
 
   كما تعتبر تجارة الورد والأزهار الطبيعية من المظاهر التي ارتبطت بقدوم عيدَي الفطر والأضحى، فعند تجوالك في شوارع مدن الضفة ترى عشرات الأواني البلاستيكية التي تحتوي على أصناف شتى من الورد المنمق والمنسق بطريقة تجبرك على الشراء رغمًا عنك.

 

يقول البائع عبد الله من نابلس وهو يمسك بين يديه ضمَّة من الورد: "يعتبر عيد الفطر أحد أهم المواسم بالنسبة لنا.. أنا أشتري هذا الورد من تجار الجملة في المدينة.. ومن ثم أقوم ببيعه للزبائن بسعر يحقق لي القليل من الربح".

 

وعن أصناف الورد، يشير عبد الله إلى وجود أكثر من خمسة أنواع مشتهرة ومطلوبة من الزبائن، مثل: ورد الزنبق والفل والجوري والبنفسج، وغالبًا ما يشتري الزبائن هذه الورود؛ إما لغرض الزينة أو كنوع من أنواع الهدايا بين الأقارب والأصدقاء.

 

ومن نسيم الورد إلى رائحة المعمول؛ حيث تنبعث من العديد من المنازل الفلسطينية رائحة المعمول الزكية في نكهة خاصة وحصرية بعيدي الفطر والأضحى؛ حيث يجتمع الأولاد مع أمهاتهم في المطابخ بغرض المساعدة والمشاركة في تلك الأجواء الأسرية، وتعتبر تجارة السميد والعجوة- التمر المهروس- من الأصناف التي يكثر الطلب عليها قبل أيام العيد؛ لأنها تعتبر المكون الرئيس في صناعة المعمول.

 

ويتسابق تجار الجملة على توفير هذين الصنفين الذين يزيد الطلب عليهما بصورة جنونية، وهو ما يدفع بعض التجار (ضعاف النفوس) إلى استغلال هذا الطلب من خلال رفع الأسعار والاحتكار أحيانًا أخرى.

 

سمك وبالون

وتشتهر بين المواطنين في الضفة وفي مدينة نابلس عادة تناول سمك "الفسيخ" على وجبة فطور أول أيام عيد الفطر؛ لما لهذا النوع من السمك فوائد عديدة؛ حيث يعمل على الحد من ظاهرة التلبُّك المعدي الذي ينتشر في أول أيام العيد؛ حيث تكثير الزيارات الاجتماعية وما يصاحبها من أكل أصناف شتى من الحلويات والأطعمة والمكسرات؛ الأمر الذي تنتج عنه حالة المغص.

 

ويصطف المواطنون في نابلس في طوابير طويلة أمام "مسمكة العقاد" لشراء هذا الصنف من الأسماك الذي يعتبر عيد الفطر الموسم الوحيد لبيعه، ويصل ثمن الكيلو الواحد إلى 15 شيكلاً (4 دولارات)، وهي عادة يشترك فيها الغني مع الفقير.

 

كما تعتبر تجارة بالون "الهيليوم" من المظاهر التي ينفرد بها عيدا الفطر والأضحى، فعند تجوالك في شوارع الضفة ترى العديد من الشباب (في الغالب يكونون من العاطلين عن العمل) يعرضون مئات البلالين المعبئة بغاز "الهيليوم" الخفيف، ويرى هؤلاء الشباب في العيد فرصًا سانحةً للربح والتغلب على ظاهرة البطالة ولو بشكل مؤقت.

 

يقول الشاب حسام من نابلس: "هذه التجارة بسيطة وليست بحاجة إلى رأس مال كبير.. كل ما عليك توفيره جرة غاز "هيليوم" مع منفخ هواء خاص، بالإضافة إلى البالونات المصنوعة من البلاستك الخفيف، والتي لها العديد من الأشكال والأحجام والألوان".

 

ويضيف: "في الغالب تكون الشخصيات الكرتونية هي المحببة للأطفال عند اختياراهم شكل البالون.. أشعر بالسعادة في عملي؛ لأني أرتزق من هذه الحرفة الموسمية وأكسب مبلغًا من المال لا بأس به".

 

كما تزدهر في موسم الأعياد العديد من التجارات والصناعات الأخرى مثل صناعة الحلويات والبقلاوة على وجه الخصوص، والتي تعتبر صنفًا أساسيًّا على موائد الضيافة في العيد، وكذلك الأمر مع تجارة البوزورات والمكسرات كالفستق الحلبي والكاشو والبندق، كما تشهد أسواق البن والقهوة رواجًا هي الأخرى.

 

ويعتبر العيد موسمًا حقيقيًّا لتجار لحوم الأبقار والأغنام والدجاج؛ حيث تعتبر رحلة شواء اللحم على الحطب هي الأخرى من السمات الواضحة في الأعياد.

 

ومما لا شك فيه أن زيادة الطلب على جميع الأصناف المذكورة سابقًا تنعكس بشكل تلقائي على الأسعار على قاعدة العرض والطلب، وهو ما يثقل كاهل المواطن الفلسطيني ويزيد من حجم مصروفاته بشكل كبير.